بادوفا بشأن ما أُعلن عن تأسيس «هيئة التحكيم الإسلامية» المزعومة، في مبادرة وُصفت بأنها مثيرة للجدل، فتح النقاش حول العلاقة بين حرية المعتقد الديني، واحترام مؤسسات الدولة، ومتطلبات الاندماج في المجتمع الإيطالي. وهي قضية تستدعي نقاشًا مسؤولًا ومتوازنًا، بعيدًا عن التعميمات والأحكام المسبقة، مع التمسك بمبدأ لا يحتمل التأويل: في إيطاليا دستور واحد، وقانون واحد يسري على الجميع، بصرف النظر عن الجنسية أو الأصل الثقافي أو المعتقد الديني.
من هذا المنطلق، يؤكد «حزب الاتحاد من أجل إيطاليا» (UN-IT)، وهو حزب سياسي دولي متعدد الثقافات، أن حرية الدين والعبادة من الحقوق الأساسية التي يجب صونها، لكنها لا يمكن أن تشكل مبررًا لإنشاء أنظمة قضائية موازية أو هيئات تدّعي ممارسة صلاحيات تحل محل القضاء الإيطالي.
إن احترام التنوع الديني والثقافي لا يتعارض مع سيادة القانون، بل يشكل أحد أسس المجتمع الديمقراطي الذي نطمح إلى بنائه. فالتعايش الحقيقي لا يقوم على فرض الهويات أو إلغاء الخصوصيات، وإنما على احترام القواعد الدستورية المشتركة، وضمان الحقوق، والوفاء بالواجبات.
وكما أؤكد دائمًا، لا أحد فوق القانون، ولا يجوز لأي انتماء ديني أو ثقافي أن يكون ذريعة لتجاوز مؤسسات الدولة أو المساس بالحقوق الأساسية للأفراد.
قضية «بادوفا»: لا يجوز تحميل الجاليات بأكملها مسؤولية مبادرات فردية
في خضم الجدل الدائر في «بادوفا»، تبرز أهمية التمييز بين المبادرات الفردية ومواقف الجاليات الدينية والثقافية بمختلف مكوناتها. فقد عبّر الدكتور «سليم الموعود»، الطبيب وممثل حزبنا في إقليم «بادوفا» و«فينيتو»، وممثل الجالية الفلسطينية، عن موقف يرفض اعتبار المبادرة المثارة تعبيرًا عن إرادة الجالية المسلمة بأكملها.
ونحن نثمّن هذا الموقف، كما نثمّن كل صوت داخل الجاليات المسلمة يؤكد احترام المؤسسات الإيطالية والالتزام بالقوانين المعمول بها.
لا يجوز اختزال مجتمع ديني بأكمله في تصرف فرد أو مبادرة محددة، مثلما لا يجوز تحويل قضية محلية إلى ذريعة لتغذية الشكوك والتمييز ضد المسلمين أو غيرهم من المواطنين والمقيمين من أصول أجنبية.
إن المسؤولية السياسية والإعلامية تقتضي التعامل مع هذه الملفات بالدقة والموضوعية، وتجنب التعميمات التي تسيء إلى التعايش المدني وتغذي الأحكام المسبقة. فالمحاسبة، حيثما تقتضيها القوانين، شأن قانوني ومؤسسي، أما تحميل جماعة بأكملها مسؤولية تصرفات بعض أفرادها، فليس من العدالة في شيء.
الدستور الإيطالي يحمي حرية الدين ويحدد إطار ممارستها
إن موقفنا يستند إلى مبادئ دستورية واضحة، وفي مقدمتها المواد 3 و8 و19 من الدستور الإيطالي، التي تكرّس المساواة أمام القانون، وحرية الطوائف الدينية، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، ضمن الإطار الدستوري والقانوني للدولة.
ويتيح النظام القانوني الإيطالي، وفق شروط محددة، الاستعانة بآليات الوساطة والتحكيم في بعض أنواع النزاعات. غير أن هذه الآليات لا تمنح الهيئات الدينية سلطة قضائية مستقلة عن الدولة، ولا تتيح لها تجاوز التشريعات الإيطالية أو الانتقاص من الحقوق التي يكفلها الدستور.
ومن الضروري هنا التمييز بين حرية ممارسة الشعائر الدينية، التي يجب احترامها وحمايتها، وبين الادعاء بامتلاك صلاحيات قضائية موازية لمؤسسات الدولة. فلكل منهما إطار مختلف، ولا يجوز الخلط بينهما.
كما يجب أن تظل كرامة الإنسان، والمساواة بين المرأة والرجل، والحرية الفردية، وحماية الحقوق الأساسية مبادئ غير قابلة للمساومة. فلا يمكن لأي تقليد ثقافي أو تفسير ديني أن يتقدم على الحقوق التي يكفلها الدستور.
نحن نؤمن بالحوار، ونرى فيه ضرورة لا غنى عنها لمعالجة الخلافات وبناء الثقة بين مكونات المجتمع. لكن الحوار لا يعني تعليق القوانين، واحترام التنوع لا يعني تعدد الأنظمة القانونية. القواعد الدستورية للدولة تسري على الجميع، وهي الضمانة الأساسية للمساواة والعدالة.
الهجرة الجيدة: شرعية واندماج وفرص متكافئة
لا يمكن مناقشة الاندماج بمعزل عن قضية الهجرة. ومن هذا المنطلق، يدافع «حزب الاتحاد من أجل إيطاليا» عن نموذج للهجرة النظامية والمنظمة والمبرمجة، يستند إلى احترام القانون، وتعلّم اللغة الإيطالية، وتثمين الكفاءات المهنية، وتعزيز المشاركة في الحياة المدنية والاجتماعية.
إن الهجرة الجيدة ليست مجرد ملف إداري يتعلق بالدخول والإقامة والعمل، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يربط بين الحقوق والواجبات، ويمنح الأفراد فرصًا حقيقية للمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا، ندعو إلى تعزيز الاعتراف بالمؤهلات والشهادات المهنية المكتسبة في الخارج، وتيسير الاندماج في سوق العمل، وضمان تكافؤ الفرص، ومكافحة جميع أشكال التمييز، وحماية حقوق المرأة وصون كرامتها وحريتها.
ونؤكد أن الاندماج مسؤولية متبادلة؛ فهو يتطلب من المؤسسات توفير مسارات واضحة وعادلة، ومن المواطنين والمقيمين احترام القوانين والمبادئ الدستورية، ومن مختلف الجاليات المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
الاندماج لا يعني التخلي عن الجذور الثقافية أو الدينية، بل يعني احترام المبادئ الدستورية للبلد الذي نعيش فيه. ويمكن للإنسان أن يعتز بهويته وأصوله ومعتقداته، وأن يكون في الوقت نفسه مواطنًا فاعلًا يحترم القانون ويسهم في تقدم المجتمع.
نريد إيطاليا يشارك في بنائها الإيطاليون والمواطنون من أصول أجنبية، في إطار من المساواة والمسؤولية المشتركة، بعيدًا عن الانقسامات أو أي محاولة لإنشاء أنظمة موازية لمؤسسات الدولة.
الحوار بين الأديان ومكافحة التمييز ضرورة وطنية
يواصل حزب الاتحاد من أجل إيطاليا العمل من أجل تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، ومناهضة مختلف أشكال التمييز الديني، بما في ذلك معاداة الإسلام ومعاداة السامية والإساءة إلى أتباع الديانات الأخرى، في إيطاليا وسائر أنحاء العالم.
إن الدفاع عن حرية الدين لا يكتمل إلا برفض التحريض والكراهية والتمييز، أيًّا كان مصدرها أو ضحاياها. فالمجتمع الديمقراطي لا يحمي حرية جماعة على حساب كرامة جماعة أخرى، وإنما يضمن للجميع الحقوق نفسها في إطار القانون.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تبقى المبادرات الفردية في حدود أصحابها، وألا يدّعي أي شخص أو جهة تمثيل العالم الإسلامي أو العربي بأكمله من دون أساس تمثيلي واضح. فالتعميم لا يعالج المشكلات، بل يفاقمها، ويغذي الأحكام المسبقة والصراعات التي تهدد التعايش المدني.
ومن هنا، نؤكد أهمية التوصل إلى اتفاق بين الدولة الإيطالية وممثلي المجتمع الإسلامي، وفق الآليات التي ينص عليها الدستور الإيطالي. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز الاعتراف المؤسسي، وتساعد على تحديد جهات تمثيلية واضحة للحوار مع الدولة، وتوفر إطارًا أكثر تنظيمًا للعلاقات بين المؤسسات وممثلي المجتمع المسلم.
إن وجود قنوات مؤسسية واضحة للحوار من شأنه أن يحد من الالتباس الذي قد تثيره المبادرات الفردية، وأن يقلل فرص استغلال مثل هذه القضايا لتغذية الصور النمطية أو التحريض ضد المسلمين والدين الإسلامي.
ونحن نرى أن بناء علاقة مؤسسية شفافة بين الدولة وممثلي المجتمع المسلم يمثل خطوة مهمة لتعزيز الثقة المتبادلة، وتوضيح الحقوق والواجبات، وترسيخ احترام القوانين والمبادئ الدستورية.
«الاتحاد من أجل إيطاليا»: مشروع سياسي يقوم على التعددية والمسؤولية
تأسس حزب «الاتحاد من أجل إيطاليا» (UN.IT) بوصفه مشروعًا سياسيًا دوليًا متعدد الثقافات، بمبادرة من البروفيسور «فؤاد عودة»، وبمشاركة «كمال الدين بلعيطوش»، و«نادر عودة»، و«باولو دي كورتيس»، و«داودي تيلواني»، و«أوريليو كوبيتو»، و«باتريزيا ساردارا»، و«دوناتيلا أريتسيني»، و«كلاوديو روسي»، و«جاني لاتانزيو»، و«دانييلا ألينا سيريس».
ويضع الحزب في صميم مشروعه الديمقراطية وسيادة القانون والشفافية وكرامة الإنسان والجدارة وحقوق الإنسان والحوار بين الثقافات ومكافحة التمييز. كما يركز على أربعة محاور أساسية هي الابتكار والشباب والاندماج والتعاون الدولي.
ووفقًا للبيانات التي نشرها الحزب، شارك أكثر من 1500 شخصية وخبير من الإيطاليين والمواطنين من أصول أجنبية وعربية في مسار التشاور الذي انطلق في يناير 2026، فيما تستمر المرحلة التأسيسية المفتوحة حتى 30 نوفمبر 2026.
إن مشروعنا السياسي ينطلق من قناعة راسخة بأن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة للمجتمع، متى اقترن بالمساواة واحترام القانون والمسؤولية المشتركة. فهدفنا ليس تعميق الانقسامات، بل بناء جسور بين الثقافات والأديان والأجيال، وتثمين مساهمة كل من يحترم القواعد ويسهم في نمو إيطاليا وتقدمها.
وفي هذا الإطار، نتوجه بالشكر إلى الدكتور «سليم الموعود» على التزامه وعمله في الإقليم، ونؤكد أن خطنا السياسي سيظل قائمًا على الشرعية والحوار والمسؤولية.
نحن حزب وُلد ليجمع لا ليفرّق، وليدافع عن مجتمع تتكامل فيه الهويات ولا تتصادم، وتُحترم فيه الحريات من دون المساس بالقانون.
رسالتنا واضحة: دستور واحد، وقانون واحد، وحقوق متساوية وواجبات متساوية للجميع.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.