الإيطالية نيوز، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 — أثارت فضيحة كبرى تتعلَّق بمشاريع إعادة الإعمار في إقليم «ماركي» الإيطالي، عقب الزلزال، تساؤلات واسعة، بعدما أسفرت التحقيقات عن اتِّخاذ ثمانية تدابير احترازية بالحبس، إلى جانب مصادرة أصول تتجاوز قيمتها 57 مليون يورو. ومع ذلك، لا يبدو أنَّ هذه القضية حظيت بالتغطية التي تستحقُّها في صفحات أبرز الصحف الإيطالية.وفي المقابل، تكشف الوثائق القضائية، يومًا بعد يوم، عن تفاصيل مهمَّة تتعلَّق بـ«المنظومة» التي تتمحور حولها التحقيقات، والتي يُشتبه في قيامها على شبكة معقَّدة من الشركات والواجهات التجارية وعقود المقاولة من الباطن، بما أتاح لشركات يُعتقد بارتباطها بأوساط من منظمتي «لا كامورا» و«ندرانغيتا» الإجراميتين العمل في مواقع إعادة الإعمار بإقليم «ماركي»، عقب زلزال عام 2016.
وتكشف الوثائق عن آلية منظَّمة ومُحكَمة، تناوبت فيها الشركات على تنفيذ الأعمال، وانتقل العمّال من شركة إلى أخرى، فيما استمرَّت بعض مواقع البناء في العمل حتّى بعد صدور قرارات المنع المرتبطة بمكافحة تسلُّل المافيا. ووفقًا لما ترسمه التحقيقات، فقد تَحكَّمت في هذه المنظومة علاقات النفوذ، والممارسات الاحتكارية، وآليات يُشتبه في ارتباطها بالفساد.
دور عقود المقاولة من الباطن
تُظهر وثائق التحقيق أنَّ الشخصية المحورية في هذه القضية هي "إنريكو كروتشانيلّي»، مالك شركة «ريست إديلي» (Rest Edile) في مدينة «تولينتينو»، والرَّئيس الذي علَّق عضويته مؤقَّتًا في «جمعية شركات البناء الإيطالية» (ANCE) في مقاطعة «ماتشيراتا».
وقد حصلت شركته على ما يقرب من 800 مشروع إنشائي على مدى السنوات الماضية، معظمها ضمن إطار إعادة الإعمار الخاصَّة، ولا يزال نحو نصف هذه المشاريع قيد التنفيذ، بحسب المعطيات الواردة في التحقيقات.
وترى الشرطة المالية الإيطالية أن رجل الأعمال لم يكن يمتلك قوة عاملة كافية لتنفيذ حجم العقود التي حصلت عليها شركته، ولذلك يُشتبه في أنَّه لجأ بصورة منهجية إلى عقود المقاولة من الباطن، وأسند أجزاء من الأعمال إلى شركات أخرى، من بينها شركات يُعتقد أنَّها مرتبطة بأشخاص تحيط بهم موانع قانونية أو يُشتبه في قربهم من الجريمة المنظَّمة.
وتُعدُّ المقاولة من الباطن، في حد ذاتها، إجراءً قانونيًا، وهي عقد خاص تُسند بموجبه الشركة المكلفة بتنفيذ مشروع معيَّن جزءًا من الأعمال إلى شركة أخرى.
لكن، وفقًا للمديرية الإقليمية لمكافحة المافيا في «أنكونا»، يُشتبه في أنَّ هذه الآلية أتاحت إدخال جهات إلى مواقع البناء كان من الممكن أن تواجه عقبات تحول دون عملها بصورة مباشرة، بسبب علاقاتها غير الواضحة أو الوضع القانوني لشركاتها.
وكانت هذه العلاقة، بحسب التحقيقات، مفيدة للطرفين: إذ حصلت شركة «ريست إديلي» على الأيدي العاملة اللازمة لتنفيذ العقود الموكَّلة إليها، بينما تمكَّنت شركات المقاولة من الباطن من الوصول إلى الأموال العامَّة المخصَّصة لإعادة الإعمار.
ومن العناصر الأساسية التي تتناولها التحقيقات تكلفة العمالة، إذ يُشتبه في أن توفير عمَّال بأجور منخفضة عزَّز القدرة التنافسية للشركة الرئيسية. ووفقًا للشرطة المالية، فإنَّ مصلحة الشركة المتعاقِدة في الحصول على المزيد من العقود والسيولة المالية كانت تقابلها قدرة الشركات المتعاقدة من الباطن على توفير العمَّال.
ويتناول أحد مسارات التحقيق أيضًا رجل الأعمال «فينتشنسو اكيابالوني»، الذي يعتقد المحقِّقون أنَّه قريب من أوساط منظَّمة «اندرانغيتا» الإجرامية.
وتفترض «الشرطة المالية» (اغوارديا دِ فينانسا) أنَّ شركات تابعة له وفَّرت العمالة، وأسهمت في إنشاء شبكة من الفواتير الوهمية بلغت قيمتها نحو ثمانية ملايين يورو، جرى لاحقًا رد مبالغ منها نقدًا، مع تخصيص جزء منها، وفقًا للاشتباه، لأفراد ينتمون إلى عشائر إجرامية في إقليم «كالابريا».
ومن بين التهم قيد التحقيق أيضًا التوريد غير القانوني للعمالة، إذ يُشتبه في أن إحدى الشركات، التي كانت تعمل رسميًا بوصفها مقاولًا من الباطن، لم تكن تقوم سوى بتوفير العمال لشركة «ريست إديلي»، مقابل أجور تقلُّ عن تلك المحدَّدة في الاتفاقيات الجماعية الوطنية لقطاع البناء.
الشركات والرقابة على تسلل المافيا
يتناول مسار آخر من التحقيق شركات يُشتبه في ارتباطها بالشقيقين «جوزيبي» و«رافاييلي ديانا»، اللذين يُعتقد بوجود صلات لهما بعشيرة «كازاليزي» الإجرامية.
وفي 29 نوفمبر 2024، أبلغت محافظة «ميلانو» شركة «ميرا كوستروتسيوني» بالأسباب القانونية التي تحول دون تجديد تسجيلها في القائمة البيضاء، وهي قائمة تضمُّ الشركات التي اجتازت الفحوصات المتعلِّقة بمكافحة تسلُّل المافيا.
وبعد أيّام قليلة، تأسَّست شركة جديدة باسم «بروسپيرا كوستروتسيوني» (Prospera Costruzioni)، يُشتبه، وفقًا للمحقِّقين، في أنَّها كانت تُدار من جانب الأشخاص أنفسهم.
وفي فبراير 2025، بدأت الشركة الجديدة إصدار فواتير إلى شركة «ريست إديلي»، وفي نهاية الشهر نفسه صدر قرار المنع بحقِّ شركة «ميرا».
ولم يقتصر الأمر على الشركات، بل شمل أيضًا انتقال العمالة؛ إذ انتقل 64 عاملًا من شركة «ميرا» إلى شركة «بروسپيرا»، ثم انتقل 55 عاملًا من الأخيرة إلى شركات «أوميغا» و«أدرياتيكـا» و«غيزا».
وكانت شركة «أوميغا» قد بدأت إصدار فواتير إلى «ريست إديلي» في 20 أكتوبر 2025، أي قبل الإخطار المسبق بشطب شركة «بروسپيرا» من السجل الوطني لمكافحة المافيا، الذي تلقَّته في 17 مارس 2026. وفي 9 أبريل من العام نفسه، صدر قرار المنع بحق شركة «بروسپيرا».
ولكي تتمكَّن الشركات من العمل في مشاريع إعادة الإعمار الممولة من الأموال العامَّة، يتعيَّن عليها التسجيل في السجل الوطني للشركات المنفِّذة، الخاضع لرقابة مكافحة المافيا.
وقد نصَّ نظام التحقُّق على مرحلة أوَّلية يمكن خلالها إصدار موافقة مؤقَّتة، في حال عدم ظهور موانع قانونية فورية، على أن تستمرَّ عمليات التدقيق والتحرّي بعد ذلك.
لكن المحقِّقين يرون أن استخدام الواجهات التجارية وتناوب الشركات على تنفيذ الأعمال ربَّما أتاحا الالتفاف على الضوابط والإجراءات المخصَّصة لمكافحة تسلل المافيا.
من جانبه، دافع المفوض المكلَّف بإعادة الإعمار، «غويدو كاستيلّي»، عن إجراءات الوقاية والرقابة، موضِّحًا أن ثلاث شركات متوِّرطة في التحقيق كانت قد خضعت بالفعل لقرارات المنع، مستشهدًا بأكثر من مئة إجراء لمكافحة المافيا اتُّخذت خلال ثلاث سنوات.
ويرى «كاستيلّي» أنًّ هذه الأرقام تثبت تفعيل آليات الرقابة. غير أنَّ السؤال الذي تطرحه التحقيقات يتمثَّل في مدى كفاية هذه الإجراءات لمنع انتقال العمَّال والعقود من شركة إلى أخرى، بما قد يسمح باستمرار النشاط رغم قرارات المنع.
