«جالية العالم العربي في إيطاليا»: أوروبا بحاجة إلى سياسة هجرة تجمع بين الأمن والاندماج والتعاون الدولي - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

«جالية العالم العربي في إيطاليا»: أوروبا بحاجة إلى سياسة هجرة تجمع بين الأمن والاندماج والتعاون الدولي

«جالية العالم العربي في إيطاليا»: أوروبا بحاجة إلى سياسة هجرة تجمع بين الأمن والاندماج والتعاون الدولي

شبكة جمعيات تدعو إلى تجاوز إدارة الأزمات نحو استراتيجية أوروبية موحدة تقوم على الشرعية والحقوق والعمل والتخطيط...


الإيطالية نيوز، الاثنين 10 أغسطس 2026 – أكدت «جالية العالم العربي في إيطاليا»، إلى جانب عدد من الجمعيات والمؤسسات الدولية، أن أزمة «سبتة» والتداعيات السياسية التي أعقبتها في إسبانيا و«الاتحاد الأوروبي» تكشف مجددا عن أوجه القصور في سياسات الهجرة الأوروبية المعتمدة خلال العقود الثلاثة الماضية.

وترى الشبكة أن تكرار الأزمات، من وسط البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة البلقان، ومن «جزر الكناري» إلى «سبتة» و«مليلية»، يعكس غياب استراتيجية أوروبية متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين أمن الحدود، والتعاون الدولي، والاندماج، والتخطيط المنظم لتدفقات الهجرة.


«سبتة» تكشف هشاشة الحدود الأوروبية

وأبرزت أزمة «سبتة»، وفق الشبكة، هشاشة الحدود الأوروبية أمام موجات الهجرة، إلى جانب حجم اليأس الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، فضلاً عن نشاط شبكات الاتجار بالبشر وتأثير انتشار المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


كما أعادت الأزمة إلى الواجهة مسألة غياب الاستجابة الأوروبية الموحدة، في وقت عززت فيه إسبانيا إجراءاتها الحدودية بحاجز بحري يبلغ طوله نحو 500 متر، بالتزامن مع تجدد النقاش داخل «الاتحاد الأوروبي» حول أمن الحدود، وإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، ومسؤولية دول الدخول الأولى، وآليات التضامن بين الدول الأعضاء.


تحالف جمعيات يطرح «الهجرة الجيدة»

وفي مواجهة هذه التطورات، شددت كل من «جالية العالم العربي في إيطاليا» (CO-MAI)، و«الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية الدولية» (UMEM)، و «نقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا»  (AMSI)، و «آيسك نيوز» (الوكالة العالمية إعلام بلا حدود)، وحركة «متحدين للوحدة» الدولية، و«الاتحاد الدولي لأبناء عرب 48»، على ضرورة الانتقال من سياسات إدارة الطوارئ إلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على ما تصفه بـ«الهجرة الجيدة».


وتقوم الرؤية التي تطرحها هذه الجهات على تعزيز التعاون مع بلدان المنشأ، وضمان أمن الحدود، وتحقيق الاندماج الفعلي، وفتح قنوات قانونية ومنظمة للهجرة، إلى جانب تشجيع الهجرة الماهرة والاستفادة من الكفاءات المهنية للمهاجرين.


ويتحدث باسم شبكة الجمعيات البروفيسور «فؤاد عودة»، الطبيب المتخصص في أمراض العظام، والصحفي والمتخصص في التواصل العلمي الدولي، والخبير في الصحة العالمية، وعضو سجل خبراء FNOMCEO وأستاذ في «جامعة روما تور فيرغاتا».


أكثر من ثلاثة عقود من العمل في قضايا الهجرة والاندماج

وأكدت الشبكة أن انخراطها في ملف الهجرة لم يبدأ مع أزمة «سبتة»، مشيرة إلى نشاطها على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في إيطاليا وعلى المستوى الدولي في مجالات الصحة العالمية، والاندماج، والتعاون الأوروبي المتوسطي، وحماية الحقوق، وتعزيز الشرعية والحوار بين الثقافات.


ومنذ عام 1995، قدم البروفيسور «فؤاد عودة»، بالتعاون مع عدد من الجمعيات، مقترحات إلى المؤسسات الإيطالية والأوروبية بهدف إجراء إصلاح شامل لسياسات الهجرة.


