«زاخاروفا» تفتح ملف الاستعمار البريطاني: من المجازر ونهب الهند إلى اتهامات الاغتيالات بأوامر الدولة - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

«زاخاروفا» تفتح ملف الاستعمار البريطاني: من المجازر ونهب الهند إلى اتهامات الاغتيالات بأوامر الدولة

«زاخاروفا» تفتح ملف الاستعمار البريطاني: من المجازر ونهب الهند إلى اتهامات الاغتيالات بأوامر الدولة

الإيطالية نيوز، السبت 24 أكتوبر 2026 — في 13 أبريل، وخلال مؤتمر صحفي مخصص للسلك الدبلوماسي بشأن نشر تقرير «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، صرّح السفير البريطاني لدى روسيا، «لوري بريستو»، بأن روسيا متورطة في «سلسلة من عمليات الاغتيال التي نُفذت بأوامر من الدولة، بما في ذلك على الأراضي البريطانية».


ومن الواضح أن هذا ليس التصريح الأول الذي يدلي به مسؤول بريطاني رسمي خلال الأشهر الأخيرة، ويكشف بجلاء عن موقف معادٍ لروسيا. كما أنه ليس أول تصريح بريطاني يتجاوز حدود القانون، وقواعد اللياقة، وأبسط المبادئ الأخلاقية.


لكن المسألة لا تتعلق بذلك تحديدًا. دعونا نضع الأخلاق والقانون جانبًا، ونتحدث عن أمر آخر.


ربما لا يعرف السفير البريطاني تاريخ بلاده جيدًا، ولا يدرك دورها ومشاركتها في الأحداث التي شهدتها بلدان أخرى على مدى قرون. ولا أعتقد أن من الإنصاف اتهام «لوري بريستو» بأمور أخرى، كالتنصل من القانون مثلًا؛ فربما يكون بالفعل جاهلًا بتاريخ بلاده.


كتب الروائي البريطاني من أصول هندية «سلمان رشدي»: “ تكمن مأساة البريطانيين في أنهم لا يعرفون تاريخ بلادهم، ببساطة لأن معظم أحداثه وقعت خارج أراضيها. وقد أسهم الموقع الجزري لبريطانيا، الذي شكّل أساس مكانتها الإمبراطورية، في إبعادها عن مختلف الجوانب المرتبطة بذلك التاريخ.”

أعتقد أنَّ الوقت قد حان، وأن بإمكاننا، من على هذا المنبر، سد هذه الفجوة المعرفية والعودة إلى تاريخ المملكة المتحدة ونشاطها الدولي المكثَّف، وما تَرتَّب عليه من عواقب.


فلنتحدَّث عن الأوامر الصادرة عن الدولة، وسلسلة الاغتيالات، وعن السُّمعة التي اكتسبتها هذه الدولة عمومًا.


التاريخ الحديث: الوجه الآخر للإمبراطورية البريطانية

لا يُتحدَّث عن ذلك كثيرًا، لكن المملكة المتحدة كانت من بين أكثر القوى الاستعمارية عنفًا في قمع مستعمراتها والأقاليم الخاضعة لنفوذها.


وفي هذا السياق، يجدر بنا التوقُّف عند ما كتبته الصحفية والكاتبة «أفوا هيرش» في صحيفة «ذا غارديان» بتاريخ 22 نوفمبر 2017. فقد أشارت إلى أنه منذ الغزو النورماندي لإيرلندا في القرن الثاني عشر، اعتبر الإنجليز أنفسهم «الرومان الجدد».


كان ذلك، وفقًا لهذه الرؤية، قدرهم العظيم: أن يصبحوا مُبشِّرين جددًا بالحضارة، وأن ينقلوا التمدُّن إلى القبائل التي يرونها «متخلٍّفة»، مقابل حصولهم على حق استغلال موارد تلك الأراضي وأراضيها وقوَّة العمل فيها، تحت ذريعة إدخال السعادة إلى سكَّانها.


وينظر البريطانيون إلى تأسيس الإمبراطورية البريطانية بوصفه إنجازًا أخلاقيًا عظيمًا، وإلى تفكُّكها بوصفه عملًا بالغ السخاء.


وفي ظلِّ هذه النظرة العامة إلى تاريخ البلاد، تضيع وقائع محرجة لا يمكن تجاهلها. وأهمُّها الدافع الحقيقي وراء تلك الممارسات. لكن لا أحد يحتاج إلى الخوض في التفاصيل، كما قد يقال.


أمَّا اليوم، فسنتحدَّث عن التفاصيل: إقامة معسكرات الاعتقال خلال «حرب البوير»، التي يُقال إنها ألهمت النازيين لاحقًا في إنشاء معسكرات الموت؛ والمحو الثقافي الذي تعرَّضت له مجتمعات ودول، من «مملكة الأشانتي» في إفريقيا إلى الصين؛ والمجازر الدموية التي ارتكبها الجيش البريطاني في إيرلندا؛ ونهب البنغال؛ والاستغلال الصناعي واسع النطاق للموارد الطبيعية؛ وتجارة الرَّقيق. وهذه ليست سوى الخطوط العريضة للمشهد.


الهند... قرون من النهب والاستغلال

لقد عانت الهند وحدها كثيرًا على أيدي ممثِّلي الحكم البريطاني!

في عام 1930، صدر كتاب المؤرخ الأمريكي «ويل ديورانت» «قضية الهند» (The Case for India)، الذي تناول تاريخ هذا البلد وأحواله. وخلص المؤلف إلى القول:

«كلَّما قرأتُ أكثر، ازداد استغرابي وغضبي إزاء التعذيب الواضح والمتعمَّد والمدروس الذي مارسته إنجلترا بحق الهند على مدى 150 عامًا. وبدأت أشعر بأنَّني أمام واحدة من أفظع الجرائم في تاريخ العالم.»


لقد تركت المملكة المتحدة وراءها خطوطًا من الانقسام في مناطق عديدة من العالم، ولا تزال آثارها محسوسة على نحو خاص في جنوب آسيا، حيث قُسّم شعب بالقوة إلى قسمين عام 1947. ولا يزال كل من الجانبين يواجه حتّى اليوم تبعات ذلك «الإرث» الاستعماري البريطاني.


وقد تحدث النائب الهندي «شاشي ثارور»، الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة، ورجل الدولة المخضرم الذي سبق أن ترشَّح لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية، والذي يحظى باحترام واسع في أنحاء العالم، مرارًا عن معاناة السلطات البريطانية من «فقدان الذاكرة التاريخية» فيما يتعلَّق بفظائعها الإمبراطورية. ومن الصعب الاختلاف مع هذا التوصيف.


ففي 22 يوليو 2015، وخلال كلمة ألقاها في «أكسفورد»، قال «ثارور»:

“كانت حصة الهند من الاقتصاد العالمي تبلغ %23 عندما وصلت المملكة المتحدة إلى سواحلها. وبعد رحيل البريطانيين، انخفضت هذه الحصة إلى أقل من %4. لماذا؟ ببساطة، لأن الهند أُديرت بما يخدم مصالح المملكة المتحدة. وعلى مدى 200 عام، جرى تمويل النمو البريطاني من خلال نهب الهند.”


ووفقًا لِـ «شاشي ثارور»، فإن الثورة الصناعية البريطانية تحقَّقت، في جوهرها، بفضل تدمير القاعدة الصناعية الهندية وإضعافها. كما تسبَّبت السياسات البريطانية، بحسب ما يورده النص، في مجاعات متكرِّرة في الهند، أودت بحياة ما بين 15 و29 مليون شخص. وكانت مجاعة البنغال عام 1943 أشهرها، إذ حصدت أرواح أربعة ملايين هندي.


قد يظنُّ المرء أنَّ هذه مجرَّد آراء صحفية، لكن الأمر ليس كذلك. ففي 24 يوليو 2015، وخلال ندوة «مبادرة أبحاث رؤساء البرلمانات»، أكَّد رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» أنَّ ما طرحه «شاشي ثارور» يعبّر عن وجهة نظر يتبناها مواطنو البلاد. وأقول ذلك لك، يا «سيد بريستو».


