الإيطالية نيوز، السبت 13 يونيو 2026 – تحوَّلت الاحتجاجات التي اندلعت في ألبانيا دفاعًا عن إحدى المناطق البيئية المحمية، والمعروفة إعلاميًا باسم «ثورة طيور النحَّام»، من تحرُّك ذي طابع بيئي إلى تعبير واسع عن السخط السياسي والاجتماعي اتِّجاه حكومة رئيس الوزراء الألباني، «إيدي راما»» (Edi Rama).ويتمحور الخلاف حول بحيرة «نارتا» الساحلية، وهي منطقة طبيعية بكر تقع في منطقتي «بيشي بورو» و«زفرنيك» وتضمُّ جزيرة سازان، أكبر جزر ألبانيا. وفي عام 2024 أبدى «جاريد كوشنر» (Jared Kushner)، صهر الرئيس الأمريكي السابق، «دونالد ترامب» (Donald Trump)، اهتمامه بالمنطقة، حيث يعتزم بالشراكة مع مستثمرين أخرين إنشاء منتجع سياحي فاخر بقيمة 1.4 مليار دولار.
ويرى معارضو المشروع أنَّه يمثِّل تهديدًا للبيئة والمصلحة العامَّة، بينما يدافع عنه رئيس الوزراء الألباني باعتباره فرصة تنموية تاريخية، متهمًا إيران بالوقوف وراء التحرُّكات الاحتجاجية المناهضة له.
تعديلات قانونية فتحت الطريق للمشروع
بدأت الخطوات العملية للمشروع عام 2024 عندما أقرَّ البرلمان الألباني، الذي يهيمن عليه حزب رئيس الوزراء «راما»، تعديلات على قانون المناطق المحمية. وتتيح هذه التعديلات تجاوز القيود البيئية السابقة والسَّماح بإقامة فنادق ومنتجعات فاخرة داخل المتنزَّهات الوطنية تحت مسمَّى «الاستثمارات الاستراتيجية».
وأثارت هذه الخطوة اعتراضات واسعة من أحزاب المعارضة ومنظَّمات المجتمع المدني، قبل أن تدخل القضية مرحلة جديدة مع فتح «النيابة الخاصَّة لمكافحة الفساد والجريمة المنظَّمة» في ألبانيا (SPAK) تحقيقًا رسميًا بشأن آلية إقرار القانون ومعايير تخصيص الأراضي العامَّة، وسط شبهات تتعلَّق بغياب المناقصات التنافسية واحتمالات وجود محاباة ممنهجة.
شبكة مصالح سياسية واقتصادية
يحظى المشروع بدعم كامل من رئيس الوزراء «راما»، الذي يعتبره فرصة اقتصادية لا يمكن التفريط بها، متَّهِمًا إيران بالوقوف وراء تأجيج الاحتجاجات المتواصلة ضده. ويبرز في خلفية المشروع اسم «ريشارد غرينيل» (Richard Grenell)، السفير الأمريكي السَّابق والمبعوث الخاص السَّابق للبيت الأبيض إلى منطقة البلقان، والذي يُعدُّ اليوم شريكًا في صندوق «أفينيتي بارتنرز» الاستثماري التابع لِـ«كوشنر».
ويرى عدد من المحلِّلين أنَّ المشروع يعكس نموذجًا لما يُسمَّى «الدبلوماسية التبادلية»، حيث تُستخدم الأصول والأراضي ذات الأهمية الاستراتيجية كأدوات لتعزيز العلاقات السياسية مع دوائر النفوذ في «واشنطن» وغيرها من العواصم المؤثِّرة.
تمويل سعودي وأهداف إقليمية أوسع
ورغم تعدُّد الشركات المشاركة في تنفيذ المشروع، بما في ذلك شركات مسجَّلة في «لوكسمبورغ» وولاية «ديلاوير» الأمريكية، فإن إدارة العملية الاستثمارية تتم عبر «أَفِّينيتي بارتنرز»، وهو صندوق استثمار خاص أسَّسه «كوشنر» في «ميامي» عام 2021.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أنَّ الجزء الأكبر من رأس مال الصندوق يأتي من «صندوق الاستثمارات العامَّة»، صندوق الثروة السيادي السعودي الذي يرأسه «محمد بن سلمان» .
