ومرة أخرى، يأتي دور حزب «فورتسا إيطاليا» (إيطاليا إلى الأمام) في المشهد. إلا أنه، خلافا لما كان عليه الوضع قبل عشرين عاما، لا يشغل اليوم موقع القوة المهيمنة. فقد احتفظ داخل الائتلاف بدور الشريك الرئيسي الثاني، إلى جانب «حزب الرابطة»، الذي كان حاضرًا آنذاك بطابعه الاستقلالي، وبدرجة أقل حزب «نُويْ موديراتي» (نحن المعتدلون).
وعلى رأس الائتلاف يأتي حزب «إخوة إيطاليا»، وريث حزب «التحالف الوطني» الذي شارك في الحكومة الثانية التي ترأسها «سيلفيو برلسكوني».
واحتفالاً بهذا الإنجاز، نشر حزب رئيسة الوزراء قائمة بما وصفها بـ «الأرقام القياسية والنتائج» التي تحقَّقت خلال فترة تولِّي الحكومة مهامها.
ومن جانبها، شرعت هيئة تحرير صحيفة لِـ«الإيطالية نيوز»، التزامًا بمهمَّتها المتمثِّلة في تقديم معلومات حرَّة ومحايدة للقرّاء، في عملية للتحقُّق من صحَّة هذه المعطيات، ساعيةً إلى التمييز بين الحقائق والدعاية السياسية.
«معدَّلات التوظيف عند أعلى مستوياتها»
يتعلَّق أوَّل الانجازات التي يُروّج لها حزب «إخوة إيطاليا» — عبر موقعه الإلكتروني وعبر منصَّات التواصل الاجتماعي من خلال منشور متعدِّد الشرائح — بملف العمل والتوظيف.
وبحسب الحزب، ارتفع معدل التوظيف منذ تولِّي «حكومة ميلوني» مهامها؛ إذ بلغ عدد العاملين في نوفمبر 2022 نحو 23 مليونا و252 ألف شخص، بينما وصل في يوليو إلى 24 مليونا و370 ألفا، أي بزيادة قدرها %4.8.
وهذا صحيح، وتؤكٍّده بيانات «المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء» (ISTAT).
كما أن الادعاء المتعلِّق بارتفاع عدد عقود العمل غير محددَّة المدة صحيح أيضًا، إذ يشير الحزب إلى وجود «أكثر من 1.3 مليون عامل إضافي بعقود غير محدَّدة المدة»، أي ما يقارب 16.6 مليون عامل في يوليو 2026، مقارنةً بـ 15.2 مليونًا في نوفمبر 2022.
ووفقًا لبيانات «المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء» (ISTAT) أيضًا، ارتفع عدد عقود العمل غير محدَّدة المدًّة، سواء من حيث نسبتها إلى إجمالي عدد العاملين أو من حيث نسبتها إلى إجمالي عدد العمال، مقارنةً بالفترة التي سبقت تولِّي «حكومة ميلوني» السُّلطة.
الموضع الذي يتجاهل فيه «إخوة إيطاليا» هذه المسألة، مقدِّمًا للمواطنين صورةً جزئيةً، هو جوهر هذه العقود، وبالتالي ظروف العمل. وليس سرًّا أن التضخُّم وارتفاع تكاليف المعيشة قد استنزفا، خلال هذه السنوات الأربع، القدرة الشرائية للإيطاليين. ففي يونيو، وبفعل الحرب في إيران (التي فضَّلت «جورجا ميلوني» عدم اتِّخاذ موقف حاسم بشأنها أكثر من اللازم)، بلغ التضخُّم أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات. وقبل أيام قليلة، أظهرت دراسة أجرتها صحيفة «إلْصولي فينتيكواترو أوري» أنَّ الإنفاق على المواد الغذائية لدى الإيطاليين ارتفع، خلال السنوات الخمس الأخيرة، بمتوسِّط قدره %30، مدفوعًا بالارتفاعات الحادَّة في أسعار الخضروات والقهوة والزَّيت.