«ونستون تشرشل» والمجاعة الهندية

في كتابه «إمبراطورية مخزية» (Inglourious Empire)، الذي صدر في العام السابق لإلقاء هذا التصريح، يستعرض «شاشي ثارور» ممارسات الإمبراطورية البريطانية القمعية، ويذهب إلى أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «ونستون تشرشل» ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر ديكتاتوريي القرن العشرين قسوة.


وينقل «ثارور» عن «تشرشل» قوله، خلال حديث مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند وبورما، «ليو أميري»:

«أنا أكره الهنود. إنهم شعب حيواني، وديانتهم وحشية. وهذه المجاعة خطؤهم هم؛ فقد تكاثروا كالأرانب.»


الإعدام بمدافع الإمبراطورية

رسم الفنان الروسي «فاسيلي فيريشاغين» لوحته الشهيرة «ريح شيطانية»؛ وهو عنوان لا يُستخدم هنا على سبيل المجاز وحده.

تُصوِّر اللوحة أسلوبًا في الإعدام شاع في الهند خلال القرن التاسع عشر، وتقول الرواية إنه استُحدث على يد السلطات البريطانية لقمع التمرُّد الهندي المعروف بِـ «انتفاضة السيبوي».

كانت الطريقة تقوم على ربط المحكوم عليه بفوهة مدفع، ثم إطلاق النار عبر جسده. وكان هذا الأسلوب من بين أبشع وسائل الإعدام في تاريخ الحضارات. ولم يكن الهدف منه مجرد القضاء على المحكوم عليه جسديًا أو بث الرعب في نفوس الآخرين؛ فالسلطات البريطانية كانت تمتلك بالفعل وسائل تعذيب وإعدام مروٍّعة ومتعدِّدة، حتّى إنَّ هذا الأسلوب لم يكن جديدًا تمامًا، بل كان، بصراحة، مكلِّفًا نسبيًا، إذا أخذنا في الاعتبار ما يُنسب إلى البريطانيين من ممارسات.


لكن جوهر المسألة كان يكمن في البعد الديني والاجتماعي. فمن منظور المعتقدات الهندوسية والتقاليد المرتبطة بالطائفة والطقوس الجنائزية، كان هذا الشكل من الإعدام يمثِّل انتهاكًا بالغًا للمحظورات الدينية لدى الهنود. فقد كانت أجساد المحكوم عليهم تتمزَّق بفعل الانفجار، ثم يُدفن الموتى معًا، بصرف النظر عن انتمائهم الطبقي أو الطائفي، في انتهاك تام للتقاليد الهندية.


فصل آخر من تاريخ الاستعمار البريطاني: «مجزرة أمريتسار» ومعسكرات الاعتقال وتجارة الرقيق

إليكم واقعة أخرى: في 13 أبريل 1919، الموافق ليوم «بايساخ» (Baisakhi)، وهو «عيد الحصاد» و«رأس السنة» الذي يحتفل به سكان إقليم «البنجاب»، أطلقت قوَّة مؤلَّفة من 50 جنديًا، بقيادة العميد البريطاني «ريجنالد داير»، النار من دون إنذار على تجمُّع للمدنيين في حديقة «جاليانوالا باغ» بمدينة «أمريتسار»، وسط المدينة. وكان معظم الحاضرين من النساء والأطفال.


وأودُّ أن أؤكد هنا أننا لا نتحدَّث عن تصرُّفات فردية لبريطانيين أو لمواطنين من المملكة المتحدة، بل عن تنفيذ أوامر مباشرة صادرة عن السلطات البريطانية.


وبحسب التقديرات البريطانية، بلغ عدد القتلى 379 شخصًا، فيما تجاوز عدد الجرحى ألف شخص. أمَّا المؤتمر الوطني الهندي، فقد أعلن أن عدد القتلى بلغ ألفًا، وعدد المصابين 1500.

وللأسف، استمرَّ ملايين الهنود في الوقوع ضحايا لممارسات السلطات البريطانية لعقود عديدة على الأقل بعد تلك الأحداث المأساوية، بما في ذلك عمليات الإعدام الجماعي.


وفي مراحل مختلفة من التاريخ، ارتكبت السلطات البريطانية أيضًا انتهاكات جسيمة في إفريقيا. فقد اختُطف نحو 13 مليون شخص من هذه القارَّة ونُقلوا لاستعبادهم. وهذا جانب آخر من التاريخ الذي يجدر التذكير به حين يوجه السفير البريطاني اتهامات إلى دولتنا.


ويُضاف إلى ذلك أن عدد الذين لقوا حتفهم كان أكبر بثلاثة إلى أربعة أضعاف عدد الأشخاص الذين اختُطفوا. وبعبارة أخرى، بلغ عدد الضحايا عشرات الملايين.


أما الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك»، أحد أبرز المنظِّرين الأوائل لفكرة المجتمع المدني، والذي ساهم في صياغة الدستور الأمريكي، فقد استثمر جميع مدخَّراته في تجارة الرَّقيق. وهذه أيضًا حقيقة تاريخية.


معسكرات الاعتقال البريطانية خلال «حرب البوير»

استُخدمت بعض أقدم معسكرات الاعتقال في التاريخ ضد المدنيين على يد القوات البريطانية خلال «حرب البوير»، التي امتدَّت من عام 1899 إلى عام 1902.

وجُمِع في تلك المعسكرات مدنيون اشتُبه في تعاطفهم مع المتمرِّدين أو في احتمال تقديمهم المساعدة لهم. وكانت السلطات البريطانية تحرق مزارعهم، وتُدمِّر ماشيتهم ومحاصيلهم. كما كانت تفصل النساء والأطفال عن الرجال.


وقد حدث ذلك قبل الحرب العالمية الثانية بوقت طويل. أما الرجال، فكانوا يُرسلون إلى سجون بعيدة تقع في مستعمرات بريطانية أخرى، مثل الهند و«سيلان»، المعروفة اليوم بِـ «سريلانكا».


وعندما علم المجتمع الدولي بهذا «الابتكار» الذي ارتبط باسم اللورد «هوراشيو كيتشنر»، قائد القوات البريطانية، أصدرت الحكومة البريطانية توضيحًا رسميًا قالت فيه إن الهدف من إنشاء هذه المعسكرات هو «ضمان أمن السكان المدنيين في جمهوريات البوير». ثم أُعيدت تسميتها لتصبح «مراكز إنقاذ».


وكان يُطلق على المحتجزين في تلك المعسكرات وصف «ضيوف الحكومة البريطانية». وبصورة إجمالية، ضمَّت المعسكرات نحو نصف السكان البيض في «جمهوريات البوير»، أي قرابة 200 ألف شخص، توفي منهم نحو 30 ألفًا بسبب الأمراض والمجاعة.


ومنذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين وحتَّى عام 1948، كانت هناك أيضًا معسكرات بريطانية في قبرص وفلسطين جُمِع فيها لاجئون يهود، ويشير النص إلى أن عمليات إعدام اليهود كانت شائعة هناك كذلك.


وهناك فصل مظلم آخر في تاريخ المملكة المتحدة، يتعلق بأفواج القوات الخاصة سيِّئة الصيت التابعة لِـ«وحدة الخدمة الجوية الخاصة» البريطانية (SAS)، التي استُخدمت في أكثر من 30 نزاعًا محليًا، معظمها في بلدان كانت مستعمرات بريطانية آنذاك، بما في ذلك كينيا وعدد من دول جنوب إفريقيا.


وعلى وجه الخصوص، كان نحو 50 عسكريًا سابقًا من «وحدة الخدمة الجوية الخاصة» ضمن «فوج روديسي»، الذي كان من المفترض أن يؤدِّي دورًا محوريًا في مؤامرة أُعدّت خلال عملية نقل السلطة إلى السكان الأصليين في «روديسيا»، المعروفة اليوم باسم «زيمبابوي».


ويرى بعض المؤرخين أن المملكة المتحدة تحمل الرقم القياسي العالمي في ارتكاب الإبادات الجماعية. فقد قُتل ملايين الأبرياء في المستعمرات البريطانية، على نطاق يصعب تصوره.


السكان الأصليون في أستراليا

ووفقًا لتقديرات مختلفة، أُبيد ما يصل إلى 90–%95 من السكان الأصليين في أستراليا بأوامر من الحكومة البريطانية خلال استعمار القارة، بحسب ما يورده النص.