وتبلورت هذه المقترحات في إطار ما يعرف بـ**«بيان الهجرة الجيدة»**، وهي وثيقة جرى تحديثها على مدار السنوات، وتهدف إلى الجمع بين أمن الحدود والاندماج والتعاون الدولي، إلى جانب التخطيط لتدفقات الهجرة وتقييم المهارات والكفاءات المهنية.


من المجتمع المدني إلى العمل السياسي

وفي إطار هذا المسار، أُعلن عن ولادة «الاتحاد الدولي للبيان السياسي لإيطاليا»، بهدف نقل الخبرات التي راكمها المجتمع المدني في ملف الهجرة والاندماج إلى المجال السياسي والمؤسسي، والمساهمة في صياغة سياسات أكثر استقراراً وفاعلية.


وقال «عودة» إن أزمة «سبتة» لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مأساة إسبانية فحسب، بل باعتبارها انعكاسا لتراكمات سياسة أوروبية مجزأة ومتناقضة على مدى عقود.


وأشار إلى أن أوروبا شهدت مراحل متعاقبة من الانفتاح من دون توفير أدوات كافية للاندماج، وفترات أخرى من التشدد والإغلاق تحولت إلى رسائل انتخابية، فيما بقيت الأسباب الجذرية للهجرة دون معالجة، وفي مقدمتها الحروب والفقر والبطالة وعدم الاستقرار السياسي والاتجار بالبشر وتغير المناخ، فضلاً عن محدودية القنوات القانونية وغياب اتفاقيات هيكلية ومستدامة مع دول المنشأ والعبور.


انخفاض أعداد الوافدين لا ينهي أزمة الهجرة

وترى الشبكة أن توصيف ظاهرة الهجرة باعتبارها «غزوا» لا يعكس تعقيد الواقع الأوروبي.

فخلال عام 2025، بلغ إجمالي عمليات العبور غير النظامية على الحدود الخارجية لِـ«الاتحاد الأوروبي» نحو 178 ألف عملية، بانخفاض قدره %26 مقارنة بعام 2024، وأقل من نصف المستوى المسجل في عام 2023.


وخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، سجلت وكالة «فرونتكس» انخفاضا إضافيا يقارب %40، وفق البيانات التي أوردتها الشبكة.


غير أن تراجع الأعداد الإجمالية، بحسب المصدر ذاته، لا يعني انتهاء أزمة الهجرة، إذ تنتقل الضغوط من مسار إلى آخر، بدءا من وسط البحر الأبيض المتوسط ووصولاً إلى «جزر الكناري» وغرب البلقان والحدود المغربية الإسبانية، وانتهاءً ببحر «المانش».


وتقدم أزمة «سبتة» مثالاً واضحا على قدرة موجة قصيرة ومكثفة من الهجرة على إحداث ضغط كبير على مدينة بأكملها، بما يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية وصحية وأمنية.


اللجوء يظل متركزا في عدد محدود من الدول الأوروبية

وفي عام 2025، تراجعت طلبات اللجوء لأول مرة في «الاتحاد الأوروبي» بنسبة %27، لكنها ظلت متركزة في عدد محدود من الدول.

وسجلت إسبانيا نحو 141 ألف طلب، وإيطاليا 126.6 ألفا، وفرنسا 116.4 ألفا، وألمانيا 113.2 ألفا. وبالاشتراك مع اليونان، تعاملت هذه الدول مع نحو %83 من طلبات اللجوء الجديدة في «الاتحاد الأوروبي».


ويرى عودة أن هذه الأرقام تعكس عدم التوزيع المتوازن لأعباء الهجرة واللجوء داخل «الاتحاد الأوروبي».

وقال إن أوروبا بحاجة إلى «مسؤوليات مشتركة، وإجراءات موحدة، ومواعيد نهائية واضحة لمعالجة الطلبات، وإعادة توزيع حقيقية لطالبي اللجوء»، إلى جانب نظام أوروبي فعال لإعادة الأشخاص الذين لا يستوفون شروط البقاء.


كما شدد على ضرورة عدم ترك الأشخاص المستحقين للحماية الدولية لسنوات في حالة من عدم اليقين، أو الاعتماد على المساعدات الاجتماعية، أو الانخراط في سوق العمل غير المعلن.


إيطاليا بين تشديد الرقابة وتحديات الاندماج

ولا تزال إيطاليا إحدى أبرز نقاط الدخول إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

وبحسب الأرقام الواردة في البيان، بلغ عدد الوافدين إلى إيطاليا بحرا خلال عام 2025 نحو 66,296 وافدا، وهو مستوى قريب من عام 2024 الذي سجل 66,617 وافدا، وأقل بكثير من الذروة المسجلة في عام 2023، عندما بلغ عدد الوافدين 157,651 شخصا.


وتؤكد شبكة الجمعيات أن تراجع أعداد الوافدين لا ينبغي أن يختزل النقاش في مسألة ضبط الحدود وحدها، بل يجب أن يترافق مع سياسات اندماج فعالة، ومسارات قانونية للهجرة، والاستثمار في الكفاءات، وتعزيز التعاون مع بلدان المنشأ والعبور.


«الاستقبال دون اندماج والأمن دون تخطيط»

وتلخص الشبكة رؤيتها بالقول إن إيطاليا وأوروبا لا تزالان تتأرجحان بين «الاستقبال دون اندماج، والأمن دون تخطيط»، داعية إلى نموذج جديد للهجرة يقوم على التوازن بين الشرعية والحقوق والواجبات والعمل والتعاون الدولي.


وبحسب هذا التصور، فإن معالجة ملف الهجرة لا يمكن أن تعتمد فقط على إجراءات الطوارئ أو تشديد الحدود، بل تحتاج إلى سياسة أوروبية طويلة الأمد تعالج الأسباب الجذرية للهجرة، وتنظم تدفقاتها، وتحمي الحدود، وتوفر فرصا قانونية ومنظمة، وتدعم اندماج المهاجرين، وتستفيد من الكفاءات التي يمكن أن تسهم في المجتمعات الأوروبية.


وتعتبر الشبكة أن بناء هذه المنظومة يتطلب تعاونا أكبر بين الدول الأوروبية وبلدان المنشأ والعبور، بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى سياسة هجرة مستقرة وقابلة للتخطيط.


إيطاليا: فجوة بين الاستقبال والاندماج وتحديات سوق العمل

بحسب شبكة الجمعيات، لا يزال التحدي الأساسي في إيطاليا يتمثل في غياب الربط الفعلي بين الاستقبال الأولي وسياسات الاندماج. فالإجراءات المتعلقة بالحصول على تصاريح الإقامة، وتعلم اللغة، والاعتراف بالمؤهلات الدراسية والمهنية، والوصول إلى سوق العمل والخدمات الصحية، فضلاً عن الالتزام بالواجبات المدنية، لا تزال تسير في كثير من الأحيان من دون أن تتحول إلى مسار متكامل يفضي إلى اندماج حقيقي ومستدام.


وتبرز في هذا السياق مشكلة فجوة المهارات في سوق العمل. فوفقا لبيانات يوردها Eurostat، تسجل إيطاليا واحدة من أعلى معدلات العمل في وظائف تقل عن مستوى التأهيل بين المواطنين من خارج «الاتحاد الأوروبي»، إذ تبلغ نسبة أصحاب المؤهلات الزائدة نحو %64، ما يعني أن آلاف المهنيين يعملون في وظائف لا تتناسب مع خبراتهم ودراساتهم.


ويقول أودي إن إيطاليا تحتاج إلى الجمع بين أمن الحدود والتخطيط طويل الأمد لسوق العمل وسياسات الاندماج. ويضيف أن استقدام أطباء وممرضين وفنيين ومهندسين وعمال مؤهلين من الخارج، ثم تركهم في مواجهة إجراءات بيروقراطية معقدة أو من دون الاعتراف بمؤهلاتهم، يمثل هدرا للموارد البشرية.


ويؤكد أن الاندماج لا يقتصر على الحصول على الإقامة، بل يشمل تعلم اللغة، واحترام القوانين، والعمل، والمشاركة في الحياة العامة، وتحمل المسؤوليات إلى جانب التمتع بالحقوق.


إسبانيا: انخفاض التدفقات وتعزيز التعاون مع المغرب

«سبتة» و«مليلية» تظلان الحلقة الأكثر هشاشة

على مدى السنوات الماضية، طورت إسبانيا مقاربة أكثر تركيزا على تنظيم أوضاع المهاجرين، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التعاون مع المغرب، بالتوازي مع استمرار التحديات المرتبطة بإدارة الحدود البرية في «سبتة» و«مليلية»، والضغوط المتغيرة على «جزر الكناري» والسواحل الإسبانية.


وفي عام 2025، بلغ إجمالي الوافدين غير النظاميين إلى إسبانيا 36,775 شخصا، بانخفاض قدره %42.6 مقارنة بعام 2024، عندما بلغ العدد 64,019 وافدا. ويُعزى الجزء الأكبر من هذا التراجع إلى انخفاض أعداد الوافدين إلى «جزر الكناري».


