كُتب على باب أول مكتبة مصرية في عهد الفراعنة: «هنا طبّ العقول وغذاء النفوس».
ولعل هذه العبارة القديمة تختصر واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي استحضارها اليوم: فإذا كانت الدول تبحث عن طريق للخروج من أزماتها، فإن إعادة بناء الإنسان يجب أن تسبق إعادة بناء الحجر.
فالمشكلة السورية، على سبيل المثال، لا تكمن في حجم الخراب المادي وحده، بل في ما خلّفته سنوات الصراع من خوف وانقسام وإرهاق في العقول والنفوس. ومن هنا تبدو الحكمة القائلة: «ليس هناك إلا ثورة واحدة، وهي تنوير العقول وتطهير الطباع»، أكثر راهنية من أي وقت مضى.
فالعقل هو نقطة البداية؛ منه تنطلق الفكرة، ثم تتحول إلى موقف، فإلى سلوك. ولذلك فإن مواجهة العنف والتطرف لا يمكن أن تكون أمنية فقط، وإنما تبدأ من المدرسة والجامعة والكتاب والإعلام والخطاب الديني.
وقد قيل إن الإرهاب يستهدف، في جوهره، احتلال العقول والسيطرة عليها، ولذلك فإن معركة بناء الإنسان تقتضي التدقيق في كل ما يسهم في تشكيل وعيه وصياغة أفكاره، من الثقافة والفكر الديني إلى الإعلام والتعليم.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة السورية، التي نحن في أمسّ الحاجة إليها، في بناء جيل لا تقوده الشعارات، ولا يستسلم للتعصب، بل يمتلك القدرة على السؤال والنقد والتمييز بين الحقيقة والوهم.
ولم يعد الصراع الحقيقي بين الأمم صراع جيوش وسلاح فحسب، بل أصبح إلى حد كبير صراع معرفة وعقول. وكما قيل: «إن أفضل استثمار في الحياة إنما هو الاستثمار في مناجم العقول، لأن العقول العارفة والمبدعة هي التي تطور الحياة وتبصّرنا بمكامن القوة في نفوسنا». فالسباق بين الأمم اليوم هو، في جانب أساسي منه، سباق على امتلاك المعرفة، لأن المعرفة قوة.
ومن أخطر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها أي دولة أن تهمل عقولها أو تخيف أصحاب الرأي والخبرة. فالوطن الذي يخسر مفكريه وعلماءه ومثقفيه، يخسر في الحقيقة جزءاً من مستقبله.
من هنا، فإن «صيدلية العقول» في سورية ليست مشروعا ثقافيا هامشيا، بل ضرورة وطنية؛ مشروع يعيد للإنسان ثقته بعقله، وللمثقف حريته، وللعلم مكانته، وللحوار قيمته.
وقبل أن نفتش عن أسباب الخراب في كل مكان، ربما علينا أن نتذكر الحكمة الأكثر دلالة:
«لا تبحث عن الألغام في الحقول، بل ابحث عنها في العقول الضيقة».
فالعقول المستنيرة تبني وطنا، أما العقول الضيقة، فقد تستطيع أن تهدمه.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.