الإيطالية نيوز، الاثنين 17 أغسطس 2026 – يواجه زعيم حزب «الرابطة» الإيطالي، «ماتيو سالفيني»، منذ أسابيع خلافات داخلية غير مسبوقة في حزبه. ويبدو أن أزمة «الرابطة» وتراجع نفوذ «سالفيني» باتا يهددان استقرار حكومة «جورجا ميلوني» نفسها. وبالنسبة إلى «سالفيني»، فإنها فترة سياسية قاتمة، وكأن التاريخ يكرر نفسه في أغسطس تحديدًا؛ فمنذ عام 2019، كان هذا الشهر هو الأصعب عليه في كل مرة تقريبًا.
قد يكون الأمر مجرد مصادفة، إذ يمكن العثور على أزمات وأخطاء سياسية واجهها «سالفيني» في أشهر أخرى أيضًا خلال مسيرته المتراجعة في السنوات الأخيرة. لكن تتابع الحوادث والأخطاء التي وقعت في أغسطس يظل لافتًا، ويكشف بطريقة غريبة عن المسار المتواصل لانهيار قيادته.
2019.. أزمة «بابيتي» التي غيّرت كل شيء
كان عام 2019 عام ما عُرف بـ**«أزمة بابيتي»**، وهي الأزمة التي افتعلها «سالفيني» بهدف إسقاط حكومة «جوزيبي كونتي الأولى»، التي كان يدعمها حزب «حركة خمس نجوم» و«الرابطة»، وذلك في الأيام التي كان يقضي فيها عطلته في منتجع «بابيتي بيتش» الشهير في «ميلانو ماريتيما».
كان «سالفيني» يشغل آنذاك منصب نائب رئيس الحكومة. وخلال الأشهر السابقة، مستفيدًا من الضعف السياسي الظاهر لِـ«كونتي» ومن الأداء المتعثر لقيادات «حركة خمس نجوم»، نجح حزب «الرابطة» في فرض هيمنته بصورة واضحة، حتى قلب موازين القوى بين الحزبين.
ففي الانتخابات البرلمانية في مارس 2018، حصلت «حركة خمس نجوم» على 33 في المئة من الأصوات مقابل 17 في المئة لـ«الرابطة». وبعد عام واحد، في الانتخابات الأوروبية، انعكست الصورة تقريبًا: حصلت «الرابطة» على 34 في المئة، بينما تراجعت «حركة خمس نجوم» إلى 17 في المئة.
وبعد تلك النتيجة الكبيرة، اندلع نقاش داخل «الرابطة» حول كيفية استثمار النجاح وضمان سيطرة أكبر على عمل الحكومة. وانقسم الحزب إلى اتجاهين: الأول طالب بتعديل وزاري يمنح «الرابطة» عددًا أكبر من الحقائب، والثاني دعا إلى إسقاط الحكومة بالكامل والدعوة إلى انتخابات مبكرة، اعتقادًا بإمكانية الفوز بها بسهولة.
ظل «سالفيني» مترددًا فترة طويلة، ثم انحاز في النهاية إلى المتشددين داخل حزبه. لكنه انتظر حتى أغسطس لفتح الأزمة، واستند إلى ذريعة ضعيفة تمثلت في مشروع خط السكك الحديدية فائق السرعة بين «تورينو» و«ليون»، واستخدم خطابًا وحججًا لم تبدُ مقنعة، ما جعله يظهر مترددًا وغير حاسم.
كما اعتمد على تفاهم أولي مع الأمين العام لِـ«الحزب الديمقراطي» آنذاك، «نيكولا زينغاريتي»، الذي كان قد أبلغه بأن الانتخابات ستُجرى إذا سقطت الحكومة. لكن داخل «الحزب الديمقراطي» كانت هناك ضغوط قوية لمنع إنهاء الدورة البرلمانية مبكرًا، وفي النهاية لم يتمكن «زينغاريتي» من فرض موقفه.
وجاءت النتيجة عكس ما أراده «سالفيني» تمامًا: توصلت «حركة خمس نجوم» والحزب الديمقراطي سريعًا إلى اتفاق لتشكيل أغلبية جديدة، وبقي «كونتي» رئيسًا للحكومة، ولكن هذه المرة على رأس ائتلاف سياسي مناهض لـ«الرابطة»، التي وجدت نفسها في المعارضة.
وكان ذلك بلا شك المنعطف الأكثر سلبية في المسيرة السياسية لِـ«سالفيني». فمنذ ذلك الحين، بدا تراجع مكانته ومكانة حزبه شبه مستعصٍ على الإصلاح، رغم بعض النجاحات المؤقتة.
2021.. «الغرين باس» يكشف حدود نفوذ سالفيني
في يناير 2021، أقنع جناح الشمال في «الرابطة» «سالفيني» بالانضمام إلى حكومة «ماريو دراغي» التكنوقراطية. وكان هذا الجناح أكثر اهتمامًا بمصالح قطاع الأعمال والشمال الإيطالي، ومن أبرز ممثليه وزير الاقتصاد الحالي «جانكارلو جورجيتّي» ورئيس إقليم «فينيتو» السابق «لوكا تسايا».
لكن علاقة «سالفيني» بِـ«دراغي» اتسمت منذ البداية بسوء الفهم وانعدام الثقة المتبادل.
وفي أغسطس من العام نفسه، تصاعد الخلاف بشدة واضطر «سالفيني» إلى التراجع. فقد أعلن دراغي عزمه توسيع استخدام «اغرين باس» لمواجهة انتشار «كوفيد-19»، وهو الوثيقة التي كانت تثبت تلقي اللقاح أو التعافي من الفيروس أو الحصول على نتيجة سلبية لفحص الكشف عنه.
هدد «سالفيني» بمعارضة القرار بشدة، لكنه اضطر في النهاية، بعد خلافات علنية مع رئيس الحكومة، إلى القبول به هو وحزبه. وكانت تلك الحادثة بمثابة دليل واضح على عجز «سالفيني» عن التأثير في أهم قرارات حكومة «دراغي».
2022.. صعود ميلوني وانهيار «الرابطة»
وعندما نجح «سالفيني» أخيرًا في المساهمة في إسقاط حكومة «دراغي» في يوليو 2022، لم يتمكن مع ذلك من استعادة الشعبية والنفوذ السياسي اللذين كان يحتاج إليهما.
وكان أغسطس من ذلك العام شهرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إليه. فقد خاضت الأحزاب حملة انتخابية غير معتادة جرت في ذروة الصيف، وحاول «سالفيني» بكل الوسائل تقليص الفارق بين حزبه و«إخوة إيطاليا» بقيادة «جورجا ميلوني».
لكن حزب «ميلوني» كان الحزب الوحيد الذي بقي في المعارضة أثناء حكومة «دراغي»، في حين دعمتها بقية الأحزاب تقريبًا، ولذلك كان من السهل عليه جذب الأصوات والتعاطف.
وفي الوقت الذي كانت فيه «ميلوني»، وقد أصبحت واثقة تقريبًا من الفوز، تحاول تقديم نفسها بصورة مسؤولة وموثوقة كرئيسة حكومة محتملة، ركز «سالفيني» على القضايا الهوياتية لليمين في حملته الانتخابية.
بل إنه توقع أن تصبح «الرابطة» الحزب الأول في يمين الوسط، وأعلن ترشحه لرئاسة الحكومة. لكن الشهر كان في الواقع مليئًا بالتوتر وعدم اليقين، وجاءت نتائج انتخابات 25 سبتمبر قاطعة: اقترب حزب «إخوة إيطاليا» من 26 في المئة من الأصوات، بينما لم تتجاوز «الرابطة» 8.8 في المئة.
2023.. فانياتشي يدخل المشهد
حتى أغسطس التالي، يبدو الآن، بأثر رجعي، أنه كان شهرًا كارثيًا آخر لِـ«سالفيني». ففي ذلك الشهر برز اسم الجنرال «روبرتو فاناتشي» بقوة في وسائل الإعلام، بعد نشر كتابه «العالم بالمقلوب». وتنافست «الرابطة» و«إخوة إيطاليا» طويلًا على استقطاب الجنرال، لكن «سالفيني» نجح في النهاية في إقناعه بالترشح على قوائم حزبه في الانتخابات الأوروبية لعام 2024.
كان ذلك في الأساس محاولة يائسة لتجنب انهيار انتخابي، عبر الاستفادة من الشعبية الكبيرة التي حظي بها «فاناتشي». وبدا أن الفكرة نجحت جزئيًا، إذ حصل الجنرال على نحو نصف مليون صوت تفضيلي. لكن تبعات القرار كانت سلبية للغاية بالنسبة إلى «سالفيني».
فالمساحة الكبيرة التي منحها لِـ«فاناتشي»، والذي عُيّن أيضًا نائبًا للأمين العام للحزب عبر إجراء خاص تجاهل القواعد والأعراف التي حكمت «الرابطة» لعقود، أثارت استياءً واسعًا بين القيادات التاريخية للحزب، وخصوصًا رؤساء الأقاليم في شمال إيطاليا.
واستغل «فاناتشي» الحضور الإعلامي الذي حصل عليه لبناء جمعية خاصة به، تحولت لاحقًا إلى حركة سياسية. وكان ذلك في أغسطس، مرة أخرى، ولكن هذه المرة عام 2025، عندما أعلن «سالفيني» مشاركة «فاناتشي» في التجمع التاريخي لـ«الرابطة» في «بونتيدا»، مؤكدًا بشكل قاطع أنه لا ينوي تأسيس حزب خاص به.
لكن بعد أشهر قليلة، أعلن «فاناتشي» رسميًا مغادرته «الرابطة» وتأسيس حزب «فوتورو ناتسيوناله»، ما أدى إلى مزيد من تراجع شعبية حزب «سالفيني»، وإلى إضعاف شرعية قيادته بصورة نهائية.
أغسطس 2026.. التمرد يأتي من داخل «الرابطة»
وفي أغسطس 2026، يجد «سالفيني» نفسه أمام أزمة شديدة التعقيد. فقد أصبح يتعرض لانتقادات علنية من قيادات تاريخية في الحزب، فيما تعيش الكتل البرلمانية حالة من الاضطراب استعدادًا لانتخابات 2027، التي لا يملك فيها معظم أعضائها أملًا واقعيًا في الاحتفاظ بمقاعدهم في «مجلسي النواب» و«الشيوخ».
وتتركز الأزمة خصوصًا في «لومبارديا»، المنطقة التي وُلدت فيها «الرابطة» والتي لا يزال الحزب يتمتع فيها بأقوى جذوره السياسية. ومنذ اجتماع القيادة الإقليمية الذي عُقد في 7 أغسطس، تصاعدت الاحتجاجات بصورة حادة، بعدما طالب مسؤولون محليون وقيادات بارزة باستقالة «سالفيني».
وأصبح أمين «الرابطة» في «لومبارديا»، «ماسيميليانو روميو»، الذي يرأس كتلة الحزب في «مجلس الشيوخ»، أحد أبرز خصوم «سالفيني».
أما «أتيليو فونتانا»، رئيس إقليم «لومبارديا»، فقد ذهب أبعد من ذلك، مقترحًا إنشاء جمعية تضم أعضاء سابقين أو مستائين من «الرابطة» بهدف مواجهة «سالفيني» بشكل علني. كما قال إن احتمال استقالة «سالفيني» نفسه لا ينبغي استبعاده.
وهكذا، وبعد سنوات من الأزمات التي ارتبطت مرارًا بشهر أغسطس، يجد «سالفيني» نفسه هذه المرة أمام أصعب معاركه: ليس في مواجهة خصومه السياسيين فقط، بل أمام تمرد متصاعد داخل الحزب الذي يقوده.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.