في المقابل، سجلت التدفقات نحو شبه الجزيرة الإسبانية و«جزر البليار» خلال الفترة نفسها ارتفاعاً بنسبة %4.3، لتصل إلى 15,108 وافدين، بما يعكس تغير مسارات الهجرة بدلاً من اختفاء الضغوط بشكل كامل.


وبحلول 15 يوليو 2026، وصل عدد الوافدين بحرا إلى شبه الجزيرة وجزر البليار إلى 7,032 شخصا، مقارنة بـ 6,510 أشخاص خلال الفترة نفسها من عام 2025.


غير أن أزمة سبتة أعادت رسم المشهد بصورة مفاجئة، بعدما شهدت المنطقة خلال فترة قصيرة تدفقا كبيرا من الوافدين، تجاوز في غضون أيام عدد الوافدين غير النظاميين الذين سجلتهم إسبانيا خلال عام كامل وفق المقارنة التي تقدمها شبكة الجمعيات.


«لا نموذج وطنيا قادرا على العمل منفردا»

وترى الشبكة أن التجربة الإسبانية أظهرت تقدما في مجال تنظيم أوضاع العمال وتعزيز اندماجهم، إلا أن أزمة سبتة كشفت في الوقت نفسه حدود أي مقاربة وطنية منفردة.


ويشير أودي إلى أن إسبانيا استثمرت بصورة أكبر في تقنين أوضاع العمال وإدماجهم، إلا أن ما حدث في «سبتة» يؤكد، بحسب رأيه، أن أي نموذج وطني يظل عاجزا عن مواجهة الأزمات المتكررة من دون رقابة حدودية أوروبية مشتركة، وتعاون مستقر وشفاف مع المغرب، يقوم على المسؤوليات المتبادلة بدلاً من الترتيبات السياسية المؤقتة.


ألمانيا وفرنسا: تشديد الرقابة وانخفاض طلبات اللجوء

ضوابط داخلية متزايدة في مواجهة الهجرة غير النظامية

على الرغم من عدم كونهما من دول الحدود البحرية الخارجية للاتحاد الأوروبي، تظل ألمانيا وفرنسا من أبرز الوجهات الأوروبية لطالبي اللجوء، كما تضطلعان بدور محوري في إدارة ملف الهجرة داخل الاتحاد.


ففي عام 2025، سجلت ألمانيا نحو 113,200 طلب لجوء لأول مرة، مقارنة بـ229,751 طلبا في عام 2024، بالتزامن مع تعزيز ضوابطها على الحدود الداخلية خلال الفترة الممتدة من 16 مارس إلى 15 سبتمبر 2026، في إطار جهودها لمواجهة الهجرة غير النظامية، ومكافحة تهريب المهاجرين، والحد من الضغوط التي تواجه نظام الاستقبال.


أما فرنسا، فسجلت 116,400 طلب لجوء لأول مرة خلال عام 2025، فيما واصلت تشديد سياستها المتعلقة بالهجرة بصورة تدريجية، مع ربط بعض مسارات الإقامة والاندماج بدرجة أكبر بإتقان اللغة الفرنسية واحترام المبادئ والقيم المدنية للجمهورية.


ويرى «عودة» أن التجربتين الألمانية والفرنسية تؤكدان أن قضية الهجرة لم تعد شأنا يخص دول الحدود الخارجية لِـ«الاتحاد الأوروبي» وحدها، بل أصبحت تحديا أوروبيا مشتركا.


ويقول إن تشديد الرقابة على الحدود الداخلية قد يمثل استجابة مؤقتة للضغوط، لكنه قد يؤدي إلى إضعاف منطقة «شنغن»إذا لم يترافق مع حماية مشتركة وفعالة للحدود الخارجية، إلى جانب توزيع أكثر توازنا للمسؤوليات بين الدول الأعضاء.


أوروبا أمام تحدٍ مشترك: غياب سياسة هجرة موحدة

وبحسب شبكة الجمعيات، لا يمكن اعتبار أي من النماذج الأوروبية الرئيسية ناجحاً بصورة كاملة في الوقت الراهن. فقد تبنت إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا مقاربات مختلفة لإدارة الهجرة، إلا أن جميعها لا تزال تواجه تحديات متشابهة تتعلق بضبط الحدود، واللجوء، والاندماج، وسوق العمل، وتوزيع المسؤوليات.


