الإيطالية نيوز، السبت 5 سبتمبر 2026 – تُعد هذه بالتأكيد واحدة من أكثر العمليات العسكرية حساسية في الوقت الراهن بالنسبة إلى القوَّات المسلَّحة الإيطالية، كما أنَّها واحدة من أكثرها غموضًا. فالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضدَّ إيران مستمرَّة منذ بداية مارس، ومنذ منتصف الشهر نفسه نشرت إيطاليا مئات الجنود في المنطقة.
وتنتشر القوّات الإيطالية في البحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت، وخصوصًا في المملكة العربية السعودية. وتتحدَّث المصادر الرسمية عن نحو 700 جندي، نُشرت معهم أيضًا أنظمة دفاع، ورادارات، وطائرات للدعم الفني، ووسائل للمراقبة وتنفيذ العمليات.
ولا يُعرَف على وجه الدقَّة ما الأنشطة التي تقوم بها هذه القوَّات، ولا ما إذا كانت قد شاركت في أي عملية دفاعية. وظلَّ وجودها في المنطقة طي الكتمان حتًّى وقت قريب، عندما كشفت عنه بعض وسائل الإعلام، ما أثار غضب أحزاب المعارضة.
ولفهم طبيعة وأهداف القوَّات والأنظمة المنتشرة بصورة أفضل، بحثت صحيفة «الإيطالية نيوز» في المسألة من خلال المنصات الرسمية، وأوضحت بعض النقاط الأكثر إثارة للجدل.
عدد القوَّات والمعدَّات
لنعد خطوة إلى الوراء. ففي 30 يوليو، نشر الصحفي في صحيفة «إل جورناله» «فاوستو بيلوسلافو» مقالاً كشف فيه أنه منذ النصف الثاني من مارس 2026، نشرت وزارة الدفاع «تشكيلة تابعة للقوَّات الجوية لدعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في السعودية والكويت والبحرين».
وبحسب المقال، يضمُّ هذا الانتشار 400 جندي، إلى جانب 300 جندي بري إضافي، يوجد نحو نصفهم في السعودية. ووفقاً لِـ «بيلوسلافو»، تنتشر مع هذه القوات طائرة للمراقبة الجوية، وأربع طائرات مقاتلة قاذفة، وطائرة للنقُّل التكتيكي. أمَّا الوحدة البرية فتجهيزاتها تشمل بطاريات مضادَّة للصواريخ من طراز «سامب /تي» (SAMP/T)، ورادار «كْرونوس» (Kronos)، وبطارية مضادًّة للطائرات المسيَّرة من طراز «سكاي نيكس» (Skynex).
ثُمَّ ذكرت مجلة، «RID» وهو موقع إخباري إيطالي متخصص في الدفاع والأمن والشؤون العسكرية، أنَّ جزءًا من العسكريين الإيطاليين في السعودية ينتشر، على الأقل، في قاعدة الطائف الجوية السعودية، التي تبعد نحو 250 كيلومترًا عن الحدود مع اليمن. وتكتسب القاعدة أهمية استراتيجية بسبب موقعها، إذ تقع على مسافة بضعة كيلومترات من «جدة»، على «البحر الأحمر»، حيث توجد قاعدة بحرية وقاعدة جوية أخرى.
ولم تتمكَّن صحيفة «الإيطالية نيوز» من التحقُّق من هذه المعلومة. وأوضح مصدر في وزارة الدفاع أن الموقع الدقيق للقوات المنتشرة غير معلن لأسباب تتعلَّق بحماية وسلامة أفراد القوَّات.
وبعد نشر مقال «إل جورناله»، ظهرت على موقع وزارة الدفاع صفحات مخصَّصة لهذه المهام. ويتعلَّق الأمر، على وجه التحديد، بانتشارين عسكريين على الأقل:
الأول هو «تاسك فورس لاند – سيربيرو»، وهي مهمَّة برية ينتشر في إطارها نحو 260 عسكريًا إيطاليًا في السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، ومجَّهزون على التوالي بأنظمة «سامب /تي» وبطاريات «سكاي نيكس» ورادارات «كْرونوس».
أمَّا الثانية فهي «تاسك فورس إير – أرابيا» التابعة للقوات الجوية، وتضمُّ 400 جندي ينتشرون في السعودية والكويت والبحرين، ومجهَّزون بطائرة نقل، وأربع طائرات مقاتلة، وطائرة للمراقبة الجوية، ونظام مضاد للطائرات المسيّرة من طراز ACUS-E.
ويضاف إلى ذلك، على الأرجح، «تاسك فورس لاند – أرابيا». وقد ذكرت وسائل إعلام عدَّة هذه القوَّة، كما يؤكِّد وجودها موقع وزارة الدفاع الإيطالية نفسه، لكنَّه لا يقدِّم معلومات بشأن طبيعة مهمَّتها أو حجمها أو معداتها.
الجدل السياسي
أثار مقال «بيلوسلافو» موجة من الغضب في صفوف المعارضة، التي اتَّهمت الحكومة بقلَّة الشفافية اتِّجاه البرلمان، وطرحت سؤالاً برلمانيًا بهذا الشأن. لكن وزير الدفاع «غويدو كروزيتّو» يرى أن الانتشار الجديد ينبغي اعتباره إعادة تنظيم لقوة موجودة أصلاً، كانت «قد عُرضت بأقصى قدر من الشفافية» على النواب وأعضاء مجلس الشيوخ.
