أما عندما ينظمون احتجاجات سلمية، فإنهم يصبحون أشبه بالأشباح؛ فقد يشارك فيها مئة ألف شخص، من دون أن تحظى بأي تغطية إعلامية تُذكر. لكن ما إن يحاول بعضهم تخريب مواقع الإنشاء حتى تنطلق الطبقة السياسية ووسائل الإعلام الرئيسية في حملة موحدة تصفهم بأنهم جماعات عنيفة، أو عناصر من "بلاك بلوك"، أو حتى إرهابيون.
وهذا المشهد يتكرر منذ ثلاثة عقود بالصيغة نفسها، بهدف واحد هو تجنب مناقشة جوهر القضية، وتحويل الرأي العام إلى معسكرين متقابلين: من يقف "مع الدولة" ومن يقف "مع العنف"، من دون طرح السؤال الجوهري الوحيد: هل هناك حاجة فعلية لتدمير أحد الأودية، وتجاهل إرادة سكانه، وإنفاق 11 مليار يورو من الأموال العامة (التي غالبًا ما تتضاعف تكلفتها في إيطاليا) لبناء نفق جديد للسكك الحديدية؟
تُعد قصة مشروع خط «تورينو-ليون»فائق السرعة من أكثر القضايا إثارة للمفارقة، حتى في بلد مثل إيطاليا. فهو المشروع الوحيد الذي يوصف منذ أكثر من ثلاثين عامًا بأنه "عاجل ولا يحتمل التأجيل"، رغم أنه لم يُحفر منه حتى الآن متر واحد.
وبحسب تقريرًا نشرته صحيفة لا ستامبا في 15 أكتوبر 1991، أكدت فيه أن خط السكك الحديدية القائم بين «تورينو وليون» سيصبح غير كافٍ بحلول عام 1997. ويشير، في ملاحظة توضيحية، إلى أن خطًا حديديًا بين المدينتين موجود بالفعل، ويعمل بصورة طبيعية، كما خضع لأعمال تحديث عام 2011.
وفي عام 1991 بلغ حجم حركة نقل البضائع عبر الخط 8.5 ملايين طن، وكان الخبراء يتوقعون أن يتجاوز سريعًا الحد الأقصى لاستيعاب الخط، البالغ 14.3 مليون طن، ما جعل مشروع القطار فائق السرعة يبدو، في نظرهم، ضرورة لا غنى عنها.
لكن السنوات مضت، وحل عام 1997، ولم تشهد حركة الشحن الزيادة المتوقعة، بل ارتفعت بشكل طفيف فقط، ما استدعى إعداد دراسة جديدة.
وفي عام 1999، عاد خبراء حكوميون ليؤكدوا ضرورة تنفيذ المشروع فورًا، معتبرين أن الخط الحالي لن يكون قادرًا على استيعاب حركة البضائع بعد عام 2005، وأن حجم النقل سيرتفع إلى 20 مليون طن خلال سنوات قليلة.
وفي عام 2001، وافقت حكومة «جوليانو أماتو»، المنتمية إلى يسار الوسط، على المشروع. غير أن عام 2005 جاء، وكانت النتيجة معاكسة تمامًا للتوقعات؛ إذ انخفض حجم نقل البضائع على خط تورينو-ليون إلى 6.5 ملايين طن، مقارنة بـ8.5 ملايين طن عام 1991.
ورغم ذلك، يشير خبراء أعدوا دراسة جديدة عام 2004، اعتبرت أن التراجع مؤقت، وأن الخط الحالي لن يكون كافيًا بعد عام 2015، وأن إنشاء الخط الجديد يظل ضرورة حتمية، بصرف النظر عن اعتراضات سكان المنطقة.
وفي عام 2012، صدرت دراسة أخرى أكدت ضرورة الإسراع في تنفيذ المشروع، متوقعة أن يبلغ حجم البضائع المنقولة بين إيطاليا وفرنسا 20 مليون طن بحلول عام 2025، وأن يصل إلى 50 مليون طن بحلول عام 2050. لكن، استمر حجم حركة الشحن في التراجع بدلًا من الارتفاع.
وفي عام 2022، بلغ حجم البضائع المنقولة بالقطار بين تورينو وليون 2.34 مليون طن فقط، أي أقل بنحو أربعة أضعاف مقارنة بعام 1991، وأقل بأكثر من ست مرات من الحد الأقصى الذي يستطيع الخط الحالي استيعابه: هذه الأرقام هي التي ينبغي أن تشكل أساس النقاش العام بشأن مشروع القطار فائق السرعة في «ڤال دِ سوزا».
في إيطاليا، ربما يوجد ما يشبه "تحالفًا موحدًا" مؤيدًا لقطاع البناء والمشروعات الكبرى، يضم مختلف القوى السياسية، من حزب «الرابطة» (ليغا) إلى «الحزب الديمقراطي»، مرورًا باتحاد الصناعيين الإيطاليين (كونفيندوستريا)، إضافة إلى معظم وسائل الإعلام الرئيسية.
وإن تركيز النقاش على هذه المعطيات، بدلًا من الاكتفاء بالحديث عن أعمال العنف، سيجبر مؤيدي المشروع على الإجابة عن السؤال الذي يراه جوهريًا: لصالح أي مصالح خاصة يُصرّ على تنفيذ مشروع لا حاجة له، وسيكلف الدولة مبالغ طائلة؟ بالأخص، أن سكان «ڤال دِ سوزا» يدركون هذه الحقائق منذ سنوات، ولذلك يرفضون ما يعتبرونه تحويل منطقتهم إلى ورشة مفتوحة تستنزف أراضيهم وتستخدمها وسيلة لتحقيق مكاسب لمستفيدي مشروعات البنية التحتية الكبرى.
وهنا تجدر الإشارة إلى بيان للحركة المناهضة للمشروع جاء فيه: "حاكموا من يدمر البيئة، لا من يقاوم تدميرها." يأتي ذلك في وقت يدعو فيه مسؤولون في الحكومة إلى استحداث جريمة جديدة تحت مسمى "إرهاب الشوارع" بهدف سجن المحتجين: "ربما حان الوقت للاستماع إليهم."

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.