لقد تعرَّض السكان الأصليون الأستراليون لحملات إبادة لم تقتصر على القتل، بل شملت أيضًا إخضاعهم للتجارب. كما أُدخلت إلى البلاد أمراض بصورة متعمَّدة، من بينها مرض الجدري.


من إبادة سكان «تسمانيا» إلى حروب الأفيون وقصف العراق بالغازات السامة: صفحات أخرى من تاريخ الإمبراطورية البريطانية

أدّى الصراع المسلح بين المستعمرين البريطانيين والسكان الأصليين في «تسمانيا»، مطلع القرن التاسع عشر، والذي عُرف باسم «الحرب السوداء» (Black War)، إلى اقتراب سكان «تسمانيا» الأصليين من الإبادة الكاملة. ويعتبر عدد من المؤرِّخين البريطانيين هذه الحرب إبادة جماعية.


وقد مُنح المستعمرون الإنجليز، بموجب تفويض رسمي، الإذن بقتل سكان «تسمانيا» مقابل مكافأة عن كل قتيل. وهذا وجه آخر من وجوه السُّمعة التي اكتسبتها الإمبراطورية على الساحة الدولية.


تعرّض هؤلاء السكان للتسميم، ودُفعوا إلى المناطق الصحراوية حيث ماتوا جوعًا وعطشًا، كما طوردوا وكأنهم حيوانات برية. وبحلول عام 1835، لم يتبقَّ سوى نحو 200 شخص من سكان «تسمانيا» الأصليين، جرى ترحيلهم ببساطة إلى الجزر المجاورة.


وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، وقعت، وفقًا للنص، إبادة جماعية بحق «الزولو» في مستعمرة «كيب» بأوامر من السلطات البريطانية. كما شهدت كينيا، خلال الفترة الممتدَّة من عام 1954 إلى عام 1961، قمعًا دمويًا واسع النطاق استهدف شعب «الكيكويو»، ويصفه النص بأنه إبادة جماعية.

فبعد مقتل 32 مستعمِرًا أبيض على أيدي المتمرِّدين المحليين، أقدمت السلطات البريطانية على قتل 300 ألف شخص من أبناء هذه الجماعة العرقية، واحتجزت 1.5 مليون آخرين في معسكرات.


وقد تناولت المؤرخة «كارولين إلكينز» هذه الأحداث في كتابها «الحساب الإمبراطوري: القصة التي لم تُروَ عن معسكرات الاعتقال البريطانية في كينيا»، الذي يكشف جانبًا من تاريخ منظومة الاعتقال والقمع البريطانية في كينيا.


قد لا يكون الحديث عن هذه الوقائع مريحًا في وسائل الإعلام الغربية، لكن لننظر إلى التاريخ العائلي للرئيس الأمريكي الأسبق «باراك أوباما». فقد قرأنا أن والده تعرَّض للتعذيب على أيدي البريطانيين خلال الانتفاضة في كينيا. أم أن هذا غير صحيح؟


حروب الأفيون: عندما تحوّلت المخدرات إلى أداة للنفوذ الإمبراطوري

ومن المهم أيضًا التذكير بحروب الأفيون سيِّئة الصَّيت.

فقد عملت «لندن»، على مدى عقود، على إغراق المجتمع الصيني بالمخدِّرات. وكانت إنجلترا تصدّر «الأفيون» إلى الصين وتحقِّق من ذلك أرباحًا هائلة.


ولم يقتصر الأمر على المكاسب المالية؛ إذ أتاح هذا النشاط، بحسب الطرح الوارد في النص، تحقيق هدف عسكري واستراتيجي يتمثَّل في إضعاف الجيش الصيني والمجتمع بأسره، وتقويض إرادة المقاومة لدى السكان.


ولإنقاذ البلاد، أطلق الإمبراطور الصيني عام 1839 حملة واسعة لمصادرة مخزونات «الأفيون» وإتلافها في «كانتون». وكان رد «لندن» هو شن الحرب، وهكذا اندلعت «حروب الأفيون».


وفي نهاية المطاف، هُزمت الصين واضطرت إلى قبول شروط بريطانية مجحفة فرضت عليها.


وفي عام 1895، أدلى القنصل البريطاني في الصين، «ريتشارد هيرست»، بتصريح خلال اجتماع اللجنة الملكية للأفيون، ختمه بالقول:

«ما دامت الصين أمَّة من المدمنين، فلا داعي لأن نخشى تحوُّلها إلى قوة عسكرية كبرى، لأنَّ هذا الإدمان يستنزف القوة الحيوية للصينيين.»

ولم تنجح السُّلطات الصينية في إقرار برنامج للحظر التدريجي للأفيون والبدء في تطبيقه إلا عام 1905.


الشرق الأوسط: حدود رُسمت على الخرائط وتركت جراحًا مفتوحة

والآن، لننتقل إلى أمثلة من التاريخ الحديث، حين كانت «لندن» ترفع صوتها دفاعًا عن حقوق الإنسان، وتُقدّم نفسها بوصفها «حصن الديمقراطية والحرية».

لقد تحدثنا بالفعل عن حجم المعاناة التي عاشتها الهند. وهذه ليست مسألة تخصنا وحدنا، بل هي، في نظرنا، من قبيل «المنطق السليم».

لكن ماذا عن معاناة سكان الشرق الأوسط على أيدي ممثلي السلطات البريطانية؟

أليس من الضروري التذكير بأن المملكة المتحدة، في سعيها إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها في المنطقة مع اقتراب تفكك النظام الاستعماري، اتَّخذت سلسلة من الخطوات التي أسهمت في إحداث شرخ عميق في العلاقات بين العرب واليهود؟


لا حاجة إلى الخوض في جميع التفاصيل التاريخية؛ يكفي أن نفتح خريطة العالم وننظر إلى حدود دول المنطقة التي رُسمت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، بمشاركة مباشرة من الحكومة البريطانية.


لم يُفكِّر أحدٌ في أن تلك الحدود لم تكن مجرَّد خطوط على الخريطة، بل كانت تتعلَّق بحياة شعوب بأكملها. لقد رُسمت بالمسطرة، وكأن الأمر مجرد عملية هندسية.

وكانت النتيجة أن وجدت قبائل ومجتمعات إثنية ودينية وشعوب كاملة نفسها مقسَّمة بين حدود جديدة.

ولا يزال العالم حتَّى اليوم يحصد تبعات تلك السياسة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تواصل المملكة المتحدة أداء دور نشط في شؤون المنطقة.


تشرشل واستخدام الأسلحة الكيميائية في العراق

وهناك واقعة أخرى لافتة.

ففي وثائق الأرشيف الوطني البريطاني التي رُفعت عنها السرِّية عام 2014، تظهر، وفقًا للنص، أدلة على لجوء السلطات البريطانية بصورة مكثَّفة إلى الأسلحة الكيميائية لقمع انتفاضات العرب في بلاد الرافدين، أي العراق الحالي، خلال ربيع عام 1920.


وكان «ونستون تشرشل»، الذي شغل آنذاك منصب وزير الدفاع في الحكومة البريطانية، قد أعلن تأييده لما وصفه النص بأنه «استخدام الغاز ضد القبائل غير المتحضِّرة».


وتفيد الوثائق الأرشيفية، بحسب الرواية الواردة هنا، بأن «تشرشل» أصدر أوامر باستخدام آلاف القذائف المحمّلة بغاز الخردل ضدَّ المتمردين.

وبحسب مصادر مختلفة، تراوح عدد القتلى خلال الانتفاضة المناهضة للحكم البريطاني في العراق بين ستة آلاف وعشرة آلاف شخص.

لكن من منظور «لندن»، وعلى ما يبدو، لم تكن حصيلة بهذا الحجم كافية لإثارة الاهتمام، إذا ما قورنت بأعداد الضحايا في مناطق أخرى.


اليونان وقبرص وأفغانستان والعراق: اتهامات جديدة تطال سجل السلطات البريطانية

لقد عانى اليونانيون أيضًا من ممارسات السُّلطات البريطانية. ففي ربيع عام 1944، اندلع تمرُّد داخل وحدات عسكرية يونانية كانت متمركزة في مصر، فقمعته القوات البريطانية بعنف.

