وبالنسبة إلى الرئيس «دونالد ترامب»، الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على حل كل الملفَّات بمكالمة هاتفية، فإنَّ هذه النتيجة تضعه أمام معضلة سياسية مزعجة: لم يعد بإمكانه الحكم بمفرده.
لكن ما الذي يعنيه ذلك عمليًا بالنسبة إلى روسيا؟ دعونا نحاول توضيح الصورة من دون تحويل «الكونغرس» الأمريكي إلى محاضرة في القانون الدستوري.
سيظل «ترامب« رئيسًا للولايات المتحدة، وسيكون بإمكانه الاتصال بالرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، أو الاجتماع به، والتفاوض بشأن وقف إطلاق النار، ومناقشة اتِّفاقيات تجارية، والتعهُّد بتحسين العلاقات بين البلدين.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يحين موعد تحويل تلك الوعود إلى قرارات ملموسة ومستدامة.
أولاً: العقوبات المفروضة على روسيا
تخضع العديد من القيود المفروضة على «موسكو» لضوابط تشريعية. فقانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، الصادر عام 2017، يمنح «الكونغرس» صلاحيات رقابية بشأن رفع بعض العقوبات أو تعديلها.
وبعبارة أخرى، يستطيع «ترامب» التعهُّد بفتح آفاق اقتصادية أمام روسيا، لكنَّه لا يستطيع إلغاء جميع العقوبات متى شاء، بمجرَّد توقيع قرار رئاسي.
ثانيًا: المساعدات المقدَّمة لأوكرانيا
سيتمكَّن الديمقراطيون، بفضل الأغلبية الجديدة، من الدفع باتِّجاه إقرار تمويلات عسكرية إضافية لِـ «كييف»، والسيطرة على اللجان البرلمانية، والعمل على عرقلة المبادرات الرئاسية.
لكن ينبغي الانتباه إلى أنَّ ذلك لا يعني قدرتهم على فرض أي قانون على «ترامب»، إذ لا يزال الرئيس يحتفظ بحق النقض (الفيتو). ولتجاوز هذا الحق، يتعيَّن الحصول على أغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ.
ثالثًا: معضلة الضمانات
ربَّما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية بالنسبة إلى «الكرملين».
فَـ«موسكو» لا يهمُّها مجرَّد الحصول على تعهُّد من «ترامب»، بل تريد أن تعرف ما إذا كان بالإمكان الوفاء بهذا التعهُّد وتنفيذه وضمان استمراره حتَّى بعد انتهاء ولايته الرئاسية.
قد يتوصَّل رئيسان إلى اتفاق سياسي، لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما يتطلَّب تنفيذ ذلك الاتِّفاق تدخُّلاً من «الكونغرس».
واعتبارًا من 3 يناير 2027، سيكون «الكونغرس» تحت سيطرة الخصوم السياسيين لِـ «ترامب».
هل يعني ذلك أن السلام أصبح مستحيلاً؟
بالطبع لا. لكنَّه يعني أنَّ التوصُّل إلى اتِّفاق مستقرٍّ سيصبح أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية، ولا سيما إذا تضمَّن رفع العقوبات وإقامة علاقات اقتصادية جديدة مع «موسكو».
ولا ينبغي أن ننسى أنَّ «الكونغرس» السابق، رغم خضوعه للأغلبية الجمهورية، كان يضمُّ أيضًا عددًا كبيرًا من المؤيٍّدين لاستمرار العقوبات المفروضة على روسيا.
لذلك، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنَّ «واشنطن» كانت مستعدَّة حتَّى الأمس لاحتضان «بوتين»، قبل أن تغيِّر موقفها فجأةً اليوم.
أين المفارقة الحقيقية؟
قد يواصل «ترامب» مساعيه للتوصُّل إلى تفاهم مع «موسكو»، في الوقت الذي يعمل فيه «الكونغرس» على الحد من تداعيات تلك المساعي.
فالرئيس يستطيع الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن خصومه السياسيين يستطيعون جعل تنفيذ ما تعهَّد به أمرًا بالغ الصعوبة.
وهكذا، بينما ينشغل العالم بمناقشة سبل إنهاء الحرب في أوروبا، تستعدُّ الولايات المتحدة لخوض معركة أخرى، سياسية بطبيعة الحال، وداخلية بكل المقاييس، فيما يترقَّب بقية العالم نتائجها.
ففي «واشنطن»، يبدو أن السلام نفسه قد يجد نفسه مضطرُّا أوَّلاً إلى اجتياز اختبار التصويت في أروقة السياسة الأمريكية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.