وتعتبر الشبكة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في اختلاف النماذج الوطنية بقدر ما تكمن في غياب سياسة أوروبية مشتركة ومستقرة وطويلة الأمد، قادرة على الجمع بين أمن الحدود، واحترام الحقوق، وتنظيم الهجرة القانونية، والاندماج، والتعاون مع دول المنشأ والعبور.


الميثاق الأوروبي الجديد: خطوة ضرورية لكنها غير كافية

القواعد الجديدة تدخل حيز التنفيذ وسط استمرار التحديات

دخلت القواعد الجديدة للميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026، متضمنة جملة من الإجراءات الجديدة، من بينها التسجيل الإلزامي للوافدين غير النظاميين، وإجراءات أكثر انتظاما للتحقق من الهوية والأمن والحالة الصحية ومستوى الهشاشة، فضلاً عن توحيد أكبر للإجراءات الحدودية وتعزيز آليات التضامن وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء.


وترى شبكة الجمعيات أن الميثاق يمثل خطوة مهمة نحو توحيد السياسات الأوروبية، لكنه قد لا يحقق أهدافه إذا ظل تطبيقه خاضعاً بدرجة كبيرة للاعتبارات الوطنية والحسابات السياسية والانتخابية.


ويؤكد «عودة» أن القواعد القانونية وحدها لا تكفي لمعالجة أزمة بهذا التعقيد، مشدداً على الحاجة إلى إرادة سياسية وموارد مالية وبشرية كافية، إلى جانب توفير الكوادر المتخصصة، ومرافق الرعاية الصحية، والوسطاء الثقافيين، وتعزيز الاتفاقيات الدولية وآليات الرقابة الفعالة.


ويضيف أن أزمة «سبتة»، التي اندلعت بعد فترة وجيزة من دخول النظام الجديد حيز التنفيذ، أظهرت أن أمن الحدود لا يمكن أن يعتمد على التشريعات وحدها، بل يحتاج إلى أدوات تنفيذية وتعاون عملي ومستمر بين الدول الأوروبية ودول الجوار.


«بيان الهجرة الجيدة»: الأمن والاندماج مساران متكاملان

نموذج يقوم على الشرعية والعمل والاندماج

تقول شبكة الجمعيات إنها تعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود على طرح مقاربة متوازنة لسياسة الهجرة، باعتبارها بديلاً عن سياسات الاستقبال العشوائي من جهة، وسياسات التجريم الجماعي للمهاجرين من جهة أخرى.


وقد تبلور هذا النهج في «بيان الهجرة الجيدة»، الذي قُدم إلى وزارة الداخلية باعتباره منصة للحوار حول قضايا الهجرة والاندماج والأمن، ويقوم على رؤية تعتبر أن نجاح سياسة الهجرة يتطلب الجمع بين مسؤوليات الوافدين وواجبات الدولة.


وبحسب البيان، فإن الاندماج مسؤولية مشتركة؛ إذ يتعين على المهاجر احترام القانون، وتعلم اللغة، وفهم الدستور، والمشاركة في الحياة الاجتماعية، والعمل بصورة قانونية، ورفض التطرف والعنف والتمييز.


وفي المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية توفير قنوات قانونية ومنظمة للدخول، وإجراءات إدارية واضحة، وإتاحة الرعاية الصحية والتدريب وفرص العمل النظامي، والاعتراف بالمؤهلات والمهارات المهنية، إلى جانب مكافحة الاستغلال والعمل غير القانوني.


«الهجرة الرشيدة لا تعني حدودا مفتوحة»

وتؤكد الشبكة أن مفهوم «الهجرة الرشيدة» يميز بوضوح بين الأشخاص الذين يهاجرون من أجل العمل أو الدراسة أو لمّ شمل الأسرة أو طلب الحماية الدولية، وبين من ينخرطون في شبكات إجرامية أو يرفضون المبادئ الأساسية للتعايش الديمقراطي.


وبحسب هذا التصور، فإن الهجرة المنظمة لا تعني فتح الحدود بلا ضوابط، وإنما إدارة الحدود بصورة فعالة وقانونية. كما لا تقوم على الاعتماد الدائم على المساعدات، بل على تمكين المهاجر من تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي من خلال العمل.


وفي الوقت نفسه، لا ترى الشبكة أن تعزيز الأمن يتعارض مع الاندماج، بل تعتبر أن الأمن المستدام يجب أن يقوم على الوقاية، واحترام القانون، والشمول الاجتماعي، والتعاون مع المجتمعات المحلية.


