الإيطالية نيوز، الاثنين 2 نوفمبر 2026 — تضمَّن مشروع «قانون الموازنة» الذي أعدَّته حكومة «جورجا ميلوني» تدابير متناقضة ومثيرة للمفارقة بشأن نظام المعاشات التقاعدية، الذي ربَّما يُعد أكثر الملفات السياسية حساسية عند تخصيص الموارد المالية، في بلد تزيد فيه نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 60 عامًا على نحو ثلث إجمالي السكّان.فمن ناحية، اقترحت الحكومة إجراءات تمنح قدرًا من المرونة يسمح لفئة محدودة من الأشخاص بالتقاعد قبل الموعد المحدَّد، وسط مخاوف من أن ينتهي الأمر بإقرار صيغة جديدة من نظام «الحِصص التقاعدية» (Quota)، أي استثناء مؤقَّت إضافي من القواعد التي تُحدِّد سن وشروط الإحالة إلى التقاعد.
ومن ناحية أخرى، عثرت الحكومة على الموارد اللازمة لتمويل هذه التدابير من خلال اقتطاع أموال من الفئة نفسها التي يفترض أن تستفيد من نظام المعاشات، إذ قرَّرت تقييد إعادة تقييم المعاشات التقاعدية بما يتناسب مع معدَّلات التضخُّم، في خطوة تطال المتقاعدين جزئيًا، بالتزامن مع توقُّعات بارتفاع التضخُّم هذا العام بصورة ملحوظة بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
ولم يُقر مشروع القانون نهائيًا حتّى الآن، لكن ما لم تُدخَل عليه تعديلات جوهرية، فإنَّه سينتهي إلى تقليص مستحقات ملايين المتقاعدين، بهدف تمكين عشرات الآلاف فقط من الأشخاص من التقاعد المبكِّر.
ويبدو أنَّ الهدف الواضح للحكومة هو تحقيق مكسب سياسي سهل الترويج، يمكن عرضه خلال الحملة الانتخابية للانتخابات العامة المقرَّرة عام 2027.
كيف تُحسب الزيادة السنوية في المعاشات التقاعدية؟
من المفترض أن تخضع المعاشات التقاعدية، وفقًا للنظام المعمول به، لآلية تلقائية لإعادة التقييم سنويًا، بما يتناسب مع تطوُّرات تكاليف المعيشة، أي معدَّلات التضخُّم.
وفي هذا الإطار، يحسب «المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء» (ISTAT) سنويًا مؤشِّر أسعار المستهلكين للأسر العمّالية والموظَّفين (FOI)، الذي يُستخدم لتحديد نسبة الزيادة في المعاشات خلال العام التالي.
وتُعرف هذه الآلية باسم «المعادلة أو التسوية التقاعدية» (Perequazione)، وتُطبَّق وفقًا لشرائح تصاعدية استنادًا إلى قيمة المعاش الذي يتقاضاه المستفيد، على غرار نظام الشرائح المعمول به في ضريبة الدخل.
وبموجب هذه الآلية، يحصل أصحاب المعاشات المنخفضة على تعويض كامل عن التضخُّم، بينما تتراجع نسبة إعادة التقييم تدريجيًا كلَّما ارتفعت قيمة المعاش.
وتتَّضح آلية الحساب بصورة أكبر من خلال الأرقام. فإعادة التقييم الكاملة تُطبَّق على المعاشات التي تصل قيمتها إلى أربعة أضعاف الحد الأدنى للمعاش التقاعدي، البالغ 611.85 يورو شهريا. وبالتالي، فإنَّ الحدَّ الذي تُطبَّق عنده الزيادة الكاملة يبلغ 2447.40 يورو إجمالاً قبل خصم الضرائب، أي ما يعادل نحو 1900 يورو صافيًا.
وعلى سبيل المثال، إذا استقرَّ معدَّل التضخُّم هذا العام عند 3.4 في المئة، وفقًا لأحدث تقديرات «المعهد الوطني للإحصاء» بشأن معدَّل التضخُّم المكتسب، فسترتفع المعاشات التي لا تتجاوز 2447.40 يورو إجمالاً بنسبة 3.4 في المئة خلال عام 2027، بما يعني تعويض أصحابها بالكامل عن التضخُّم.
أمَّا بالنسبة إلى المعاشات التي تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف الحد الأدنى، أي بين 2447.40 و3059.25 يورو، فستنخفض نسبة إعادة التقييم إلى 90 في المئة من معدَّل التضخُّم.
وبالنسبة إلى المعاشات التي تتجاوز خمسة أضعاف الحد الأدنى، أي التي تزيد على 3059.25 يورو، فستنخفض النسبة إلى 75 في المئة. وهذا يعني أن الخسارة الناتجة عن عدم التعويض الكامل عن التضخُّم تزداد كلما ارتفعت قيمة المعاش، لكنها تُحتسب فقط على الجزء الذي يتجاوز الحد المحدَّد لكل شريحة، وفق الآلية التقليدية للشرائح الضريبية.
وبالاستناد مجدَّدًا إلى افتراض بلوغ التضخُّم 3.4 في المئة، سترتفع المعاشات الواقعة ضمن الشريحة الثانية بنسبة 3.06 في المئة، أي ما يعادل 90 في المئة من معدَّل التضخُّم، بينما سترتفع المعاشات التي تبدأ من 3059.25 يورو بنسبة 2.55 في المئة فقط.
ويوضِّح الرسم البياني الوارد في النص الأصلي هذه الآلية؛ إذ يُمثِّل الخط المتدرج الحدود والنسب المقرَّرة لكل شريحة، بينما يجمع الخط المتَّصل هذه النسب لإظهار معدَّل الزيادة الإجمالي وفقًا لقيمة المعاش التقاعدي.
تعديل حكومي يخفض الزيادات ويُلغي نظام الشرائح
أدخلت الحكومة، بموجب المادًّة 55 من مشروع «قانون الموازنة»، استثناءين أساسيين على هذا النظام، على أن يُطبَّقا خلال عام 2027 وحده.
ويتمثَّل الاستثناء الأوَّل في خفض نسب إعادة تقييم المعاشات التي تتجاوز قيمتها 2447.40 يورو إجمالاً، مع الإبقاء على التعويض الكامل عن التضخُّم للمعاشات التي تقلُّ عن هذا الحد، وهي الفئة التي تشمل بالفعل نسبة كبيرة من المتقاعدين في إيطاليا. وبالتالي، لن يطرأ أي تغيير على أوضاع عدد كبير من المتقاعدين، الذين سيحصلون على زيادة كاملة تعوضهم عن معدل التضخُّم المسجَّل هذا العام. لكن الوضع قد يتغير بصورة كبيرة بالنسبة إلى أصحاب المعاشات التي تتجاوز قيمتها 2447.40 يورو.
وكما يوضِّح الرسم البياني التالي في النص الأصلي، فإنَّ النسب الجديدة لإعادة التقييم ستنخفض بشكل ملحوظ. أمّا الاستثناء الثاني، فيتمثَّل في إلغاء آلية احتساب الزيادات وفق نظام الشرائح. ففي النظام التقليدي، يتحمَّل صاحب المعاش الذي يتجاوز إحدى العتبات المحدَّدة انخفاضًا في نسبة الزيادة على الجزء الذي يتجاوز تلك العتبة فقط.
ويعرض الرسم البياني اللاحق محاكاة بالأرقام لقيمة الزيادة في المعاشات؛ إذ تشير الأعمدة الرمادية إلى مقدار الزيادة الشهرية وفق النظام الحالي، بينما تُمثِّل الأعمدة الزرقاء الفاتحة قيمة الزيادة المتوقَّعة خلال عام 2027 بموجب النظام الذي تقترحه الحكومة في مشروع الموازنة.
خسائر المتقاعدين لن تُعوّض لاحقا.. ووفورات حكومية بمليارات اليورو
المتقاعدون الذين سيتضررون من تعديل آلية إعادة التقييم لن يتمكَّنوا من استرداد الأموال التي خسروها لاحقًا.
وكانت الحكومة قد استخدمت آلية إعادة الحساب نفسها في «قانون الموازنة» لعام 2023، وهو عام شهد أيضًا ارتفاعًا كبيرًا في معدَّلات التضخُّم.
ووفقًا للتقرير الفنِّي المرفق بمشروع «قانون الموازنة»، ستتيح هذه الآلية للدولة توفير 885 مليون يورو سنويًا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وذلك بعد احتساب الانخفاض في الإيرادات الضريبية الناتج عن هذه التدابير. وبذلك، ستبلغ الوفورات المالية الإجمالية خلال الفترة الممتدة من عام 2027 إلى عام 2029 نحو 2.65 مليار يورو.
ومن المرجَّح أن تكون الوفورات الفعلية أعلى من ذلك، لأن التقرير الفنِّي يستند في تقديراته إلى افتراض بلوغ التضخم 2.8 في المئة، في حين تشير التقديرات المتاحة بالفعل إلى أنَّه سيبلغ 3.4 في المئة على الأقل خلال العام الجاري. لكن المفارقة الحقيقية لا تكمن بالضرورة في قرار الحكومة تحميل المتقاعدين جزءًا من الأعباء المالية، من خلال آلية يمكن اعتبارها عادلة من بعض الجوانب، وفي إطار خيار سياسي مشروع. فالتدخُّل المماثل الذي أُقرَّ عام 2023 عُرض أيضًا على المحكمة الدستورية الإيطالية للنظر في مدى دستوريته، وقد قضت المحكمة بمشروعيته. إنَّما تكمن المفارقة في طبيعة الاستخدام الذي قد تُقرِّر الحكومة توجيه هذه الوفورات المالية إليه، والبالغة 2.65 مليار يورو.
2.55 مليار يورو لتمويل التقاعد المبكِّر.. من أين تأتي الأموال؟
تنصُّ المادة 52 من مشروع «قانون الموازنة» على إنشاء صندوق لتمويل تدابير تهدف إلى «دعم الخروج من سوق العمل»، بميزانية تبلغ 850 مليون يورو سنويًا خلال الفترة من 2027 إلى 2029، أي بإجمالي 2.55 مليار يورو.
وتكاد هذه المبالغ تتطابق مع الوفورات التي ستتحقَّق من خلال إعادة احتساب الزيادات السنوية في المعاشات التقاعدية. وعلى الرغم من أنَّ مشروع الموازنة لا يحدد بصورة صريحة مصدر تمويل كل إجراء على حدة، فإن الصلة بين الأموال التي ستوفِّرها الحكومة من تقليص زيادات المعاشات وتلك المخصَّصة للصندوق الجديد تبدو مرجَّحة إلى حدٍّ كبير.
ولا يقدم مشروع القانون تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة التدابير التي سيُخصِّص لها هذا الصندوق، مكتفيًا بالإشارة إلى أنَّ تحديد أوجه إنفاق الأموال سيُترك لمرسوم حكومي لاحق. لكن ما يبدو واضحًا هو أنَّ الخيار السياسي للحكومة يَتمثَّل في محاولة إتاحة التقاعد المبكر لعدد محدود من العاملين، رغم أنَّ تفاصيل الآلية لا تزال بحاجة إلى توضيح، وذلك على حساب تقليص القوَّة الشرائية للأشخاص الذين أحيلوا بالفعل إلى التقاعد.
مقترح حزب الرابطة: «الحصة 64».. عودة جديدة إلى معركة إصلاح فورنيرو
خلال الأشهر الماضية، طرحت أحزاب الائتلاف الحكومي عدة مقترحات لتعديل نظام التقاعد.
وكان أكثرها تقدُّمًا، والذي لا يزال محل نقاش، هو المقترح الذي قدمه حزب «الرابطة»، وهو الحزب الذي خاض على مدى سنوات معارك سياسية ضد إصلاح نظام التقاعد الذي أقرَّته وزيرة العمل السابقة «إلسا فورنيرو»، مستخدمًا في بعض الأحيان لهجة شديدة الحدَّة اتِّجاهها شخصيًا.
ويقوم المقترح على إدخال استثناء مؤقَّت على نظام التقاعد المبكِّر المعمول به حاليًا، وليس على «تفكيك» «إصلاح فورنيرو»، كما يطالب بعض سياسيي حزب «الرابطة» باستمرار. فالنظام الحالي يسمح بالفعل بالتقاعد المبكِّر عند سن 64 عاما بدلاً من 67 عامًا، لكن ذلك مشروط باستيفاء متطلَّبين صارمين نسبيًا.
الشرط الأول:
أن يكون العامل قد سدَّد اشتراكات تقاعدية لمدَّة لا تقل عن 20 عامًا بالكامل ضمن نظام الاشتراكات (Sistema Contributivo)، المعمول به منذ عام 1996. ويعتمد هذا النظام في احتساب المعاش على إجمالي الاشتراكات التي دفعها العامل طوال حياته المهنية.
وقد حلَّ هذا النظام محلَّ نظام الأجور (Sistema Retributivo)، الذي كان أكثر سخاءً، إذ كان يحتسب قيمة المعاش التقاعدي استنادًا إلى الرواتب الأخيرة التي تقاضاها الموظَّف قبل التقاعد.
ويؤدِّي اشتراط قضاء 20 عامًا من الاشتراكات بالكامل ضمن النظام القائم على الاشتراكات إلى استبعاد كل من ينتمي إلى ما يُعرف بالنظام المختلط، أي الأشخاص الذين لديهم اشتراكات تقاعدية مسجلَّة قبل عام 1996.
ويقترح حزب «الرابطة» إلغاء هذا الشرط، بحيث يشمل النظام أيضًا الأشخاص الذين يبلغون 64 عامًا، ويكونون قد راكموا اشتراكات تقاعدية لمدَّة لا تقل عن 36 عاما، بما في ذلك الاشتراكات المسدَّدة في ظل نظام الأجور السابق. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان هذا المقترح سيشمل جميع العاملين أم سيقتصر على فئات مهنية محدَّدة.
ويُطلق على هذا المقترح اسم «الحصة 64» (Quota 64)، وهو بمثابة صيغة جديدة من نظام «الحصة 100» السابق، تقوم على الجمع بين بلوغ سن 64 عامًا واستكمال 36 عاما من الاشتراكات التقاعدية. غير أنَّ الاختلاف الأساسي يكمن في أنَّ هذه الصيغة ستفرض تخفيضا جوهريا على قيمة المعاش التقاعدي.
فبموجب المقترح، سيتعيَّن على المستفيد التخلّي عن احتساب سنوات عمله السابقة لعام 1996 وفق نظام الأجور الأكثر سخاءً، والموافقة بدلاً من ذلك على إعادة احتساب تلك السنوات وفق نظام الاشتراكات، وهو ما يعني عمليا التخلّي عن جزء من المزايا التقاعدية التي كان سيحصل عليها بموجب النظام القديم.
الشرط الثاني:
ينصُّ النظام الحالي أيضًا على عدم السماح بالتقاعد المبكر إذا كانت قيمة المعاش المستحق تقلُّ عن ثلاثة أضعاف المخصَّصات الاجتماعية (Assegno Sociale)، أي ما يعادل 1638.72 يورو إجمالاً شهريًا.
ومن المرجَّح أن يتطلَّب تطبيق نظام «الحصة 64» تعليق هذا الشرط أيضًا، لأن إعادة احتساب المعاشات وفق نظام الاشتراكات قد تؤدِّي إلى عدم تمكُّن عدد كبير من المستفيدين من بلوغ الحد الأدنى المطلوب.
ووفقاً لِـ «كلاوديو دوريجون»، وكيل وزارة العمل الإيطالية المنتمي إلى حزب «الرابطة»، فإن هذا المقترح قد يشمل نحو 60 ألف شخص. وتُقدَّر تكلفته بنحو 850 مليون يورو سنويا، وهو ما يعني إدخال استثناء جديد على شروط نظام التقاعد الإيطالي، بما قد يترتَّب عليه من اختلالات في العدالة بين المستفيدين وتشوُّهات إضافية في بنية النظام التقاعدي.
الخلاصة: تكشف المقترحات الواردة في مشروع الموازنة الإيطالية لعام 2027 عن مفارقة سياسية ومالية واضحة؛ إذ تسعى الحكومة إلى تمويل تسهيلات التقاعد المبكِّر لفئة محدودة من العاملين عبر تقليص الزيادات المرتبطة بالتضخم لملايين المتقاعدين الحاليين. وبينما تبلغ الوفورات المتوقَّعة من إعادة احتساب المعاشات 2.65 مليار يورو، تصل مخصَّصات صندوق دعم الخروج من سوق العمل إلى 2.55 مليار يورو، في تقارب مالي يُعزِّز التساؤلات بشأن الأولويات الاجتماعية للحكومة الإيطالية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.