الإيطالية نيوز، السبت 1 أغسطس 2026 – ليس أخطر ما كشفته أزمة سبتة هو الضغط الذي تتعرض له إسبانيا، بل الطريقة التي سارع بها بعض الساسة الأوروبيين إلى توظيفها في معاركهم الداخلية. ففي غضون ساعات، تحولت أزمة إنسانية وجيوسياسية معقدة إلى شعار انتخابي، وبرزت دعوات لتعليق «اتفاقية شنغن» مع إسبانيا، وكأنها الحل السحري لكل ما يجري.
لكن هذا الطرح يثير أكثر من علامة استفهام. فالمدينة الحدودية مع المغرب «سبتة» ليست بوابة مفتوحة إلى أوروبا كما يصورها الخطاب السياسي، بل تخضع منذ عقود لنظام رقابي خاص يجعل الانتقال منها إلى البر الإسباني خاضعًا لإجراءات تفتيش وتحقق صارمة. إذن، وأن أي شخص يغادرها باتجاه إيطاليا لا بد أن يمر أولًا عبر الأراضي الإسبانية ثم الفرنسية، مع الخضوع لإجراءات مراقبة متعددة. لذلك، فإن المطالبة بإغلاق حدود تخضع أصلًا لرقابة مشددة تبدو أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى إجراء عملي.
La propaganda italiana: #Ceuta #Schengen pic.twitter.com/vO35V2wbyj
— Il Grande Flagello (@grande_flagello) July 31, 2026
كما أن الخلط الذي سقط ضحيته وزير الخارجية الإيطالية، «أنطونيو تاياني»، الذي يشغل أحد نائبي رئيسة الوزراء الإيطالية، «جورجا ميلوني»، بين تسوية أوضاع المهاجرين المقيمين داخل إسبانيا منذ سنوات وبين منحهم الجنسية الأوروبية يعكس تبسيطًا مخلًا لقضية قانونية معقدة. فهناك فرق واضح بين منح تصريح إقامة يسمح بالعمل والاندماج في المجتمع، وبين منح الجنسية بكل ما يترتب عليها من حقوق، وهو فرق لا يجوز تجاهله عند مخاطبة الرأي العام.
ومن اللافت أيضًا أن الخطاب نفسه الذي طالما دعا إلى التضامن الأوروبي في إدارة ملف الهجرة، سرعان ما تبدل عندما أصبحت الضغوط موجهة نحو دولة أوروبية أخرى: الحكومة الإيطالية طالبت طوال السنوات الماضية بتضامن أوروبي في إدارة ملف الهجرة، لكنها غيرت موقفها عندما أصبحت الضغوط موجهة نحو إسبانيا، وهو ما يراه تناقضًا في الخطاب السياسي. لذا، فالتحديات المشتركة لا يمكن أن تُدار بمنطق المزايدات السياسية، ولا بتحويل الحلفاء إلى خصوم كلما تغير اتجاه تدفقات الهجرة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المغرب أصبح لاعبًا مؤثرًا في معادلة غرب المتوسط، وأن ملف الهجرة ارتبط في أكثر من مناسبة بالخلافات السياسية والإقليمية: المغرب استخدم في مناسبات سابقة تدفقات الهجرة كورقة ضغط في خلافاته الدبلوماسية مع إسبانيا، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل الصحراء الغربية. ووهنا الحكومة الإيطالية تجاهلت هذا الجانب وركزت انتقاداتها على إسبانيا بدلًا من الطرف الذي يعتبر مسؤولًا عن الضغط والابتزاز. إن تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية أزمة تتداخل فيها اعتبارات أمنية ودبلوماسية وإقليمية لا يقدم تفسيرًا كاملًا لما يحدث، بل يختزل أزمة مركبة في رواية سياسية سهلة التداول.
وهنا، التاريخ يفرض نفسه ويتحدث، فرئيس الوزراء الإسباني «بيدرو سانشيز» سبق أن دافع عن «جورجا ميلوني» في مناسبة دولية، لكنه يرى أنها سارعت لاحقًا إلى انتقاد حكومته بمجرد اندلاع الأزمة، ويعتبر ذلك تصرُّفًا غير متسق سياسيًا.
في النهاية، تبدو أزمة سبتة اختبارًا لقدرة القادة الأوروبيين على التعامل مع الملفات الحساسة بعقلانية ومسؤولية. فحين تتحول الوقائع إلى أدوات للدعاية الانتخابية، يصبح الرأي العام أول الخاسرين، لأن النقاش ينتقل من البحث عن حلول واقعية إلى صناعة سرديات تحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، بينما تبقى جذور الأزمة على حالها دون معالجة حقيقية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.