تحذيرات النقابات العمالية
لم تكن التساؤلات والمخاوف بشأن النظام الذي يحكم العمل في مواقع البناء جديدة؛ فقد ظهرت بالفعل خلال صيف عام 2023، عندما أبلغت نقابات «Feneal Uil» و«Filca Cisl» و«Fillea Cgil» في محافظة «ماشيراتا» عن وجود فجوة كبيرة بين بيانات إعادة الإعمار وإجمالي الأجور المصرَّح بها لدى صندوق عمال البناء.
وكانت النقابات قد نبَّهت إلى وجود عمال في مواقع البناء «لا يجري تصنيفهم بصورة صحيحة وفقًا للاتفاقية الجماعية الوطنية»، فضلًا عن التأخُّر الكبير في تطبيق نظام بطاقات التعريف الإلكترونية لتسجيل الدخول والخروج، وكذلك سجل المتابعة الأسبوعي لأعمال مواقع البناء.
وكانت تلك الملاحظات تتعلَّق بالقطاع بصورة عامَّة، ولم تكن بلاغًا محدَّدًا ضد الشركات التي أصبحت اليوم موضع التحقيق، لكنها كانت تشير بالفعل إلى وجود اختلالات واضحة وحلقة من المشكلات المتداخلة.
وفي عام 2025، عادت نقابة «فينيل أويل» إلى التحذير من العمالة غير النظامية وأوجه القصور في الرقابة، مطالبة بإجراء مزيد من عمليات التفتيش وتوفير ضمانات أكبر لحماية العمال.
وتتعلَّق القضية اليوم أيضًا بمستقبل العاملين والشركات التي تشكل سلسلة التوريد والتنفيذ في قطاع إعادة الإعمار.
وخلال الأيَّام الماضية، طالبت اتحادات النقابات العمالية الإيطالية الثلاث، «CGIL» و«CISL» و«UIL»، محافظ محافظة «ماتشيراتا» بإعداد خريطة شاملة لمواقع البناء، ومراقبة المدفوعات، وإنشاء طاولة أزمة لمتابعة تداعيات القضية.
ويتمثَّل الهدف في حماية الأجور والشركات والأسر التي لا تزال تنتظر العودة إلى منازلها.
مسار التحقيق المتعلق بالفساد
لا تقتصر التحقيقات الجارية على شبهة تسلل المافيا إلى مشاريع إعادة الإعمار، بل تمتد أيضًا إلى احتمال وجود منظومة فساد يُشتبه في أنها أثرت في إسناد العقود وتوزيع التمويلات العامَّة.
وتتمحور هذه الشعبة من التحقيقات حول «فابيو بيستاريلّي»، الرئيس السابق لمكتب رئيس إقليم «ماركي» «فرانشيسكو أكوارولي».
ووفقًا للمحقِّقين، يُشتبه في أنَّ «بيستاريلّي» استغلَّ، بالتعاون مع رجلي الأعمال «أنطونيو تشيرفييني» و«أنطونيو إيتشيلي»، علاقاته المؤسَّسية لتسهيل عمليات معيَّنة وتحقيق مصالح محدَّدة، مقابل حصوله على نحو 105 آلاف يورو، في صورة مبالغ نقدية وأعمال ترميم وتجديد.
ومن بين الوقائع التي تخضع للفحص قضية الدير السابق للراهبات «موناشيتّي» في مدينة «ماتشيراتا»، الذي اشترته الهيئة الإقليمية المعنية بالحق في التعليم، بهدف تحويله إلى سكن جامعي للطلاب.
وقد أُسند عقد تنفيذ أعمال الترميم، الذي تبلغ قيمته نحو ستَّة ملايين يورو، إلى ائتلاف من الشركات كانت شركة «ريست إديلي»، المملوكة لِـ «كروتشانيلّي»، إحدى مكوِّناته.
ووفقًا للاتهامات، يُشتبه في أنَّ رجل الأعمال وعد بدفع 120 ألف يورو، بما يعادل %2 من قيمة الأعمال، بهدف ضمان ترسية العقد على ائتلاف الشركات.
من جانبه، نفى «بيستاريلّي» صلته بالاتهامات الموجهة إليه، ومارس حقَّه القانوني في عدم الإدلاء بأقوال خلال جلسة الاستجواب المخصَّصة للنظر في التدابير الاحترازية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.