روسيا وأوروبا: هل يتحول الردع العسكري إلى ثقافة سياسية قائمة على الاستعداد للمواجهة؟ - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

روسيا وأوروبا: هل يتحول الردع العسكري إلى ثقافة سياسية قائمة على الاستعداد للمواجهة؟

روسيا وأوروبا: هل يتحول الردع العسكري إلى ثقافة سياسية قائمة على الاستعداد للمواجهة؟

خلال الحرب الباردة، كان من الشائع المبالغة في تقدير التهديد الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي. واليوم، عادت روسيا لتؤدي هذا الدور. ورغم تغير السياق، فإن بعض الأساليب السياسية المستخدمة لتغذية الشعور بانعدام الأمن لا تزال متشابهة على نحو لافت.

 الإيطالية نيوز، السبت 3 أكتوبر 2026 — لا تستعد أوروبا رسميًا للحرب لأنها ترغب فيها. بل على العكس، تقدم الحكومات الأوروبية ومؤسسات «الاتحاد الأوروبي» تسريع سياساتها الدفاعية ورفع مستوى جاهزيتها العسكرية باعتبارهما إجراءين للردع؛ إذ ينبغي أن تكون أوروبا قوية بما يكفي لتجنب اندلاع صراع أوسع نطاقًا.


والأمر نفسه ينطبق على «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، الذي يقدم نفسه بوصفه تحالفًا دفاعيًا يتمثل دوره في ردع أي عدوان. ومع ذلك، فإن حجم التحول العسكري الجاري في أوروبا والمصطلحات المستخدمة لوصفه يستحقان الدراسة. فإذا أصبحت الاستعدادات العسكرية أولوية سياسية، وجرى توجيه أموال عامة ضخمة إلى صناعة التسلح، وأصبح دعم أوكرانيا مرتبطًا بصورة متزايدة بالدفاع عن الأمن الأوروبي، يبرز سؤال أساسي: أين ينتهي الردع وأين يبدأ الإعداد السياسي للحرب؟ وتزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة إلى «الاتحاد الأوروبي»، الذي يستند تاريخه إلى المصالحة، والترابط الاقتصادي، ورفض الحرب.


من مشروع للسلام إلى مشروع للدفاع

يشهد «الاتحاد الأوروبي» تحولًا عميقًا في تصوره للأمن. وهذا التغيير ليس وهمًا. ففي إطار برنامج «إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030»، تعتزم «المفوضية الأوروبية» تخصيص ما يصل إلى 800 مليار يورو للإنفاق الدفاعي، كما أنشأ «الاتحاد الأوروبي» آلية القروض المسماة «أداة العمل الأمني من أجل أوروبا» (SAFE) بقيمة 150 مليار يورو لدعم الاستثمارات العسكرية وعمليات الشراء المشتركة.


وقد أوضحت المؤسسات الأوروبية المختلفة أن الهدف يتمثل في سد فجوات القدرات العسكرية، وتعزيز صناعة الدفاع الأوروبية، وزيادة قدرة الردع.


واللغة التي ترافق هذا التحول لا تقل دلالة عن الإجراءات نفسها. فقد حذر مفوض الدفاع الأوروبي، «أندريوس كوبيليوس»، أمام «البرلمان الأوروبي»، من أن روسيا قد تكون مستعدة لمواجهة «الناتو» «خلال خمس سنوات أو أقل». كما أشار إلى تشبيه بـ«برنامج النصر» الذي طرحه «جان مونيه» خلال الحرب، معتبرًا أن على أوروبا أن تجري تحولًا مماثلًا في صناعتها الدفاعية.


ويتمثل الموقف الرسمي للمفوضية في أن الأمر يتعلق بالردع وليس بإشعال حرب. لكن النظام العسكري المصمم لردع الحرب يحتاج إلى أسلحة، ودعم لوجستي، وقدرات صناعية، وقوات، وخطط عملياتية. وكلما تطورت هذه القدرات، ازدادت كذلك القدرة المؤسسية على خوض الحرب.


ويبرز هنا تناقض لافت: فأوروبا تقول إنها تعزز تسليحها وتستعد مستشفياتها لاستقبال 2000 جريح يوميًا، كما هو الحال في ألمانيا، من أجل الحفاظ على السلام، بينما تعمل في الوقت نفسه على بناء هيكل دفاع أوروبي أكثر تكاملًا واتساعًا في قدراته العسكرية.


ولا يقتصر الأمر على زيادة ترسانات «الاتحاد الأوروبي»؛ إذ ينظر الاتحاد أيضًا في إنشاء اتحاد أوروبي للدفاع، ومجلس أوروبي للأمن، وتنفيذ عمليات شراء مشتركة، وتعزيز التنقل العسكري، وتعميق الروابط بين المؤسسات الأوروبية و«حلف شمال الأطلسي».


وقد يكون ذلك تكيفًا ضروريًا مع المعطيات الأمنية الجديدة، لكن هذا الواقع يطرح أيضًا سؤالًا أوسع يتعلق بهوية أوروبا: هل يظل «الاتحاد الأوروبي»، قبل كل شيء، مشروعًا للسلام يمتلك قدرات عسكرية، أم يتحول إلى فاعل جيوسياسي وعسكري تزداد فيه أهمية الاستعداد للمواجهة؟


روسيا: تهديد أم خصم أم عدو دائم؟

هنا تتداخل التهديدات المتصورة، والضغائن القديمة، والمواقف المعادية لروسيا. وتختلف تصورات الخطر في أنحاء أوروبا. فبسبب أسباب تاريخية، من بينها الاحتلال الأجنبي والهيمنة السوفييتية، نظرت بولندا إلى روسيا لفترة طويلة بطريقة مختلفة عن فرنسا أو ألمانيا، اللتين كانتا، بعد الحرب الباردة، تفضلان الانخراط الاقتصادي والترابط مع «موسكو». لكن هذا التمييز تلاشى بصورة جذرية.


فألمانيا، على وجه الخصوص، انتقلت من نهج «أوست بوليتيك» إلى موقف أمني قائم على المواجهة. وفي عهد المستشار «فريدريش ميرتس»، تصف «برلين» روسيا بأنها تهديد خطير، وتلتزم بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وتؤدي دورًا محوريًا في الدعم العسكري لأوكرانيا.


كما عززت ألمانيا تعاونها مع فرنسا، بما في ذلك في مجال الردع النووي والقدرات الأوروبية. وأقامت وجودًا عسكريًا دائمًا في دول البلطيق، من خلال لواء يضم نحو 5000 جندي متمركز في ليتوانيا.


وقد اعتمدت إعادة التسلح البولندية بشكل أساسي على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وهو ما يسلط الضوء على نقطة ضعف أخرى: فعلى الرغم من أن «الاتحاد الأوروبي» يهدف إلى بناء صناعة دفاع أوروبية، فإن الشركات المصنعة في القارة لم تكن دائمًا قادرة على توفير الأسلحة بالسرعة والحجم اللذين تطلبهما الدول التي بدأت إعادة التسلح منذ عام 2022.


والأكثر خطورة أن من يشككون في التصعيد العسكري يُنظر إليهم باعتبارهم ضعفاء أو ساذجين أو غير متضامنين بما يكفي مع أوروبا. فماذا يبقى، في هذه الحالة، من النقاش الديمقراطي؟


خطر تحويل الاستعداد للحرب إلى ثقافة سياسية

ولهذا تحديدًا، ينبغي أن يخضع التحول الجاري في أوروبا لتدقيق ديمقراطي. ويصبح الردع محفوفًا بالمخاطر سياسيًا عندما تتحول الاستعدادات العسكرية إلى مبدأ مركزي للأمن، وعندما يصبح الإنفاق العسكري منافسًا لأولويات عامة أخرى، وعندما تتراجع الدبلوماسية أو المفاوضات إلى مرتبة ثانوية أمام تنامي القدرات العسكرية.


لذلك، فإن السؤال الأوروبي الحقيقي لا يتمثل في معرفة ما إذا كانت أوروبا «قوية بما يكفي» لمواجهة روسيا، وإنما في تحديد نوع البنية الأمنية التي يرغب الأوروبيون في إقامتها.


ويتمثل الخطر اليوم في أنه، بعد سنوات من المواجهة وإعادة التسلح والسياسات القائمة على التهديد، قد ينتهي الأمر بأوروبا إلى إقامة إطار سياسي ومؤسسي تبدو فيه الحرب أكثر احتمالًا بصورة متزايدة، بينما يصبح السلام أقل قابلية للتصور.


ويرى «لاري جونسون»، المحلل السابق في «وكالة الاستخبارات المركزية» الأمريكية (CIA)، أن اندلاع صراع أوسع بين أوروبا وروسيا يصبح «حتميًا»، إذ يرى، بحسب تحليله، أن الخطاب الأوروبي يترافق بصورة متزايدة مع إجراءات قد تعتبرها روسيا تهديدات مباشرة.


ويؤكد «جونسون» أهمية الدور الذي تؤديه ألمانيا على وجه الخصوص، معتبرًا أن لهجة «برلين» الأكثر هجومية، واستعداداتها العسكرية، ومطالبها الموجهة إلى «موسكو»، تسهم في تصعيد خطير.


كما يعتبر «جونسون» أن احتجاز السفن الروسية يمثل نقطة محورية في مسار التصعيد. ووفقًا لرؤيته، قد تعتبر «موسكو» أي محاولة أوروبية للاستيلاء على سفنها عملًا حربيًا، وقد ترد باستهداف السفن أو الأصول العسكرية المعنية.


ويشير كذلك إلى انهيار العلاقات الدبلوماسية، وإعادة تسليح القوات الأوروبية، والاستعدادات لمواجهة مستقبلية، والضغوط المتزايدة حول «كالينينغراد»، باعتبارها عوامل تقلص فرص خفض التصعيد.


ومن وجهة نظره، لا يكمن الخطر الحقيقي في أن روسيا تسعى إلى الحرب، وإنما في أن تؤدي الإجراءات الأوروبية تدريجيًا إلى جعل المواجهة المباشرة أمرًا حتميًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك