وبعد تنبيهه إلى مخاطر سباق التسلح، عاد الصندوق للحديث عن التوقعات الاقتصادية، مؤكدًا أنه في حال استمرار الحرب في غرب آسيا لأشهر عدة، بالتزامن مع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة، فإن وتيرة النمو الاقتصادي العالمي ستتباطأ بشكل ملحوظ. وبحسب التقديرات، قد ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي — وهو مؤشر يجمع أداء الاقتصادات الوطنية — إلى نحو %2 مقارنة بعام 2025، وهو مستوى يقترب من الحد الذي يعتبره الاقتصاديون بداية لركود عالمي.
وفي تقريره “آفاق الاقتصاد العالمي”، عرض الصندوق أيضًا سيناريو أقل تشاؤمًا، يفترض انتهاء الحرب خلال أسابيع، إلا أن هذا السيناريو سيؤدي رغم ذلك إلى تراجع النمو العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية، وهي الخسارة نفسها المتوقعة للاقتصاد الإيطالي، الذي يبدو أكثر هشاشة من نظرائه الأوروبيين بسبب اعتماده الكبير على واردات الطاقة.
ولا يزال الوضع في غرب آسيا هشًا رغم سريان هدنة منذ أسبوع، إذ يشهد قطاع تجارة الطاقة اضطرابات ملحوظة، مع تراجع تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز مقارنة بمستوياتها في مطلع العام، قبل التصعيد العسكري الذي استهدف إيران.
وطرح صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات رئيسية وفقًا لتطورات الأوضاع في المنطقة. ففي حال انتهاء الحرب قريبًا وعودة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، قد يتمكن الاقتصاد العالمي من امتصاص جزء من الصدمة، محققًا نموًا يبلغ %3.1 (بانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات يناير). أما في إيطاليا، فمن المتوقع أن يقتصر النمو على %0.5 مقارنة بعام 2025، أي نصف معدل النمو في فرنسا وألمانيا، وأقل بأربع مرات من التقديرات الخاصة بإسبانيا.
وتُعد إسبانيا من أكثر الدول الأوروبية قدرة على الصمود في مجال الطاقة بفضل مواردها الطبيعية، في حين تعاني إيطاليا من اعتماد هيكلي مزمن على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الخليج.
وفي السياق الراهن، الذي لا يزال فيه نموذج النمو الاقتصادي مهيمنًا، فإن أي تباطؤ اقتصادي قد يترتب عليه تداعيات خطيرة، مثل فقدان الوظائف وتراجع الإنفاق الاجتماعي. وتتفاقم هذه المخاطر بالنسبة لدول مثل إيطاليا المنضوية ضمن هيكل اقتصادي ليبرالي كالاتحاد الأوروبي، الذي أكد مسؤولوه مؤخرًا عدم نيتهم تعليق “ميثاق الاستقرار”، رغم الأزمة الحالية.
ويختلف هذا الموقف عن العام الماضي، حين أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، «أورسولا فون دير لاين»، إدخال بند يسمح للدول الأعضاء بزيادة الإنفاق العسكري ضمن الميثاق.
ويرى صندوق النقد الدولي أن خطر الركود لا يقتصر على إيطاليا، بل قد يمتد عالميًا وفق سيناريوهاته المختلفة. ففي السيناريو “السلبي”، الذي يفترض استمرار الحرب وبقاء أسعار النفط والغاز عند مستوياتها الحالية، سيبلغ النمو العالمي نحو %2.5. أما السيناريو “الخطير”، فيفترض ارتفاع أسعار النفط إلى 110 دولارات للبرميل — أي بزيادة %100 مقارنة بتقديرات يناير — إلى جانب ارتفاع أسعار الغاز، ما قد يدفع النمو العالمي إلى حدود %2.
ويُعد هذا المستوى حرجًا، إذ إن انخفاض النمو إلى ما دون %2 يُصنّف عادةً كركود عالمي، مصحوب بارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار الفائدة، على غرار ما حدث خلال جائحة كوفيد-19.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.