روما – 25 أغسطس 2026: حذَّرت «الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية» (UMEM) من تفاقم الوضع الصحي في «قطاع غزة»، مؤكدة على أنًّ الأزمة لم تعد تقتصر على الإصابات المباشرة الناجمة عن الحرب، بل باتت تشمل سوء التغذية، وانتشار الأمراض المعدية، وانقطاع علاج الأمراض المزمنة، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن تدهور خدمات المياه والصرف الصحي والحاجة المتزايدة إلى الإجلاء الطبي.
وقالت الرابطة، في بيان صحفي، إن نحو 18 ألفًا و500 جريح ومريض يعانون أمراضاً مزمنة يحتاجون إلى علاجات متخصِّصة غير متاحة داخل القطاع، وينتظرون فرص الإجلاء إلى منشآت صحية خارج «غزة».
وبحسب المعطيات التي أوردتها الشبكة التي تضمُّ عددًا من المنظَّمات والجمعيات الطبية والإنسانية، يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني في القطاع وسط ظروف صحية بالغة الصعوبة، فيما يبلغ عدد النازحين نحو 1.9 مليون شخص، يعيش قسم كبير منهم في مناطق مكتظَّة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
الأطفال في صدارة الخطر
وتبرز أوضاع الأطفال باعتبارها إحدى أكثر حلقات الأزمة الصحية خطورة. ووفقًا للبيانات الواردة في البيان، خضع أكثر من 223 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهرًا لفحوصات التغذية خلال النصف الأول من عام 2026، فيما تلقى أكثر من 19 ألف طفل العلاج من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 3 آلاف حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم.
كما استفاد نحو 6 آلاف طفل تزيد أعمارهم على خمس سنوات من العلاج ضمن برنامج الفحص المخصص لهذه الفئة.
وفي يونيو الماضي، أظهر مسح تغذوي أن نحو 70 في المئة من الأطفال دون سن الثانية يعانون فقرًا غذائيًا متوسطًا أو حادًّا، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه الطفولة في القطاع.
ولا تقتصر الأزمة على سوء التغذية. فبين 26 يوليو و1 أغسطس، سجَّلت 217 منشأة صحية مشاركة في جمع البيانات نحو 264 ألف استشارة طبية، ارتبط أكثر من خمسها بأمراض معدية.
وتزداد المخاطر الصحية بفعل التدهور الكبير في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، حيث تشير المعطيات إلى تضرُّر أو تدمير نحو 90 في المئة منها، في حين لم تتمكَّن نسبة كبيرة من الأسر من الحصول على الحد الأدنى من المياه اللازمة للاستخدام اليومي.
الأمراض المزمنة.. أزمة أقل ظهوراً وأكثر خطورة
وترى «الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية» أن أحد أخطر جوانب الأزمة يتمثل في المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرَّة، خصوصًا المصابين بالسرطان والفشل الكلوي والسكَّري وأمراض القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والنساء الحوامل.
وبحسب البيان، تعاني المنظومة الصحية من نقص في عدد من الأدوية والمستلزمات الحيوية، بينها الأنسولين وأدوية القلب والأوعية الدموية ومواد غسيل الكلى وأجهزة التشخيص.
وأدَّى نقص بيكربونات الصوديوم، وفق المعطيات التي أوردتها الرابطة، إلى خروج ما بين 45 و50 في المئة من أجهزة غسيل الكلى عن الخدمة، الأمر الذي انعكس على القدرة العلاجية لنحو 240 مريضاً يعانون الفشل الكلوي في مراحله النهائية.
كما تشير تقديرات الرابطة إلى أن نحو مليون شخص في غزة يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.
«فؤاد عودة»: لا يمكن تحويل حالة الطوارئ إلى أمر طبيعي
وقال البروفيسور «فؤاد عودة»، الطبيب والخبير في الصحة العالمية، إن الخطر لا يكمن فقط في حجم الأرقام، وإنما في الأشخاص الذين تقف وراءها، مشيراً إلى وجود أطفال ومرضى أورام وقلب وكلى، إضافة إلى جرحى يعانون إصابات معقدة وأشخاص مبتورين ومرضى مزمنين.
وأضاف عودة أن استمرار تأخر العلاج أو الإجلاء الطبي قد يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية، أو الإعاقة الدائمة، أو الوفاة، محذراً من أن تتحول حالة الطوارئ الممتدة في غزة إلى واقع اعتيادي.
وأوضح أن القطاع يواجه في الوقت نفسه عدة أزمات صحية، تشمل علاج الجرحى، وسوء تغذية الأطفال، والأمراض المعدية، وصحة النساء والمواليد، والصحة النفسية، فضلاً عن أوضاع كبار السن والمرضى المزمنين الذين يحتاجون بصورة يومية إلى الأدوية والفحوصات وغسيل الكلى والعلاجات المتخصصة.
وشدد على أن الطفل الذي يعاني سوء التغذية يصبح أكثر عرضة للعدوى، فيما قد تؤدي الإصابات التي لا تحصل على الجراحة وإعادة التأهيل في الوقت المناسب إلى إعاقات دائمة.
دعوة إلى ممرات طبية وشبكة دولية للإجلاء
وفي مواجهة هذا الوضع، تدعو الرابطة وشركاؤها إلى إنشاء ممرات صحية دولية دائمة ومنظمة، تمنح الأولوية للأطفال، ومرضى الأورام، ومرضى غسيل الكلى، والجرحى ذوي الحالات الخطيرة، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن والمرضى المصابين بأمراض مزمنة.
كما تطالب بإنشاء شبكة أوروبية وأورومتوسطية من المستشفيات المستعدة لاستقبال المرضى الذين يتم إجلاؤهم من غزة، إلى جانب اعتماد آليات منسقة للنقل والعلاج والرعاية ولم شمل الأسر.
وتشمل المطالب أيضًا ضمان دخول منتظم للأدوية واللقاحات والمعدات الطبية ومواد غسيل الكلى وأجهزة التشخيص، فضلاً عن تسهيل وصول الفرق الطبية الدولية.
وقال «عودة» إن عمليات الإجلاء الطبي ينبغي ألا تبقى تدخلات استثنائية أو محدودة، داعياً إيطاليا و«الاتحاد الأوروبي» ودول المنطقة الأورومتوسطية والمجتمع الدولي إلى تحويلها إلى آلية دائمة ومنظمة تستند إلى الأولوية الطبية والحاجة السريرية.
وأضاف أنَّ المطلوب هو وجود آلية تنسيق دولية قادرة على تحديد عدد المرضى الذين يحتاجون إلى النقل، والتخصُّصات الطبية المطلوبة، والمستشفيات القادرة على استقبالهم، وفقًا لدرجة خطورة كل حالة.
وفي الوقت نفسه، شدَّد على ضرورة دعم الطواقم الطبية التي تواصل العمل داخل غزة، وإعادة بناء القدرة الصحية المحلية تدريجياً، معتبرًا أن إجلاء الحالات التي يتعذر علاجها داخل القطاع وتعزيز الخدمات الطبية المتوفرة داخله يمثلان مسارين متكاملين.
الرابطة تدعو إلى استئناف الحوار السياسي
وإلى جانب الأزمة الصحية، تناول البيان التطورات السياسية المرتبطة بالحرب في «غزة» و«الضفة الغربية»، وكذلك الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في نهاية أكتوبر.
وأعرب «عودة» عن أمله في أن تساهم التطورات السياسية في فتح الطريق أمام حل سلمي وعودة الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مؤكداً أن استمرار المواجهة لا يوفر مستقبلاً للأجيال الجديدة.
كما دعا إلى وقف اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وأراضيهم ومنازلهم، وضمان حرية التنقُّل والأمن والوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية.
وأكَّد على أنَّ المجتمع الدولي مطالب بدعم المسارات السياسية القادرة على إعادة إطلاق الحوار وتعزيز التعايش، بعيدًا عن تعميق الانقسامات.
الصحة.. جسر نحو السلام
وفي ختام البيان، شدَّد «عودة» على أن الرعاية الصحية يمكن أن تشكل مساحة مشتركة بين مختلف الأطراف، قائلاً إن علاج طفل أو توفير جلسة غسيل كلى لمريض أو مساعدة امرأة حامل أو إجلاء مريض بالسرطان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره موقفًا سياسيًا، وإنَّما باعتباره دفاعاً عن الحق في الحياة.
ودعت الرابطة إلى حماية المنشآت الطبية والعاملين في القطاع الصحي، وضمان استمرار وصول المساعدات والمستلزمات الطبية، معتبرة أن التعاون الصحي الدولي يمكن أن يشكل جسرًا للحوار والتضامن، ويساهم في تهيئة الظروف لبناء مستقبل أكثر استقرارًا للفلسطينيين والإسرائيليين.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.