ويُنظَر إلى الصندوق باعتباره منصَّة اقتصادية تهدف إلى تعزيز الروابط الاستثمارية بين الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل، في امتداد اقتصادي غير مباشر لنهج «اتِّفاقيات أبراهام» الذي طُرح خلال الولاية الأولى للرئيس «ترامب».
أسماء مثيرة للجدل ضمن المشروع
تتولَّى شركة «سازان للتطوير العقاري» إدارة المشروع بقيادة رجل الأعمال العقاري «آشر أبيهسيرا»، الشريك المقرَّب من «كوشنر». وبحسب تقارير وتحقيقات صحفية في منطقة البلقان، يضمُّ المشروع عددًا من الشخصيات المثيرة للجدل.
ومن بين هذه الأسماء عائلة «كاستراتي»، ممثلة بِـ «شفيقت» و«موسى كاستراتي»، اللَّذين يديران مجموعة أعمال واسعة النفوذ في قطاعات الوقود والتأمين و«مطار تيرانا»، وتُعرف بعلاقاتها الوثيقة مع الحكومة.
كما يبرز اسم القاضي السابق «علاء الدين مالاي»، الرئيس الأسبق لمحكمة الاستئناف في «تيرانا»، الذي تمتلك عائلته أراضي تدخُّل ضمن نطاق المشروع. وتحيط بهذه الملكيات نزاعات قانونية وعقارية تعود إلى سنوات سابقة، ما زاد من الجدل بشأن خلفيات المشروع وآليات الاستحواذ على الأراضي.
جزيرة «سازان»: الموقع الذي يفسر كل شيء
تكمن الأهمِّية الحقيقية للمشروع في الموقع الاستراتيجي لجزيرة «سازان»، التي تشرف على قناة «أوترانتو»، الممر البحري الذي يربط البحر الأدرياتيكي بالبحر الأيوني.
كما تقع الجزيرة بالقرب من مسار عبور «عبر خط أدرياتيك» (TAP)، الذي ينقل الغاز الأذربيجاني إلى الأسواق الأوروبية عبر الأراضي الإيطالية، ويُعدُّ جزءًا من «الممر الجنوبي للغاز»، أحد أهم مشاريع أمن الطاقة في أوروبا.
وتحمل الجزيرة إرثًا عسكريًا طويلاً؛ فقد خضعت للسيادة الإيطالية بين عامي 1914 و1947 تحت اسم «ساسينو»، قبل أن تتحوَّل خلال الحرب الباردة إلى قاعدة عسكرية استراتيجية تابعة للمعسكر الشرقي، استضافت منشآت وغوّاصات سوفيتية سرِّية. وبعد القطيعة بين الزعيم الألباني السَّابق، «أنور خليل خوجة» والاتحاد السوفيتي عام 1961، تحوَّلت الجزيرة إلى منطقة عسكرية مغلقة تضمُّ آلاف التحصينات والمخابئ الخرسانية.
تساؤلات تتجاوز السياحة
ويُفترض أن تتحوَّل الجزيرة والمنطقة الساحلية المحيطة بها إلى وجهة سياحية فائقة الفخامة تستثمر حتَّى في الإرث العسكري والمخابئ القديمة كجزء من الهوية التسويقية للمشروع.
إلَّا أنَّ الأهمِّية الجيوسياسية للموقع، إلى جانب طبيعة الجهات والشخصيات المنخرطة فيه، دفعت بعض المراقبين إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كان المشروع يتجاوز الأهداف السياحية البحتة. وتذهب بعض التكهُّنات إلى احتمال أن تمتلك المنشآت المزمع إنشاؤها استخدامات مزدوَجة مدنية وأمنية، أو أن تشكٍّل غطاءً لبنية استراتيجية أوسع في منطقة وسط البحر المتوسِّط، غير أنَّ هذه الفرضيات لا تستند حتَّى الآن إلى أدلَّة معلنة أو مؤكًّدة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.