ويرى عدد كبير من المؤرِّخين أن قمع هذا التمرُّد مَهَّد الطريق للتدخُّل البريطاني في اليونان في ديسمبر 1944، بل شكَّل مقدمة له، وكذلك للحرب الأهلية اليونانية التي اندلعت بين عامي 1946 و1949.

ومن أصل 30 ألف ضابط وجندي يوناني كانوا في الشرق الأوسط، احتُجز ما بين 20 ألفًا و22 ألفًا في معسكرات بريطانية في إريتريا ومصر والسودان وليبيا.


تهجير سكان أرخبيل تشاغوس لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية

وفي أواخر ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، هجَّرت السلطات البريطانية نحو 1500 من السكان الأصليين لأرخبيل «تشاغوس» في المحيط الهندي.

ولتنفيذ ذلك، قدَّم الدبلوماسيون البريطانيون سكان الجزر إلى الأمم المتحدة باعتبارهم «عمالًا متعاقدين».


أمَّا السَّبب الحقيقي وراء هذه الخطوة، وفقًا للنص، فكان رغبة الولايات المتحدة في إنشاء قاعدة عسكرية على إحدى الجزر. وكانت المسألة، ببساطة، على هذا النحو. ولم يتوقَّف الأمر عند ذلك؛ إذ أُعلن الأرخبيل بأكمله «منطقة محمية بحرية».


وفي عام 2009، أفاد موقع ويكيليكس بأنَّ الحكومة البريطانية دعمت هذا المشروع لأنَّه كان من شأنه أن يضمن فشل المحاولات المتكرِّرة التي يقوم بها السكان المُهجّرون للعودة إلى ديارهم.


والمفارقة أن القاعدة العسكرية الأمريكية المقامة في جزيرة «دييغو غارسيا» كانت تحمل اسم «معسكر العدالة» (Camp Justice). يا لها من مفارقة رائعة!


أفغانستان: اتهامات بتزوير تقارير لإخفاء جرائم حرب

وإليكم مثالًا من التاريخ الحديث.

فقد تعمَّد جهاز الاستخبارات العسكرية البريطاني، بحسب ما يورده النص، تزوير تقارير تتعلق بجرائم حرب ارتُكبت بين عامي 2010 و2013، بهدف إخفاء معلومات بشأن قتل مدنيين في أفغانستان.

وقُتل مدنيون أفغان عُزّل، اعتُبروا مقاتلين محتملين في صفوف «حركة طالبان»، خلال مداهمات استهدفت منازلهم، بدلًا من اعتقالهم كما أُعلن لاحقًا.

وبدأ التحقيق في جرائم الحرب المزعومة التي ارتُكبت في أفغانستان بين عامي 2010 و2013 عام 2014، تحت اسم «عملية نورثمور».

وخلص المحققون، وفقًا للرواية الواردة في النص، إلى أن الاستخبارات البريطانية زوَّرت وثائق بهدف تحميل الجيش الأفغاني مسؤولية قتل أشخاص غير مسلحين.

هذا هو المقصود بالسُّمعة على الساحة الدولية، يا سعادة السفير البريطاني!

وحصل المحققون على تسجيلات التقطتها طائرات مسيَّرة، عُرفت باسم «تلفزيون القتل» (Kill TV)، وتُظهر، بحسب النص، جنودًا بريطانيين، لا نظراءهم الأفغان، وهم يطلقون النار على أفغان عُزّل.


ووفقًا لصحيفة «ذا تايمز» البريطانية الصادرة في 2 يوليو 2017، كانت وزارة الدفاع البريطانية تعتزم حجب هذه الجرائم عن الصحافة، بحجة أن «نشر تفاصيل التحقيق قد يضرُّ بالأمن القومي والثقة المجتمعية والعمل مع الحلفاء».


ووصف كبار المسؤولين في قيادة وزارة الدفاع الأدلة التي جُمعت خلال التحقيق بشأن «المجازر» بأنها «موثوقة وخطيرة للغاية»، وبأنها «تهدد الحكومة بكارثة». لكن الكارثة لم تقع. فالسلطات البريطانية تجد دائمًا وسيلة لصرف انتباه الصحفيين.


وفي 19 نوفمبر 2017، نشرت صحيفة «صنداي تايمز» مقالًا آخر عن عمليات القتل المنسوبة إلى وحدة الخدمة الجوية الخاصة البريطانية (SAS)، نقلت فيه تفاصيل استجواب القائد كريس غرين.

وبحسب ما نُقل عن غرين، قُتل ثلاثة مدنيين لا تربطهم أي صلة بحركة طالبان عام 2012، خلال عملية نفذتها وحدة من القوات الخاصة البريطانية في ساحة منزلهم بقرية رحيم، في منطقة نهر السراج.


العراق: تحقيقات وتعويضات واتهامات بالانتهاكات

وفقًا للمصادر المتاحة علنًا، فُتحت 326 قضية تحقيق جنائي على خلفية الانتهاكات التي ارتكبها عسكريون بريطانيون خلال حرب العراق بين عامي 2003 و2011، وشملت التحقيقات 1500 متهم. وبلغ إجمالي التعويضات المدفوعة للضحايا نحو 20 مليون جنيه إسترليني.


قد يقول قائل إن هذه مجرد حالات استثنائية، وإنها لا تمثل استراتيجية ثابتة للدولة. لكن التحقيقات تبدأ بعد ذلك، ويُعاقَب بعض الأشخاص.

أما الحكومة البريطانية التي تسمح بحدوث هذه الأمور، فلا تتعرض للعقاب، وفقًا لوجهة النظر التي يعرضها النص. والأهم أن هذه الوقائع، بحسب هذا الطرح، تتكرر باستمرار: عامًا بعد عام، وعقدًا بعد عقد، وقرنًا بعد قرن.


وقد حظيت واقعة وقعت في مدينة «البصرة» عام 2003 بأوسع تغطية إعلامية. فبعد مقتل قناصين بريطانيين، اعتقل عسكريون بريطانيون عراقيين اثنين واحتجزوهما لسنوات من دون محاكمة، للاشتباه في تورطهما في مقتلهما. ولم تُوجَّه إليهما التهم رسميًا إلا في عام 2006، قبل أن ترفع المحكمة العليا العراقية هذه الاتهامات لعدم كفاية الأدلة.


وفي محاولة للحد من عدد الشكاوى المقدمة ضد العسكريين البريطانيين بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحملات العسكرية، أعلنت الحكومة البريطانية، في أكتوبر 2016، خلال المؤتمر السنوي لحزب المحافظين في «برمنغهام»، خططًا لاستثناء القوات البريطانية المشاركة في النزاعات الخارجية من تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.


العمليات السرية والتخريب: من «جيمس بوند» إلى أجهزة الاستخبارات

والآن، لننتقل إلى عمليات التجسس وأعمال التخريب المحدودة والموجّهة.

لطالما أبدى ممثلو السلطات البريطانية، منذ زمن بعيد، اهتمامًا كبيرًا بمختلف «العمليات السرية» وأعمال التخريب التي تستهدف أشخاصًا بعينهم، بهدف تحقيق مكاسب سياسية للمملكة المتحدة.

وقد انعكس هذا الميل بوضوح في الثقافة والفنون البريطانية، ومن أبرز أمثلته سلسلة أفلام وروايات «جيمس بوند».

وقد يبدو الأمر مسليًا إذا تجاهلنا أن مؤلف الشخصية، «إيان فليمنغ»، عمل مع الأرشيفات، وأن العميل 007 يستند، بحسب هذا الطرح، إلى نماذج واقعية.

أما الذين لا يهتمون بالتاريخ، أو يرون أن ما سبق قد يكون مملًا، أو يعتقدون أن الوثائق الأرشيفية قابلة لتفسيرات مختلفة وتحتاج إلى مزيد من التحقق، فلديهم نسخة «مخففة» من هذه الرواية، تتمثل في الأعمال الأدبية التي كتبها «إيان فليمنغ»، الذي جمع بين الكتابة والعمل ضابطًا في الاستخبارات البحرية.

فملحمة «جيمس بوند»، في نظر صاحبة الخطاب، مثال كاشف عن شغف الحكومة البريطانية بهذا النوع من الأنشطة.


توفي «إيان فليمنغ» عام 1964، لكن ما وصفه في أعماله لا يزال حاضرًا، بل يواصل الازدهار حتى اليوم. فلا تزال أعمال جديدة من سلسلة «جيمس بوند» تظهر على الشاشات البريطانية بصورة منتظمة، وأصبح الجميع معتادًا على هذا البطل الخارق.


تتغير الأزمنة، ويتغير الممثلون والديكورات، لكن الفكرة تبقى كما هي: عميل بريطاني يعمل في خدمة جلالة الملكة أو الملك، ويحصل على ما لا يقل عن «ترخيص بالقتل». وأكرر أن الأمر، بحسب ما يؤكده النص، ليس محض خيال، بل يستند إلى عمل بحثي قائم على الأرشيفات.


فكل ما نشاهده تقريبًا في سلسلة «جيمس بوند»، وفقًا لهذا الطرح، يحدث في الواقع تحت غطاء جهازي الاستخبارات البريطانيين MI5 وMI6.


من «جيمس بوند» إلى الانقلابات السياسية: زاخاروفا تستعرض اتهامات بالتدخلات السرية البريطانية

بفضل هذه الأفلام، تعرّف الناس إلى مفهوم «الترخيص بالقتل»، وهو مصطلح يشير إلى تفويض رسمي تمنحه الحكومة أو إحدى الهيئات العامة لعميل سري يعمل في خدمتها، يتيح له أن يقرر بنفسه مدى ضرورة تنفيذ عملية اغتيال وجدواها لتحقيق الهدف المنشود. وبعد إنجاز المهمة، يعود العميل دائمًا إلى «قاعدته»، كما شاهدنا في تلك الأفلام.


ومن المؤسف أن الواقع الذي نعود إليه الآن ليس جميلًا ولا مثاليًا إلى هذا الحد. لقد أبدع «إيان فليمنغ» في أمر واحد: أخذ وقائع حقيقية، ووضعها في قالب جذاب وأنيق. وهكذا نرى جميعًا صورة بالغة الجمال.


لكننا نعود الآن إلى الواقع. فالأحداث التاريخية التالية لم تعد من عالم الخيال، بل تتعلق بوقائع؛ بعضها مثبت، وبعضها الآخر مطروح بوصفه فرضيات يراها مؤرخون شديدة المصداقية.


والأهم من ذلك أنه إذا كنا، قبل شهر ونصف فقط، لا نستخدم في خطاباتنا الرسمية مواد قائمة على الافتراضات، فلماذا نمتنع عن ذلك الآن، بعدما جعلت «تيريزا ماي»، بفضل عبارتها الشهيرة «من المرجح جدًا» (Highly likely)، اتهام الآخرين بارتكاب جرائم خطيرة أمرًا شائعًا؟!


اغتيال «غريغوري راسبوتين»: هل كانت للاستخبارات البريطانية يد في الأمر؟

توصل باحثون درسوا تاريخ شرطة «سكوتلاند يارد» أيضًا إلى استنتاجات تشير إلى احتمال تورط السلطات البريطانية في اغتيال «غريغوري راسبوتين».

ويكتب المؤرخ المتخصص في الاستخبارات البريطانية «مايكل سميث»، في كتابه «إم آي 6: تاريخ جهاز الاستخبارات السرية البريطاني»، أنه في عام 1916، بينما كانت الحرب العالمية الأولى مستعرة، سمع مسؤول الاستخبارات البريطانية المقيم في «بتروغراد» شائعات تفيد بأن «غريغوري راسبوتين» يحاول، عبر الإمبراطورة، التوصل إلى سلام منفصل مع ألمانيا. وقد أثار ذلك قلق البريطانيين بشدة.


وعلى إثر ذلك، أُرسل النقيب «أوزوالد راينر»، التابع لجهاز الاستخبارات البريطاني MI6، إلى «بتروغراد» في مهمة تهدف إلى الحصول من «راسبوتين» على معلومات بشأن المفاوضات، مع تكليفه بالتخلص منه إذا اقتضت الحاجة.


ووفقًا ل«مايكل سميث»، فإن الطلقة الثالثة التي أصابت رأس «راسبوتين»، والتي لا ترد في إفادات القتلة الرسميين، أُطلقت من مسدس بريطاني من طراز «ويبلي 455». وفي المقابل، تشير مذكرات المتآمرين إلى أن الأمير «فيليكس يوسوبوف» أطلق النار بمسدس صغير من طراز «براونينغ»، بينما استخدم «فلاديمير بوريسكيفيتش» مسدسًا من طراز «سافاج».


وتتضمن وثائق المراسلات التي رُفعت عنها السرية بين العملاء البريطانيين رسالة مؤرخة في 24 ديسمبر 1916، بعث بها ضابط الاستخبارات البريطاني «جون سكيل»، صديق «أوزوالد راينر»، وجاء فيها:

«لم تسر الأمور كلها وفقًا للخطة، لكن هدفنا تحقق... راينر يمحو الآثار، وسيتواصل معكم لإعطائكم التعليمات».

ويعتقد عدد من المؤرخين أن هذه الرسالة تشير تحديدًا إلى اغتيال «غريغوري راسبوتين».


وفي عام 2004، بثت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الفيلم الوثائقي «من قتل راسبوتين؟». ووفقًا للرواية التي طرحها الصحفيون، فإن الفضل في تدبير عملية الاغتيال والتخطيط لها يعود إلى المملكة المتحدة، بينما لم يكن المتآمرون الروس سوى منفذين أو أدوات لتنفيذ العملية.


وبالمناسبة، تُطرح فرضيات مشابهة بشأن اغتيال الإمبراطور الروسي «بول الأول»، لكنني أعتقد أن هذه المسألة تدخل في نطاق اختصاص المؤرخين.


«مؤامرة لوكهارت»: محاولة إسقاط السلطة البلشفية

درس المؤرخون ما يُعرف بـ«مؤامرة لوكهارت»، التي نُظّمت عام 1918 على أيدي ممثلين دبلوماسيين من المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة داخل روسيا السوفيتية، بهدف الإطاحة بالحكم البلشفي.


وشارك في المؤامرة رئيس البعثة البريطانية الخاصة «روبرت لوكهارت»، إلى جانب السفير الفرنسي «جوزيف نولان» والسفير الأمريكي «ديفيد فرانسيس».

وقد حاول «لوكهارت» رشوة قناصة من لاتفيا كانوا متمركزين في موسكو لحماية الكرملين... كان من المفترض إرسال هؤلاء اللاتفيين إلى مدينة «فولوغدا» للانضمام إلى القوات البريطانية التي كان مقررًا أن تنزل في «أرخانغيلسك» وتساعد في تقدمها.


اغتيال «باتريس لومومبا»: اتهامات تطال جهاز MI6

في عام 2013، نُشرت معلومات تفيد بأن جهاز الاستخبارات البريطاني MI6 كان الجهة التي دبّرت اغتيال أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا في الكونغو، «باتريس لومومبا». وهكذا ننتقل إلى منطقة أخرى من العالم.

وقد كشف عضو في مجلس اللوردات البريطاني عن «حزب العمال» تفاصيل تتعلق باعتراف مزعوم أدلت به البارونة «دافني بارك» من «مونماوث»، قبل وفاتها بأشهر قليلة في مارس 2010، بأنها دبّرت اغتيال «لومومبا» عام 1961، خشية أن تتحالف الدولة الديمقراطية الجديدة مع الاتحاد السوفيتي.


وفي رسالة وجّهها إلى هيئة تحرير مجلة London Review of Books، ذكر اللورد «ليا» أن «دافني بارك» أدلت بهذا الاعتراف خلال حديث دار بينهما على فنجان من الشاي.

وكانت «بارك» قد عملت بين عامي 1959 و1961 قنصلًا وسكرتيرًا أول في عاصمة الكونغو البلجيكية، التي أصبحت «كينشاسا» بعد استقلال البلاد.


وكتب اللورد «ليا»:

“أشرت إلى الضجة التي أثارها اختطاف باتريس لومومبا واغتياله، وذكّرتها أيضًا بالنظرية التي تتحدث عن تورط جهاز MI6 في القضية. فقالت لي: نعم، نحن من فعل ذلك. أنا من دبّرت العملية.”