وقد سلَّط أحد أحدث تقارير «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OCSE) الضوء على حالة الجمود التي يعاني منها سوق العمل الإيطالي، حيث يزداد عدد العاملين، في حين تتراجع الأجور الحقيقية تراجعًا حادًّا. وتقول المنظمة: «إنها تَقِلُّ بنسبة %6.1 عن مستواها في الربُّع الأوَّل من عام 2021، وهي أكبر فجوة بين الاقتصادات الكبرى في منظَّمة التعاون الاقتصادي والتنمية». وعند تحديد أسباب ذلك، تشير المنظَّمة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، إلى عدم القدرة على رفع قيمة العقود الجماعية بصورة حاسمة. كما تُقلّل «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» من أهمية الرَّقم القياسي الإيطالي لمعدَّل العمالة، الذي يبلغ %62.8، إذ إنه يَقِلُّ بمقدار 9.3 نقاط مئوية عن متوسِّط المنطقة. وينطبق مسار مماثل على عمالة النساء؛ إذ يؤكِّد حزب «جورجا ميلوني» على أنَّه «لم يسبق أن كان هناك هذا العدد الكبير من النساء العاملات في إيطاليا»، لكنَّه لا يذكر أن البلاد لا تزال تحتل المرتبة الأخيرة في التصنيف الأوروبي.
«دعم أكبر للأسر»
يعمل الاقتصاد الإيطالي بوتيرة أكبر مقارنة بالماضي، لكنَّه يحقِّق دخولاً أقل. وتكشف أحدث بيانات «يوروستات»، المتعلِّقة بعام 2024، أن واحدًا من كل عشرة عاملين في إيطاليا معرض لخطر الفقر. وهي ظاهرة شهدت ارتفاعًا مقارنة بعام 2023، وتعكس حالة الهشاشة التي يعيشها ملايين العمال.
وفي ظلٍّ هذا الواقع الاجتماعي، يتراجع حجم الأثر الفعلي للدَّعم المعلَن للأسر من جانب «حكومة ميلوني». ويؤكد حزب «إخوة إيطاليا» على أنَّه رفع التعويض المالي عن إجازة الوالدية من %30 عام 2022 إلى %80 حاليًا. وهذا صحيح.
كما يؤكد «المعهد الوطني الإيطالي للضمان الاجتماعي» (INPS) ارتفاع قيمة «مكافأة الأمَّهات» بنسبة %50، إذ ارتفعت من 40 يورو عام 2024 إلى 60 يورو حاليًا.
كذلك وسّعت الحكومة نطاق إجازات الوالدية، التي كانت تُمنح سابقًا حتَّى بلوغ الأبناء سن 12 عامًا، لتصبح الآن حتًّى سن 14 عامًا.
كما حدث تأكيد استمرار «مكافأة المواليد»، وهي مساهمة مالية قدرها 1,000 يورو للآباء الجُدد، أُقرَّت عام 2025 وجُدِّدت في 2026.
لكن يبدو أنَّ هذه الإجراءات لم تكن كافية لوقف الشتاء الديموغرافي أو التغلُّب على تردُّد الشباب الإيطالي في تكوين الأسر، في ظل مخاوفهم من حالة الهشاشة الاجتماعية المشار إليها.
ففي عام 2025، سجَّلت إيطاليا 355 ألف ولادة جديدة فقط، وهو أدنى مستوى في تاريخها الحديث، بانخفاض حاد بلغ %3.9 مقارنة بالعام السابق.
«أمن أقوى»
تؤكِّد الحكومة على أنَّ أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا عبر البحر انخفضت بنسبة %80 بين يناير ويوليو 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023.
وتؤكٍّد بيانات وزارة الداخلية الإيطالية على ذلك، لكن المقارنة تظلُّ موضع نقاش من الناحية المنهجية.
فأوَّلاً، كانت الأغلبية الحكومية الحالية موجودة بالفعل في «بالاتسو كيجي» (مقر رئاسة الوزراء )منذ عدة أشهر خلال عام 2023. ثم إن ذلك العام كان استثنائيًا من حيث أعداد الوافدين، إذ بلغ عددهم رقمًا قياسيًا قدره 157 ألف شخص، ليشكِّل ثالث أعلى مستوى تاريخي بعد الذروتين المسجَّلتين خلال حكومتي «ماتيو رينسي» في عامي 2014 و2016.
