الإيطالية نيوز، الأحد 1 نوفمبر 2026 — خرج آلاف الشباب الألمان إلى الشوارع، السبت 31 أكتوبر، في 32 مدينة، من «برلين» إلى «هامبورغ»، ومن «ميونيخ» إلى «كولونيا»، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة، وتقليص الإنفاق على التعليم، وعودة التجنيد العسكري الإلزامي، والمليارات التي تُنفق على إعادة التسلُّح.وجاءت المشاركة أقل من التوقعات؛ فعلى الرغم من إعلان نحو 180 ألف شخص تأييدهم للتحرُّك عبر الإنترنت، لم يتجاوز عدد المتظاهرين، وفقًا لتقديرات الشرطة، بضعة آلاف في كل مدينة.
وفي «برلين»، أحصت الشرطة نحو 5 آلاف متظاهر أمام بوابة «براندنبورغ»، أي نصف العدد الذي أعلنه المنظمون. وبلغ عدد المشاركين في ميونيخ 1800 شخص، وفي «إرفورت» نحو 1500، وفي «فرانكفورت» قرابة ألف، بينما تجاوز عدد المشاركين في المسيرة بمدينة «هامبورغ» 4 آلاف متظاهر.
وسادت أجواء سلمية في معظم ساحات الاحتجاج، غير أن التوتُّر تصاعد في وقت متأخِّر من بعد الظهر. ففي «هامبورغ»، أُضرمت النيران في حواجز وأُلقيت زجاجات ومفرقعات نارية، بينما طوقت الشرطة المتظاهرين في «كولونيا» واستخدمت خراطيم المياه لتفريقهم، في حين أنهت تجمُّعًا احتجاجيًا في «شتوتغارت».
تصاعد أعمال العنف والتوقيفات خلال المساء
ومع حلول المساء، ازدادت حصيلة الأحداث سوءًا. ففي «فرانكفورت»، حيث ارتفع عدد المشاركين في المسيرة إلى نحو 8 آلاف شخص، وفقًا للشرطة، أُلقيت زجاجات وحجارة، وتعرَّضت بعض المتاجر للنهب، كما تعرَّض متجر لبيع الأسلحة لهجوم، وأسفرت الأحداث عن توقيف أكثر من 30 شخصًا.
وفي «كولونيا»، احتجزت الشرطة نحو 700 شخص، وقالت إنَّها صادرت زجاجات حارقة ومطارق. أمَّا في «برلين»، فقد انتهت مسيرة مسائية ثانية، شارك فيها ما يصل إلى 3500 شخص، بتوقيف 56 متظاهرًا وإصابة 27 شرطيًا بجروح طفيفة.
وفي «لايبزيغ»، حيث خرج نحو 7 آلاف شخص في مسيرات خلال النهار، تعرَّضت بعض محطّات الترام للتخريب.
وعزا وزير الداخلية في ولاية «هيسِّن»، «رومان بوسيك»، المنتمي إلى «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، أعمال العنف إلى نحو مئة شخص من المتطرفين اليساريين، فيما رفض منظمو الاحتجاجات تحميلهم أي مسؤولية عن تلك الأحداث.
حركة شبابية جديدة تقود الاحتجاجات
وكانت حركة «Gen Z regelt!»، التي يمكن ترجمة اسمها إلى «جيل زد يتولّى الأمر»، وراء الدعوة إلى تنظيم المسيرات. وهي حركة نشأت عبر منصّات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة، ويقودها نحو 30 شابًا تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عامًا.
وتطالب الحركة برفض التخفيضات في الإنفاق على التعليم، ومعارضة التجنيد العسكري الإلزامي، والتصدّي لارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت «تواصل فيه الشركات الكبرى تحقيق الأرباح، بينما تُضَخ المليارات في إعادة التسلُّح».
كما تدعو إلى تبنّي سياسة مناخية حقيقية، والحد من الرقابة التي تمارسها الدولة، وتؤكِّد أنَّها حركة مستقلَّة عن الأحزاب السياسية و«ترفض جميع أشكال العنف».
وفي «برلين»، كان معظم المشاركين من طلاب المدارس الثانوية والمتدربين المهنيين وطلاب الجامعات، ورفعوا لافتات تحمل شعارات من قبيل: «ماذا تفعلون بمستقبلنا؟»، إلى جانب لافتة كبيرة كُتب عليها: «على ميرتس الرحيل».
وتُعدُّ هذه المرَّة الأولى التي تمتدُّ فيها موجة الاحتجاجات الشبابية، التي انطلقت من المدارس الثانوية الفرنسية في أواخر سبتمبر، ووصلت لاحقًا إلى إيطاليا، إلى ألمانيا في إطار تحرُّك منظَّم.
البطالة وتراجع فرص التدريب والإنفاق العسكري
ومع ذلك، يواجه الشباب الألمان مشكلات مماثلة لتلك التي يعاني منها نظراؤهم في فرنسا وإيطاليا.
ففي أكتوبر، بلغ عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا 2.9 مليون شخص، بزيادة قدرها 44 ألفًا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وخلال العام الجاري، فقد 46 ألف شاب فرصة الحصول على مكان في برامج التدريب المهني، وهو نظام يجمع بين الدراسة والتدريب العملي داخل الشركات، ويشكل أحد المسارات الرئيسية التي يعتمد عليها قطاع واسع من الشباب الألمان للانتقال إلى سوق العمل.
وبحسب دراسة «الشباب في ألمانيا 2026» (Jugend in Deutschland 2026)، أفاد 29 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عامًا بأنَّهم يحتاجون إلى دعم نفسي، فيما يخطِّط 21 في المئة منهم لمغادرة البلاد.
وفي الوقت نفسه، أعادت حكومة المستشار الألماني «فريدريش ميرتس» توجيه موارد مالية نحو القوات المسلحة.
ففي مشروع موازنة عام 2027، يرتفع الإنفاق العسكري الاعتيادي إلى 109.7 مليارات يورو، بزيادة الثلث مقارنة بعام 2026، في حين يجري تقليص مخصَّصات صندوق المناخ والمساهمات الحكومية الموجَّهة إلى نظامي التقاعد والرعاية الصحية.
واعتبارًا من يناير، سيتعيَّن على كل شاب ألماني يبلغ 18 عامًا تعبئة استبيان تابع للجيش، كما سيُطلب من المولودين عام 2008 الخضوع للفحص الطبي العسكري.
ورغم أنَّ الخدمة العسكرية لا تزال طوعية في الوقت الراهن، فإن عدم تحقيق هدف رفع عدد أفراد القوات المسلَّحة إلى 460 ألف جندي بحلول عام 2035 قد يدفع البرلمان إلى إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي.
مداهمات أمنية وتحذيرات سبقت المظاهرات
وسبق يوم الاحتجاجات أسبوع من التحذيرات الأمنية. ففي فجر الجمعة، داهمت الشرطة منزلين في مدينتي «دوسلدورف» و«نويس»، وأوقفت أربعة رجال يُشتبه في تخطيطهم لأعمال عنف خلال المسيرات، من دون الكشف عن أعمارهم أو تحديد جريمة بعينها يُشتبه في ارتكابهم لها.
ولم تثبت وجود صلة بين هؤلاء الرجال والحركة الشبابية المنظمة للاحتجاجات.
وفي هذا السياق، تحدَّث رئيس نقابة الشرطة الألمانية (GdP)، «يوشن كوبيلكه»، عن «شبان مهاجرين يبحثون عن إثارة الاضطرابات»، من دون تقديم أدلَّة تدعم هذا الادِّعاء.
وفي المقابل، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) بأنَّ السلطات الاتحادية الألمانية لم تكن لديها معلومات بشأن وجود دعوات ملموسة إلى ممارسة العنف.
ولا يبدو أنَّ التعبئة الشبابية ستتوقَّف عند احتجاجات 31 أكتوبر؛ إذ أعلن شباب من حزبي الخضر واليسار (Die Linke) بالفعل انضمامهم إلى الإضراب الشبابي الدولي المقرَّر في 20 نوفمبر، في محطَّة جديدة من موجة احتجاجات أعادت شبابًا من مختلف أنحاء العالم إلى الشوارع والساحات العامَّة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.