«عودة»: “لا اندماج حقيقياً دون شرعية ولا أمن حقيقيا دون اندماج

ويؤكد «عودة» أن الشبكة دافعت على مدى سنوات عن اعتبار الشرعية والاندماج عنصرين متلازمين، وليس طرفين متعارضين في النقاش السياسي حول الهجرة.


ويقول إن الهجرة المنظمة يجب أن تحمي المواطنين الإيطاليين والمهاجرين المقيمين بصورة قانونية، وتواجه العمل غير النظامي والاستغلال، وتحمي النساء والقاصرين، وتتصدى للتطرف والعنف والتمييز، وفي الوقت نفسه تقدر الأشخاص الذين يحترمون القانون ويسهمون في المجتمع، وتواجه الشبكات التي تستغل أوضاع المهاجرين ويأسهم.


وبحسب هذه الرؤية، فإن التحدي أمام أوروبا لا يتمثل فقط في خفض أعداد الوافدين، وإنما في بناء منظومة هجرة قادرة على الجمع بين أمن الحدود، والشرعية، والاندماج، والعمل، والتعاون الدولي، بما يحول الهجرة من ملف دائم لإدارة الأزمات إلى سياسة عامة مستقرة وقابلة للتخطيط.


«الاتحاد من أجل إيطاليا».. من العمل المدني إلى التمثيل السياسي

حركة دولية متعددة الثقافات تسعى لتحويل ثلاثة عقود من الخبرة في الهجرة والاندماج إلى مشروع سياسي قائم على الدستور والشرعية والجدارة...

أفضت الخبرة المتراكمة في ملف الهجرة والاندماج، إلى جانب ما تعتبره شبكة الجمعيات إخفاقاً في تنفيذ عدد من المقترحات التي طرحتها منذ عام 1995، إلى إطلاق البيان السياسي الدولي «الاتحاد من أجل إيطاليا»، بمبادرة من البروفيسور «فؤاد عودة»، وبالتعاون مع رؤساء وممثلي جمعيات ومجتمعات ومنظمات وشركات ومهنيين ووسائل إعلام من أصول إيطالية وأجنبية.


وتقدم المبادرة نفسها باعتبارها حركة سياسية دولية ومتعددة الثقافات، مفتوحة أمام المواطنين الإيطاليين والإيطاليين من أصول أجنبية، بصرف النظر عن الجنسية أو الخلفية الثقافية أو الدينية، بهدف توظيف خبراتهم وكفاءاتهم المهنية في خدمة إيطاليا وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والدولية.


من الاحتجاج إلى المشاركة في صناعة القرار

يهدف البيان السياسي إلى توفير إطار تمثيلي للأشخاص الذين يشعرون بأن أصواتهم لا تجد صدى كافيا لدى القوى السياسية القائمة، وتحويل الخبرات المتراكمة في قطاعات الصحة، والجامعات، والبحث العلمي، والأعمال، وسوق العمل، والعدالة، والاقتصاد، والثقافة، والابتكار، والعلاقات الدولية والقطاع الثالث، إلى مقترحات وبرامج سياسية قابلة للتنفيذ.


وتشدد المبادرة على أنها لا تسعى إلى إنشاء «حزب للأجانب»، ولا إلى تأسيس كيان سياسي على أساس عرقي أو ديني، بل إلى بناء مشروع إيطالي دولي ومتعدد الثقافات، يستند إلى الدستور والشرعية، ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويعتمد على الجدارة والشفافية والحوار بين الثقافات والأديان واحترام المؤسسات الديمقراطية.


كما تعلن الحركة رفضها لجميع أشكال التطرف والعنف والعنصرية والأصولية والتمييز والشعبوية، فضلاً عن رفض توظيف ملف الهجرة لأغراض سياسية أو انتخابية.


ويقول القائمون على المبادرة إن ثلاثة عقود من المقترحات والبيانات والحوارات مع المؤسسات أظهرت أن مجرد الاستماع إلى المجتمع المدني من وقت إلى آخر لم يعد كافياً، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مشاركة مباشرة في عملية صنع القرار.


وبحسب هذا التصور، لا يتعلق الأمر بإنشاء حزب عرقي أو ديني، وإنما بحركة مفتوحة أمام جميع الإيطاليين، مواطنين ومهاجرين، تضع الكفاءة والجدارة والعمل والدستور والمصلحة العامة في صميم مشروعها.