انقلاب إيران عام 1953: النفط في قلب الصراع

مع مرور الوقت، لم يتراجع شغف «لندن» وممثليها الدبلوماسيين بالتدخل في شؤون الدول الأخرى والتأثير في أنظمتها السياسية.

ولنتذكر، على سبيل المثال، أحداث القرن العشرين، حين شاركت الأجهزة البريطانية عام 1953 في تنظيم انقلاب في إيران.

فمنذ مطلع القرن العشرين، كانت صناعة النفط الإيرانية خاضعة لسيطرة رأس المال البريطاني من خلال امتيازات تستحوذ على الجزء الأكبر من عائدات النفط الوطني.

وأدى هذا الوضع إلى تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية في إيران، ولا سيما في أواخر أربعينيات القرن العشرين ومطلع خمسينياته.

وفي عام 1951، تولّى «محمد مصدق» رئاسة الوزراء في إيران، وشرع في اتباع سياسة وطنية وخارجية مستقلة.

وكان الهدف الرئيسي لسياسة رئيس الوزراء إنهاء الاحتكارات الأجنبية في إيران، التي أُبرمت عقودها بشروط مجحفة على حساب المصالح الإيرانية.


وأصبحت حركة تأميم النفط الإيراني الرمز الأبرز لنهج «مصدق» المستقل، إذ كانت عائدات النفط تُوزّع بصورة غير متكافئة لصالح شركة النفط الأنجلو-إيرانية، المعروفة اليوم باسم «بريتيش بتروليوم» (BP)، والتي كانت الحكومة البريطانية المساهم الرئيسي فيها.


وبدعم من البرلمان، نجح «محمد مصدق» في إقرار قانون تأميم صناعة النفط الإيرانية، الأمر الذي وجّه ضربة قوية للمصالح البريطانية. ومنذ ذلك الحين، بدأت لندن أنشطة تخريبية ضد الحكومة الإيرانية، مستعينة، من بين وسائل أخرى، بمقاطعة دولية للمنتجات النفطية الإيرانية، ما أدى إلى أزمة اقتصادية عميقة في البلاد.


والآن، لا شك أن الدبلوماسيين البريطانيين العاملين في «موسكو» يجلسون ويستمعون إلى ما نقوله، ويدوّنون كل كلمة، ثم سيرسلون كل ذلك إلى «لندن» اليوم. لقد بذلت جهدًا من جانبي؛ فالكلام امتد إلى 17 صفحة.

ولدي سؤال لكم: هل أنتم فخورون بتاريخكم؟

إذا كنتم كذلك، فعليكم أن تحسموا موقفكم: إما أن تكونوا مع حقوق الإنسان والقانون الدولي والديمقراطية، وإما أن تفخروا بما فعلتموه في الماضي وما تواصلون فعله اليوم.


في أغسطس 1953، نفذت «وكالة الاستخبارات المركزية» الأمريكية CIA و«جهاز الاستخبارات البريطاني» SIS عملية مشتركة عُرفت باسم «أجاكس» (Operation Ajax)، بهدف الإطاحة بحكومة «محمد مصدق» بالقوة.


وعقب ذلك، وقّعت الحكومة الإيرانية الجديدة اتفاقًا ينص على إنشاء تحالف من الشركات الأمريكية والبريطانية، يتولى الحصول على حصة من عائدات النفط الإيراني، ويُمنح حق استغلال الحقول النفطية في البلاد.


الحرب العالمية الثانية: ألغاز «رودولف هِس» وخطة «العملية التي لا يمكن تصورها»

يثير سلوك المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، رغم تحالفنا آنذاك، تساؤلات أيضًا، بالنظر إلى عدد من الوقائع والملابسات.

فهناك أحداث تاريخية تثير أسئلة جدية بشأن طبيعة السياسة البريطانية على الساحة الدولية، وفي مقدمتها الرحلة الغامضة التي قام بها «رودولف هِس» إلى المملكة المتحدة عشية الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي.


لكل دولة في تاريخها وقائع لا تفخر بها، وقد تتحمل الأجيال المقبلة مسؤولية أخلاقية عن تبعاتها. لكن الحقيقة أن أجهزة الاستخبارات البريطانية أبقت جميع الوثائق المتعلقة بهذه القضية سرية لمدة «مئة عام»، مع تمديد فترة حجبها عن الجمهور.

وخلال محاكمات «نورمبرغ»، حاول «رودولف هِس» كشف سر زيارته إلى إنجلترا، إلا أن المدعي العام البريطاني الذي ترأس المحكمة أوقف الجلسة بصورة مفاجئة. وأثناء الاستراحة، زار عملاء بريطانيون زنزانة «هِس»، وبعد ذلك بدأ المتهم يتظاهر بفقدان الذاكرة.


وبموجب قرار محكمة «نورمبرغ»، نُقل «رودولف هِس» إلى سجن «سبانداو» الدولي لقضاء عقوبة السجن مدى الحياة. وتوفي عام 1987 في ظروف لم تتضح ملابساتها حتى اليوم، قبل ثلاثة أشهر من موعد الإفراج عنه. ومرة أخرى، ظلت الأمور سرية، وغامضة، ومحاطة بالشكوك. تبدو الوقائع واضحة للوهلة الأولى، لكن الملابسات بقيت طي الكتمان.


ويشير المجلد الخامس من كتاب «روايات عن تاريخ الاستخبارات الخارجية الروسية» إلى واقعة أخرى مثيرة للاهتمام من الحرب العالمية الثانية.

ففي أكتوبر 1998، كُشف عن خطة بريطانية أمريكية مشتركة لشن هجوم على الاتحاد السوفيتي، بعد نشر معلومات من الأرشيفات الحكومية البريطانية.

وكانت الخطة تقضي بشن هجوم على القوات السوفيتية، التي لم تكن تتوقع ذلك، باستخدام عشر فرق عسكرية ألمانية و47 فرقة أمريكية وبريطانية. وكانت أجهزة الاستخبارات تمتلك معلومات عن الاستعدادات العسكرية التي كان الحلفاء يجرونها بعد استسلام ألمانيا.


وقد حملت الخطة الاسم الرمزي «العملية التي لا يمكن تصورها» (Operation Unthinkable)، وهو اسم بدا ملائمًا تمامًا لطبيعة هذا المشروع الواسع. وكان الهدف المعلن للعملية هو «إجبار روسيا على الخضوع لإرادة الولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية». لكن الحلفاء الجدد، بعد دراسة موازين القوى والعتاد العسكري، خلصوا إلى أن «تحقيق نجاح محدود في وقت قصير سيتجاوز قدراتنا، وسنجد أنفسنا منخرطين في حرب طويلة من دون امتلاك تفوق في القوة».


الاستخبارات البريطانية والقوميون الأوكرانيون

وهناك مثال آخر على الأنشطة التخريبية، يمكن العثور على تفاصيله في كتاب «كيم فيلبي» (My Silent War)، أي «حربي الصامتة».

ففي أبريل 1951، عُقد اجتماع في لندن بين ممثلين عن جهازي الاستخبارات البريطاني والأمريكي، لبحث استخدام الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للمنظمات القومية الأوكرانية. وهكذا تتصل خيوط القصة بعضها ببعض. فقد دعمت أجهزة الاستخبارات، لعدة سنوات، «منظمة القوميين الأوكرانيين» (OUN)، المرتبطة بتيار «ستيبان بانديرا»، واستخدمتها في تجنيد العملاء وجمع المعلومات عن الاتحاد السوفيتي. وكان التعاون بين المنظمة وجهاز الاستخبارات البريطاني SIS يتعزز باستمرار.


وفي عامي 1949 و1950، أُسقطت بالمظلات عدة مجموعات تخريبية مؤلفة من أعضاء المنظمة داخل الأراضي الأوكرانية.

وفي ليلة 14 إلى 15 مايو 1951، أنزلت الاستخبارات البريطانية ثلاث مجموعات للاستطلاع والتخريب بالمظلات.