أمَّا فيما يتعلَّق بأعداد الوافدين، فقد حافظت «حكومة ميلوني» خلال عامي 2024 و2025 على متوسِّط المستويات المسجلة في عام 2021، ولم تقترب إطلاقًا من الأرقام التي سُجّـِلت خلال حكومتي «كونتي الأولى والثانية»، ولا سيما المستوى الأدنى البالغ نحو 11 ألف حالة وصول.
وفي ما يخصُّ عمليات إعادة المهاجرين، يفاخر حزب «إخوة إيطاليا» بارتفاعها بنسبة %60 مقارنة بعام 2021. وهذا صحيح.
لكن عند توسيع نطاق المقارنة واتِّخاذ عام 2019، على سبيل المثال، مرجعًا، يتبيَّن أنَّ عدد عمليات الإعادة المنفَّذة في عام 2025 كان أقل. وعلى هذا الصَّعيد أيضًا، تبدو تجربتا حكومتي «كونتي» أكثر تشدُّداً بكثير.
وبعيدًا عن الجانب العددي البحت لظاهرة الهجرة، يتَّضح أنّ حزب «إخوة إيطاليا» لا يورد أي بيانات بشأن أعداد الوفيات في البحر. فإذا كانت الأعداد المطلقة للوفيات قد انخفضت قليلاً، فلا يمكن قول الأمر نفسه عن معدل الوفيات. وهذا يدلُّ على أنَّ طرق الهجرة البحرية لم تصبح أكثر أمنًا، وإنَّما يجري بصورة متزايدة إسناد إدارة هذه الطرق إلى أطراف خارجية، وهو ما يؤكِّده، على سبيل المثال، تجديد مذكِّرة التفاهم مع ليبيا.
وهناك أيضًا الزيارات التي قامت بها «جورجا ميلوني» إلى تونس برفقة رئيسة «المفوضية الأوروبية»، «أورسولا فون دير لاين»، والتي أفضت في يوليو 2023 إلى توقيع مذكِّرة تفاهم جعلت من تونس ليبيا تلعبا دور الحارس البحري مع مقابل أموال مشجعة من «بروكسل».
«مدرسة الاستحقاق»
كان أحد أبرز شعارات «حكومة ميلوني» الأخرى هو الهوس بمفهوم الاستحقاق، إلى حد تغيير اسم وزارة التعليم.
ويؤكد حزب «إخوة إيطاليا» على أنَّه رفع «صندوق التمويل العادي للجامعات» (FFO) من 7.4 مليارات يورو عام 2019 إلى 9.4 مليارات يورو في عام 2026.
ومع الأخذ في الاعتبار بعض التقريبات، تبدو المقارنة صحيحة. لكنَّها لا تأخذ التضخُّم في الحسبان.
فإذا نظرنا إلى الأرقام الاسمية فقط، فإن الزيادة تبلغ %27، لكن عند تعديلها وفق ارتفاع الأسعار، تتغيَّر الصورة جذريًا. إذ تعادل قيمة الـ9.4 مليارات يورو الحالية نحو 7.7 مليارات يورو بقيمة عام 2019. وبالتالي، فإنَّ الزيادة الحقيقية تبلغ نحو 300 مليون يورو فقط، أي ما يقارب %4، وليس %27.
ويقول حزب «إخوة إيطاليا» إن «المزيد من الموارد للجامعات يعني تعليمًا عالي الجودة، ودعمًا للبحث العلمي، وفرصًا أكبر للطلَّاب والباحثين وأعضاء هيئة التدريس»، متجاهلاً حصة الناتج المحلِّي الإجمالي المخصَّصة للتعليم الجامعي.
ويشير «المجلس الوطني لطلاب الجامعات» (CNSU) إلى أنًّ إيطاليا لا تخصٍّص للقطاع سوى %0.6 من الناتج المحلِّي الإجمالي، مقابل متوسِّط أوروبي يبلغ %0.8.
وفي منشوره متعدِّد الشرائح على وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث حزب «إخوة إيطاليا» عن «رواتب أعلى للمدرسين: زيادة قدرها 412 يورو شهريًا بحلول عام 2027». لكن الحزب لم يحدِّد نقطة البداية الزمنية لهذه الزيادة، وهو أمر ليس عرضيًا.
ولتفكيك مكوِّنات هذا الرقم، يمكن الاستعانة ببيانات «وكالة التمثيل التفاوضي للإدارات العامة» (ARAN).
فالـ412 يورو تمثِّل مجموع ثلاث زيادات، تتراوح قيمة كل منها بين 124 و144 يورو إجماليًا، وأُقرَّت من خلال تعديلات على ثلاثة اتٍّفاقات جماعية مختلفة. غير أنَّ أوَّل هذه الزيادات يتعلَّق باتِّفاقية العمل الجماعية الوطنية 2019-2021، أي بالفترة التي لم تكن فيها «جورجا ميلوني» تتولَّى رئاسة الحكومة.
وقد جرى تمويل جزء كبير من تلك الاتِّفاقية من خلال قوانين الموازنة للسنوات الثلاث المعنية، قبل أن تضيف «حكومة ميلوني» نحو 300 مليون يورو.
وبالتالي، من أصل متوسِّط الزيادة الإجمالية البالغ 412 يورو التي يفاخر بها الحزب، لا يبقى سوى 287 يورو ناجمة عن تعديلات تعاقدية جرى تمويلها بالكامل في عهد حكومة «المستحقِّين».
جنوب إيطاليا قاطرة البلاد
يختتم المنشور المتسلسل على وسائل التواصل الاجتماعي إشارته إلى الجنوب، الذي يُقال إن المنطقة الاقتصادية الخاصة الموحدة (ZES) قد نجحت في جذب استثمارات مباشرة إليه بقيمة 8.5 مليارات يورو. ويُقال إن هذا الرقم ورد في «منتدى نحو الجنوب» (Forum Verso Sud)، الذي نظمته العام الماضي في «سورّينتو» مؤسسة The European House – Ambrosetti (TEHA). كما تؤكِّد كلٌّ من «كونفيندستريا» و«SRM»، وهو مركز الدراسات المرتبط ببنك «إنتيزا سان باولو»، الرَّقم أيضًا، ولكنَّها ترفعه إلى 9 مليارات يورو.
ولا توجد أي إشارة إلى الاحتجاجات الأخيرة ضد تراخيص «المنطقة الاقتصادية الخاصة» (ZES) — من «سردينيا» إلى «بوليا» — والتي تتَّهم الحكومة بتجاوز الهيئات المحلية والإرادة الشعبية في مجال التخطيط العمراني، وبيع البلاد بأبخس الأثمان أمام الأطماع السياحية للأثرياء فاحشي الثراء.
وبغض النظر عن الوعود التي لم تُنفَّ، والتي تعود إلى فترة الحملة الانتخابية، يمكننا القول إن الحصيلة التي يرسمها «إخوة إيطاليا» تستند إلى بيانات صحيحة، لكنها مصحوبة بسردية جزئية. فعند قراءة «الأرقام القياسية والنتائج» التي حقَّقتها «حكومة ميلوني»، قد يظنُّ المرء أنَّه يعيش في بلد رائد من الناحية المهنية، قادر على توفير دعم قوي للأُسَر، ويقوم على نظام تعليمي فعَّال ويحظى بتمويل جيِّد. ثم تأتي المواجهة مع الواقع، التي حاولنا إعادة بنائها في هذا المقال، من خلال وضعها تدريجيًا في مقابل الخطاب الحكومي. فلا تزال إيطاليا بلدًا يعاني من التباطؤ بسبب العمل الفقير (ولا يزال يعاني أيضًا من تفاوت كبير من منظور النوع الاجتماعي)، وغير قادر على الخروج من الشتاء الديموغرافي، ويمتلك ميلًا ضعيفًا إلى المستقبل، كما تُظهر ذلك الموارد المخصَّصة للشباب.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.