وتدعو المبادرة كذلك إلى إشراك المهنيين الدوليين العاملين في المستشفيات والجامعات والشركات ومراكز الأبحاث والخدمات الأساسية في عملية التخطيط السياسي والمؤسسي، باعتبارهم جزءاً من الموارد البشرية التي يمكن أن تسهم في تطوير البلاد.


توسيع مفهوم «الهجرة الجيدة»

ويؤكد بيان «الاتحاد من أجل إيطاليا» على المبادئ التي تضمنها «بيان الهجرة الجيدة»، مع توسيع نطاقها لتشمل رؤية أوسع للمواطنة والاندماج.

وبحسب البيان، لا ينبغي اختزال الاندماج أو المواطنة في إجراءات إدارية وبيروقراطية، بل يجب أن يتحولا إلى مسار يقوم على المشاركة المجتمعية، واحترام القوانين، وإتقان اللغة، والالتزام بالقيم الدستورية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.


وترى شبكة الجمعيات أن تأسيس «الاتحاد من أجل إيطاليا» يمثل امتدادا طبيعياً لأكثر من ثلاثين عاما من النشاط المدني والمؤسسي، وليس ردة فعل على أزمة «سبتة» أو غيرها من الأزمات الطارئة.


وتقدم المبادرة نفسها باعتبارها مشروعا سياسيا يستند إلى الخبرة والجدارة والحوار والتعاون، ويهدف إلى الإسهام في بناء إيطاليا أكثر حداثة وشمولاً وقدرة على المنافسة، وتعزيز دورها في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.


مكافحة الهجرة غير النظامية تبدأ قبل الوصول إلى الحدود

التعاون الدولي والوقاية في بلدان المنشأ

وترى شبكة الجمعيات أن مواجهة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية، بل ينبغي أن تبدأ في بلدان المنشأ والعبور، من خلال تعزيز التعاون الدولي والحضور الأوروبي المستمر في تلك الدول.


ويقول عودة إن المطلوب هو إعادة تنشيط البعثات الحكومية والاتفاقيات الثنائية التي جرى تطويرها على مدى السنوات الماضية مع الدول الأفريقية ودول حوض البحر الأبيض المتوسط.


ويضيف أن منع الهجرة غير النظامية يبدأ قبل وقت طويل من وصول المهاجرين إلى الحدود الأوروبية، ويتطلب حواراً مستمراً مع الحكومات والمؤسسات والجامعات والأنظمة الصحية والمجتمعات المحلية.


الصحة والهجرة: مواجهة الصور النمطية

وفي هذا السياق، يستحضر عودة تجربة العيادة الخارجية التابعة لـAMSI والمخصصة للمواطنين الأجانب، والتي تعمل منذ عام 2000، معتبراً أنها أسهمت في مواجهة عدد من الصور النمطية المرتبطة بالعلاقة بين الهجرة والصحة.


وبحسب الشبكة، فإن المهاجرين لا يحملون بالضرورة الأمراض إلى أوروبا، بل إن كثيراً منهم يتعرضون لمشكلات صحية خلال رحلات الهجرة الطويلة والخطيرة، نتيجة العنف والحرمان والاستغلال وسوء الظروف الصحية.

كما تشير إلى أن مسارات الهجرة شهدت تغيرات متواصلة على مدى السنوات، مع انتقالها بين مسارات مختلفة، من ليبيا وتونس إلى طرق أخرى أكثر تعقيداً وخطورة.


التضليل الرقمي يغذي قرارات الهجرة

ولا تقتصر التحديات، وفق الشبكة، على شبكات الاتجار بالبشر، بل تشمل أيضا انتشار المعلومات المضللة التي قد تدفع الشباب إلى اتخاذ قرارات الهجرة على أساس توقعات غير واقعية.


وتشير إلى أن بعض الشباب في الدول الأفريقية والعربية يتلقون عبر شبكات التواصل الاجتماعي صورة مبالغا فيها عن أوروبا باعتبارها مكانا تتوفر فيه الوظائف والسكن والفرص بصورة تلقائية وفورية.


وترى الشبكة أن هذه التوقعات يمكن أن تستغلها شبكات إجرامية تنشط في مجال الاتجار بالبشر، فيما يزيد الانتشار غير المنضبط للمحتوى الرقمي والتقنيات الحديثة، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، من صعوبة مواجهة المعلومات الكاذبة والمضللة.