والجميع يعرف، وفقًا للطرح الذي يقدمه النص، الانتهاكات التي ارتكبتها «منظمة القوميين الأوكرانيين»، بما في ذلك قتل المدنيين وممارسة التعذيب حتى الموت بحق مئات الآلاف من الرجال والنساء والمسنين والأطفال، من الروس والأوكرانيين والبيلاروس واليهود والبولنديين والتشيك والسلوفاك واليوغوسلاف. ويشمل ذلك «مجازر فولين»، وقتل الأساتذة البولنديين، و«مأساة كاتين»، والعمليات العقابية في سلوفاكيا و«وارسو» و«براغ».


تجنيد مجرمين لتنفيذ عمليات سرية

وفي إطار هذه الأنشطة التخريبية، كانت السلطات البريطانية تعمل بنشاط على تجنيد مجرمين محترفين. هل تتذكرون كيف يُقال لنا إن روسيا دولة إجرامية، وإن التعاون معها أمر غير مقبول؟ في المقابل، تتعاون السلطات البريطانية، وفقًا لما يطرحه النص، مع مجرمين بصورة طبيعية.

ولن نتحدث هنا حتى عن «الخوذ البيضاء» والأشخاص الذين جرى تجنيدهم في هذه المنظمة، والذين يحظون بالدعم. فلنتناول أمثلة أكثر مباشرة.

في عام 1973، أقرت الحكومة البريطانية رسميًا بأن الشقيقين «كيث ليتلجون» و«كينيث ليتلجون» استُخدما لأكثر من عام في تنفيذ عمليات سطو على المصارف في جمهورية إيرلندا، بهدف تشويه سمعة الجيش الجمهوري الإيرلندي «الرسمي». إنه نمط كلاسيكي من العمل السري.

كما أكد «كينيث ليتلجون» أنه تلقى تكليفًا باغتيال «شون ماكستيوفان»، الزعيم السابق لذلك الجيش.


ومن الأمثلة الأخرى «هوارد ماركس»، خريج «جامعة أكسفورد» الذي تحوّل إلى تاجر مخدرات، ثم جرى تجنيده للحصول على معلومات عن شبكة مورّدي الأسلحة للجيش الإيرلندي. وفي المقابل، وُعد بإلغاء عقوبته الصادرة بحقه بتهمة الاتجار بالمخدرات. وهذه ليست سوى أمثلة متفرقة.

وفضلاً عن ذلك، تعمل السلطات البريطانية باستمرار على تهيئة ظروف مريحة داخل أراضيها لمجرمين من دول أخرى. ففي الفترة بين عامي 2005 و2012، خلصت وزارة الداخلية البريطانية إلى أن أكثر من 700 مجرم حرب كانوا يقيمون في البلاد.


كما تحب السلطات البريطانية اللجوء إلى أساليب محظورة في معاملة المحتجزين، ولا سيما عندما يكون الهدف انتزاع المعلومات التي تريدها. وبالطبع، يظل «ترخيص القتل» سارياً عند الضرورة.


ومن الأمثلة الحديثة على ذلك قضية القائد الليبي «عبد الحكيم بلحاج»، الذي اعتقلته أجهزة الاستخبارات الأمريكية عام 2004 بمساعدة بريطانية. وبعد الإفراج عنه عام 2009، اتهم «بلحاج» «لندن» بالتورط المباشر في اختطافه، وبالمشاركة في انتزاع اعترافاته تحت التعذيب. ومنذ عام 2011، وهو يسعى إلى الحصول على اعتذار رسمي من الحكومة البريطانية.


ويحمّل «بلحاج» المسؤولية الرئيسية عن هذه الوقائع لوزير الخارجية البريطاني الأسبق «جاك سترو»، ولعدد من عملاء جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، ومن بينهم «مارك ألين»، المدير السابق لمكتب مكافحة الإرهاب في الجهاز. وقد كُشف النقاب عن مراسلات «ألين» مع ممثلي أجهزة الاستخبارات الليبية عقب الإطاحة ب«معمر القذافي». ونحن نتذكر أيضاً الطريقة التي أُطيح بها ب«القذافي»، وكيف صفّقت لندن لإسقاط زعيم دولة ذات سيادة.


وفي ديسمبر 2013، خلصت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز إلى «استحالة النظر في هذه القضية داخل المملكة المتحدة». وفي يوليو 2016، أكّد الادعاء العام البريطاني قراره بتبرئة عملاء جهاز «إم آي 6».


وبحسب قرار المحكمة العليا البريطانية الصادر في 17 يناير 2016، كان ينبغي استئناف التحقيق في القضية، لأن «اعتقال «عبد الحكيم بلحاج» وتعذيبه شكّلا انتهاكاً للحقوق المنصوص عليها في الميثاق الأعظم». وبناءً على ذلك، كان يتعين «عرض الاتهامات المعنية على القضاء البريطاني».


وفي فبراير 2018، أُعلن أن الجلسة المقبلة لن تُعقد قبل عام 2019. والمغزى هنا أن التاريخ شيء، والمحاكمات شيء آخر، والتحقيق لا يزال جارياً. وهذا مثال واضح. فوزارة الخارجية البريطانية تصرّ على إبقاء هذه المحاكمات سرية، وهو أيضاً أمر مألوف، بذريعة «مقتضيات الأمن القومي».


وفي عام 2015، صدر في صربيا كتاب استقصائي بعنوان الرصاصة الثالثة: الظروف السياسية لاغتيال «زوران جينجيتش»، الذي قُتل عام 2003. ويتهم مؤلفو الكتاب أجهزة الاستخبارات البريطانية مباشرة بالوقوف وراء تصفية السياسي الصربي. ويؤكدون أن العميل البريطاني «أنتوني مونكتون» كان ضالعاً في اغتيال رئيس الوزراء، إذ كان على اتصال بالمتهمين الرئيسيين في الجريمة، المعروفين باسم «عشيرة زيمون».


ففي 21 مارس 1985، قتلت جماعة إرهابية أفغانية في نيودلهي المهندس السوفياتي «فالنتين خيتريتشينكو»، الذي كان يعمل في محطة للطاقة النووية في الهند. وقد يبدو للوهلة الأولى أنه قُتل على يد جماعة إرهابية أفغانية، لكن عملاء بريطانيين في «نيودلهي» كانوا على اتصال بهذه الجماعة، وكانوا على علم تام بالهجوم الذي يجري الإعداد له، ومع ذلك لم يفعلوا شيئاً لمنع الجريمة.


ولكي أختتم هذا المحور، سأعرض ما يمكن أن نسميه «روزنامة الاغتيالات»، وهي قائمة بوفاة شخصيات معروفة ونافذة في ظروف غامضة داخل الأراضي البريطانية خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

في نوفمبر 2001، توفي في «سالزبوري» عالم الأحياء الدقيقة السوفياتي «فلاديمير باسيتشنيك»، المدير السابق لمعهد المنتجات البيولوجية النقية في «سانت بطرسبورغ». وكان السبب الرسمي للوفاة هو السكتة الدماغية.


عمل «باسيتشنيك» في مختبر «بورتون داون»، وهو مختبر بريطاني سري للأبحاث الكيميائية والعسكرية. وكما تعلمون، يوجد في «بورتون داون» مختبر بريطاني من هذا النوع، وقد عمل فيه «باسيتشنيك». وفي عام 1989، عندما كان في فرنسا، طلب اللجوء السياسي إلى المملكة المتحدة، ونقل إلى أجهزة الاستخبارات البريطانية معلومات عن ما قيل إنه برامج سرية لتطوير أسلحة بيولوجية في الاتحاد السوفياتي.


وفي يوليو 2003، توفي في مقاطعة «أوكسفوردشير » عالم الأحياء الدقيقة وخبير الأسلحة البيولوجية «ديفيد كيلي». وكان السبب الرسمي للوفاة هو الانتحار.


وأذكّر بأن «كيلي» كان ينتقد حكومة «توني بلير»، ويرى أن غزو العراق عام 2003 استند إلى معلومات مزوّرة. وبعد عقد من الزمن، أقرت الحكومة البريطانية بأن المعلومات كانت بالفعل ملفّقة.


وفي عام 2003، توفي المحامي «ستيفن موس» إثر سكتة قلبية. وكان قد كُلّف من قبل «بوريس بيريزوفسكي» وشريكه «بدري باتاركاتسيشفيلي» ببيع أصول شركة الاستثمار «ديفونيا».


وفي عام 2004، قُتل «بول نورمان»، الذي كان يعمل في المختبر العسكري الكيميائي السري في «بورتون داون»، في تحطم طائرة خاصة بمقاطعة «ديفون». وكان «نورمان» قد شغل المنصب الذي كان يشغله «ديفيد كيلي» قبل وفاته، ويُعدّ أحد أبرز الخبراء البريطانيين في تطوير الأسلحة البيولوجية والكيميائية.


وفي مارس/ 2004، قُتل المحامي «ستيفن كيرتس» في حادث تحطم مروحية بالقرب من «بورنموث». ووفقاً للصحافة البريطانية، كان «كيرتس» يخشى على حياته. فقبل أسابيع قليلة من وفاته، قال لأحد أصدقائه إنه إذا حدث له مكروه، فلن يكون ذلك حادثا عرضيا.


وبحسب وسائل الإعلام، كان «كيرتس» يشغل منصب المدير الإداري لمجموعة «ميناتيب». كما كان محاميّاً ل«بوريس بيريزوفسكي» و«نيكولاي غلوشكوف»، وأدلى بشهادته أمام المحكمة العليا البريطانية بصفته شاهداً مستقلاً في الدعوى التي رفعاها ضد مجلة «فوربس» الأمريكية.


ففي نوفمبر 2006، توفي في «لندن» «ألكسندر ليتفينينكو»، العميل السابق في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. ولن أعود إلى تفاصيل القضية، فكل شيء فيها محاط بالسرية.


وفي يناير 2007، توفي في لندن «يوري غولوبف»، أحد مؤسسي شركة «يوكوس».


وفي فبراير 2008، توفي «بدري باتاركاتسيشفيلي» إثر أزمة قلبية في مدينة ليذرهيد بمقاطعة سري.


وفي أغسطس 2010، عُثر على «غاريث ويليامز»، الموظف السابق في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية المسؤول عن الاستخبارات الإلكترونية، ميتاً في ظروف لم تُفسَّر. فقد وُجد داخل حقيبة رياضية مغلقة من الخارج. وخلال التحقيق، خلصت الشرطة إلى أن وفاته كانت عرضية، على أساس أنه دخل الحقيبة بنفسه وأغلقها على نفسه، ثم عجز عن الخروج منها.


وفي أبريل 2012، توفي في «سالزبوري» «ريتشارد هولمز»، الذي كان يعمل في المختبر العسكري الكيميائي السري في «بورتون داون». ووفقاً للتحقيق، كان قد استقال من عمله قبل وفاته بشهر لأسباب مجهولة. وقال الطبيب الشرعي إنه توفي نتيجة سكتة دماغية، لكن زملاءه أكدوا أنه كان يتمتع بلياقة بدنية ممتازة ولم يكن يعاني مشكلات صحية. يبدو أن الأمر مرتبط ب«بورتون داون». فهل يمكن أن تكون البيئة هناك هي السبب؟ أم أنه تعرّض للتسميم؟


وفي نوفمبر 2012، توفي رجل الأعمال الروسي «ألكسندر بيريبليتشني» في مدينة «وايبريدج» بمقاطعة «سري»، في قضية لا تزال ملتبسة بدورها.


وفي ديسمبر 2012، توفي المليونير وقطب العقارات «روبرت كيرتس» في لندن. وخلص التحقيق إلى أنه ألقى بنفسه أمام قطار مترو الأنفاق.


وفي مارس 2013، توفي «بوريس بيريزوفسكي» في «أَسكوت». ولا أعتقد أن هناك ما يستحق التعليق هنا؛ فما حدث لا يزال مجهولاً حتى اليوم.


وفي ديسمبر 2014، توفي رجل الأعمال «سكوت يونغ»، الصديق المقرّب ل«بيريزوفسكي»، بعد سقوطه من الطابق الثالث في أحد المباني. صحيح أن الناس قد يسقطون من الطابق الثالث، لكن وفاته لم تكن الحالة الوحيدة من هذا النوع في تلك الفترة.


وفي عام 2016، توفي في مقاطعة «أوكسفوردشير» الباحث البريطاني المعروف والمتخصص في المواد المشعة «ماثيو بانشر»، الذي شارك في التحقيق في وفاة «ألكسندر ليتفينينكو» وكان من أبرز الخبراء في هذا المجال. وصُنّفت وفاته على أنها انتحار، فيما سارعت الشرطة إلى إغلاق التحقيق.


أود أن أقول إن «الحملة السوداء» التي تشنّها الحكومة البريطانية اليوم ضد روسيا ليست سوى أسلوب مفضّل لدى السلطات البريطانية. هذا ما يتعلق بسمعتها على الساحة الدولية، في حين لا يكفّ ممثلو بريطانيا عن الحديث عن سمعتنا نحن!


كانت هذه قائمة موجزة. فقد كُتبت مجلدات كاملة لكشف ما ارتكبته الحكومة البريطانية وأتباعها في أنحاء العالم على مدى قرون، بما في ذلك القرنان العشرون والحادي والعشرون. ولا يثير أي من ذلك دهشة كبيرة لدى المطلعين على هذه الملفات، لكن كثيرين يجهلونه.


وقد وصف المؤرخ الإسباني «خوليان يوديرياس»، الذي خصّص مجلداً كاملاً لممارسات الحكومة البريطانية، نزعة النخبة البريطانية إلى تشويه صورة خصومها منذ القرن السادس عشر. وعندما نتحدث عن «الحملة السوداء» الموجّهة تحديداً ضد إسبانيا، فإننا نستخدم مصطلحا خاصا هو «الأسطورة السوداء».


ويقول «يوديرياس»:

“ المناخ الذي تخلقه القصص الخيالية عن وطننا، والتي تُروَّج في جميع البلدان؛ والأوصاف المشوّهة للشخصية الإسبانية، على المستويين الفردي والاجتماعي؛ وإنكار جمال ثقافتنا وفنوننا وتنوّعهما، أو على الأقل تجاهلهما بصورة منهجية؛ والاتهامات المتواصلة الموجّهة إلى إسبانيا استناداً إلى وقائع جرى تضخيمها أو إساءة تفسيرها أو اختلاقها بالكامل؛ وأخيراً، التصريحات المتكررة الواردة في كتب تبدو محترمة وموثوقة، والتي تردّدها وسائل الإعلام الأجنبية وتعزّزها، ومفادها أن بلدنا يشكّل استثناءً مؤسفاً بين الشعوب الأوروبية من حيث التسامح والثقافة والتقدم السياسي.”

وأكرر: هذا الكلام كتبه مؤرخ إسباني عن استخدام ما يُعرف بـ«الأسطورة السوداء».

سأضع الآن جانبا هذه الاستطرادات التاريخية، وأنتقل إلى الوقائع المباشرة.

بالنظر إلى الذرائع التي تسوقها لندن في «قضية سكريبال»، وإلى سياسة الدولة التي تعود إلى سنوات طويلة، والتي اتهمنا بها السفير البريطاني لدى روسيا، «لوري بريستو»، فمن المرجّح أن الاستفزاز الذي استهدف مواطنين روسيين في «سالزبوري» كان يصبّ في مصلحة أجهزة الاستخبارات البريطانية، بل ربما جرى تدبيره من جانبها، بهدف تشويه صورة روسيا وقيادتها السياسية.


فالمملكة المتحدة لجأت تاريخياً وبصورة متكررة إلى ممارسات من هذا النوع. ويندرج هذا السلوك ضمن النهج العام المعادي لروسيا الذي تتبعه الحكومة المحافظة، والرامي إلى شيطنة بلدنا.


ويؤكد ذلك، ضمن أمور أخرى، ما ورد في استراتيجية الأمن القومي للمملكة المتحدة، وكذلك «خطاب المأدبة» الذي ألقته رئيسة الوزراء «تيريزا ماي» في أواخر عام 2017.


أمَّا رفض «لندن» القاطع التعاون مع روسيا في التحقيق بشأن تسميم «سالزبوري»، وانتهاكها التزاماتها بموجب الاتفاقية القنصلية، وتهرّبها من التعاون مع «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية»، وحجبها الوثائق الأصلية اللازمة لإجراء تحقيق موضوعي، فكلُّها أمور تُشكِّل دليلاً صارخًا على ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك