الإيطالية نيوز، الاثنين 8 يونيو 2026 – أثارت واقعة الاعتداء التي تعرض لها رجل مصري وسط مدينة «بيلّونو» الإيطالية، والتي وثَّقها عدد من المراهقين بهواتفهم المحمولة قبل تداولها عبر تطبيق «واتساب»، نقاشًا واسعًا حول تنامي ظاهرة تحويل العنف إلى مادَّة للتسلية والاستعراض على منصَّات التواصل الاجتماعي.وفي هذا السياق، استطلعت صحيفة «إل_دولوميتي» آراء الطبيب والمعالج النفسي المتخصص في شؤون الطفولة والمراهقة «ألبيرتو بيلّاي» »، الذي تناول تأثير البيئة الرقمية على سلوك الشباب وقدرتهم على التعاطف مع الأخرين.
ويرى «بيلّاي» أن انتشار المحتوى العنيف عبر الشاشات يسهم في إضعاف الحساسية اتِّجاه مشاهد العنف، موضِّحًا وجود ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء هذه الظاهرة. ويتمثَّل العامل الأوَّل في «التبلد أو إزالة الحساسية»، إذ يتعرض الشباب بشكل متكرر لمقاطع وصور عنيفة تُتداول على نطاق واسع من دون أي تقييم أخلاقي أو إدانة واضحة، ما يؤدِّي تدريجيًا إلى تطبيع العنف والتعامل معه بوصفه أمرًا اعتياديًا.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في «تمجيد العنف»، حيث قد يتحول نشر هذه المقاطع إلى وسيلة لاكتساب الشهرة أو المكانة الاجتماعية داخل الفضاء الرقمي، بدلاً من أن يكون سببًا للرفض أو الاستنكار. وأشار إلى أن الوقت الطويل الذي يقضيه المراهقون في هذا المناخ الرقمي يقلِّل من فرص ترسيخ القيم الأخلاقية التي تساعدهم على التمييز بين الصواب والخطأ.
أما العامل الثالث، بحسب «بيلَّاي»، فيرتبط بتلاشي الحدود بين الواقع والعالم الافتراضي، ما يدفع بعض الشباب إلى التعامل مع الحياة كما لو كانت مشهدًا سينمائيًا أو عرضًا موجَّهًا للجمهور، حيث تُصبح الأفعال جزءًا من «سيناريو» يُراد توثيقه ونشره، من دون إدراك كامل للعواقب القانونية أو الإنسانية المترتِّبة عليه.
وفي تعليقه على ما وصفته السلطات بـ«غياب الوعي بالعواقب»، أوضح «بيلّاي» أن المحتوى الرقمي غالبًا ما يُستقبل باعتباره وسيلة للحصول على الإعجابات والمشاركات والتفاعل، لا باعتباره فعلاً قد تترتَّب عليه مسؤوليات قانونية وأخلاقية حقيقية. وأضاف أن هذا الإدراك المشوَّه يجعل بعض المراهقين يتعاملون مع الأحداث كما لو كانوا يشاهدون فيلمًا يمكن أن يحدث فيه أي شيء من دون تبعات.
وأشار الخبير إلى أن السعي وراء الشهرة والانتشار ليس ظاهرة جديدة في سلوك المتنمرين، لكنه اكتسب أبعاداً جديدة مع وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد انتشار أخبار حوادث عنف مشابهة على نطاق واسع، قد ينجذب بعض الشباب إلى فكرة أن يصبحوا محور الاهتمام الإعلامي أو الرقمي، من دون التفكير في النتائج السلبية التي قد تترتَّب على ذلك.
كما لفت إلى أن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على مرتكبي أعمال العنف فقط، بل تشمل أيضًا الأشخاص الذين يشاهدون المقاطع أو يعيدون نشرها. وأكد على أنَّ مجرَّد التفاعل مع هذا النوع من المحتوى أو تداوله يسهم في تعزيز حضوره وتأثيره، ويمنح مرتكبيه شعورًا بالقوة والقبول الاجتماعي.
وشدد «بيلَّاي» على ضرورة تعزيز الوعي الرقمي لدى الشباب، وترسيخ مفهوم المسؤولية الجماعية اتِّجاه المحتوى المنشور على الإنترنت، معتبراً أن المنصات الرقمية لا ينبغي أن تكون فضاءات معزولة عن القيم الأخلاقية التي تحكم الحياة الواقعية.
وأضاف أن خوارزميات بعض منصَّات التواصل تكافئ المحتوى المثير للجدل والعنيف عبر منحه انتشارًا أكبر، الأمر الذي يحمّل شركات التكنولوجيا جزءًا من المسؤولية، ويفرض الحاجة إلى بيئة رقمية أكثر التزامًا بالمعايير الأخلاقية، خصوصًا في ظل الساعات الطويلة التي يقضيها الأطفال والمراهقون على هذه المنصات يوميًا.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.