وأشار وزير الدفاع إلى القرارات التي أقرًّها البرلمان في مارس الماضي، والتي ألزمَت الحكومة بتعزيز قدرات الدفاع وحماية البعثات الإيطالية النشطة في الشرق الأوسط، ولا سيما تلك المتعلِّقة «بالمهمة الواردة في البطاقة 04/2025، التي جرى تمديدها»، من خلال «نشر وإعادة نشر أنظمة للدفاع الجوي ومضادة للصواريخ وأنظمة للمراقبة».
كما أشار إلى أنَّ لجنتي الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ ومجلس النواب مدَّدتا، في 14 و28 يوليو، مهام «البعثات التي تؤكِّد وتشمل منطقة تضمُّ المملكة العربية السعودية». والـ«بطاقة» التي تشير إليها القرارات البرلمانية هي إحدى الوثائق التي تشكِّل التقرير الذي تٌقدِّم الحكومة من خلاله إلى البرلمان المهام العسكرية الدولية.
أمَّا البطاقة رقم 4 لعام 2025، فهي تتعلَّق بمهمَّة في العراق والشرق الأوسط. وفي تلك الوثيقة، لا تظهر السعودية صراحة ضمن المناطق الجغرافية للتدخُّل، بينما يرد ذكر منطقة «الخليج العربي». لكن مع تمديد المهام لعام 2026، ظهرت السعودية صراحة ضمن مناطق الأزمات.
وكان التعديل الذي أُدخل عام 2024 على القانون الإطاري الخاص بالمهام الدولية، والذي أقرته «حكومة ميلوني» نفسها، قد نصَّ على أن تُقدِّم الحكومة إلى غرفتي البرلمان القرارات المتعلِّقة بالمهام الدولية، مع تحديد المنطقة الجغرافية للتدخُّل، والأهداف، والأساس القانوني، والتجهيزات، وعدد القوات التي سيتم إرسالها لكل مهمة، «بما في ذلك إمكانية تشغيلها بصورة متكاملة مع مهام أخرى في المنطقة الجغرافية نفسها».
وهنا تحديدًا يكمن موضع الخلاف. إذ تقول «الشبكة الإيطالية للسلام ونزع السلاح» إنَّ التعديل الذي أدخلته الحكومة يسمح بنقل القوات والقدرات العسكرية داخل المنطقة الجغرافية نفسها التي توجد فيها بالفعل مهام مصادق عليها.
وتضيف الشبكة أن «الإشارة العامَّة داخل جدول للمناطق لا تعادل عرض تفاصيل الجنود والوسائل والأسلحة والأهداف العملياتية لمهمَّة ما أمام البرلمان». كما تعترض أحزاب المعارضة على عدم وجود «إشارة صريحة إلى عمليات» في السعودية.
دور القوات الإيطالية في السعودية
يبقى السؤال الأساسي هو: ماذا تفعل تحديدًا القوَّات الإيطالية المنتشرة في السعودية والدول الأخرى في شبه الجزيرة العربية؟
يوضح موقع وزارة الدفاع أن القوة البرية تهدف إلى دعم القوات المسلَّحة والأجهزة الأمنية في السعودية والبحرين والكويت في الدفاع عن مجالها الجوي، بما في ذلك من خلال قدرات مضادَّة للصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتضم القوة الموجودة في السعودية أنظمة «قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية المحتملة وتحديدها وتعقُّبها والتعامل معها، بما في ذلك الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية». أمَّا القوة الموجودة في الإمارات العربية المتحدة فتملك معدَّات «قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية كبيرة ومتوسِّطة وصغيرة الحجم»، وتتميَّز «بدرجة عالية من الفعالية في مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة». وفي البحرين، يتيح رادار «كْرونوس» «اكتشاف الطائرات والطائرات المسيّرة والصواريخ».
وأوضح مصدر في وزارة الدفاع لصحيفة «لِإنديبندنتي» أنَّ القوات والأنظمة المنتشرة تعمل، في المقام الأوَّل، من خلال تبادل المعلومات مع دول الخليج. وبالتالي، يُعتقد أن عمليات الرَّصد التي ينفذها رادار «كْرونوس» قد استُخدمت أثناء الهجمات الواردة لتزويد دول شبه الجزيرة العربية بالمعلومات اللازمة خلال عمليات التصدي للصواريخ. وبالمثل، تهدف مهمة القوات الجوية إلى المساهمة في الدفاع الجوي ومراقبة المجال الجوي للدول الخليجية الشريكة.
وتتمثَّل مهمَّة الطائرات المنتشرة في «رصد وتحديد وتعقُّب التهديدات الجوية المحتملة، وتوفير صورة معلوماتية محدثة عن منطقة العمليات لمستويات اتِّخاذ القرار وللوحدات والقدرات الأخرى المشاركة».
كما تساهم هذه القوات في الدفاع عن المجال الجوي الذي تعمل فيه، وإسقاط الطائرات المسيَّرة صغيرة الحجم، فضلاً عن تنفيذ مهام النقل التكتيكي والدعم والمراقبة، وتقديم المساعدة الطبية في حالات الطوارئ.
لكن لا يُعرف ما إذا كان العسكريون الإيطاليون قد أدوا دورًا فعليًا في الدفاع عن المجال الجوي لدول شبه الجزيرة العربية. فأنظمة مثل بطاريات «سامب /تي» المنتشرة في إطار مهمَّة «سيربيرو» هي معدات عالية التخصُّص، ويتولَّى تشغيلها العملياتي عسكريو الدولة التي تستخدمها.
وبالتالي، إذا استُخدمت هذه الأنظمة للتصدِّي لتهديد ما، فسيكون العسكريون الإيطاليون هم من نفَّذوا عملية الاشتباك. لكن مصدر في وزارة الدفاع أكد أنَّه لا علم لديه باستخدام هذه الأنظمة في عمليات اشتباك فعلية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.