ومن هنا، تدعو إلى الاستثمار في حملات معلوماتية دقيقة داخل بلدان المنشأ، وتقديم بيانات واقعية حول فرص الهجرة والحياة في أوروبا، بالتوازي مع توفير قنوات قانونية للهجرة وفرص ملموسة للتعاون والتنمية.


ما بعد «سبتة»: حزمة مقترحات أوروبية جديدة

في أعقاب مأساة «سبتة»، تطرح شبكة الجمعيات مجموعة من المقترحات التي تعتبرها ضرورية للانتقال من إدارة الأزمات إلى سياسة هجرة أوروبية أكثر استباقية وتنسيقاً، من أبرزها:

  • إنشاء غرفة عمليات وتنسيق دائمة تجمع الاتحاد الأوروبي ودول البحر الأبيض المتوسط والدول الأفريقية، ولا سيما دول المنشأ والعبور.

  • إطلاق نظام إنذار أوروبي مبكر لرصد التجمعات الكبيرة وحملات التضليل المنظمة على شبكات التواصل الاجتماعي.


  • تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي من خلال الكوادر الأوروبية، والتقنيات الحديثة، والفحوصات الصحية، وفرق الوساطة والتواصل.

  • إنشاء قنوات قانونية ومنظمة للهجرة ترتبط باحتياجات سوق العمل في كل دولة.

  • اعتماد إجراءات أوروبية مشتركة وسريعة للتمييز بين طالبي اللجوء والمهاجرين لأسباب اقتصادية والقاصرين وضحايا الاتجار بالبشر والفئات الأكثر هشاشة.

  • تحقيق توزيع أكثر فاعلية للمسؤوليات والأعباء بين الدول الأعضاء.

  • توفير آليات إعادة منظمة وكريمة وقابلة للتنفيذ للأشخاص الذين لا يستوفون شروط الإقامة أو الحماية.

  • إبرام اتفاقيات تعاون تستثمر في الصحة والتعليم والتوظيف والتنمية في بلدان المنشأ.

  • وضع خطة أوروبية مشتركة لمكافحة الاتجار بالبشر واستغلال العمال والشبكات الإجرامية وحملات التضليل.

  • إطلاق برنامج أوروبي مشترك للاندماج يرتكز على اللغة والعمل والدستور والحقوق والواجبات.

  • ضمان مشاركة مستمرة للمجتمعات والجمعيات والمهنيين من أصول أجنبية في الوقاية من الأزمات وصياغة السياسات.


«أوروبا أكثر حزماً من دون أن تفقد إنسانيتها»

وتؤكد الشبكة أن رؤيتها لا تدعو إلى إضعاف أوروبا، كما أنها لا تطالب بتحويلها إلى «حصن مغلق»، وإنما تسعى إلى بناء أوروبا أكثر قدرة على إدارة حدودها وحماية أمنها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها الإنسانية والقانونية.


وبحسب هذا التصور، ينبغي أن تكون أوروبا قادرة على حماية حدودها من دون التخلي عن مبادئها الإنسانية، وإنقاذ الأرواح من دون خلق حوافز للهجرة غير النظامية، وتوفير الحماية لمن يستحقونها، وتنفيذ عمليات إعادة منظمة لمن لا تنطبق عليهم شروط البقاء، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وفتح بدائل قانونية وآمنة للهجرة.


«عودة»: ضحايا «سبتة» يجب ألا يتحولوا إلى مجرد أرقام

ويختتم «عودة» بالتأكيد على أن ضحايا أزمة «سبتة» يجب ألا يتحولوا إلى أرقام تُنسى مع مرور الوقت، بل ينبغي أن تكون المأساة نقطة تحول في طريقة تعامل أوروبا مع ملف الهجرة.


ويقول إن المطلوب هو وضع حد للسياسات التي تعتمد على الشعارات، والانتقال إلى نموذج يقوم على الأمن والاندماج والشرعية والتعاون الدولي والعمل والمسؤولية المشتركة.


وبحسب رؤيته، يسعى البيان السياسي الدولي «الاتحاد من أجل إيطاليا» إلى تحويل أكثر من ثلاثة عقود من الأفكار والخبرات والمقترحات إلى مشروع سياسي عملي ومستقل، مفتوح أمام جميع المواطنين الذين يؤمنون بالدستور والشرعية والجدارة والأمن، وبضرورة إدارة الهجرة من خلال التخطيط والمسؤولية والرؤية الاستراتيجية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك