وتعكس هذه التوصيات ما يصفه الأطباء بـ«أزمة صامتة» ناجمة عن فرط الاتصال الرقمي؛ إذ إنَّ التعرُّض المفرط للمؤثِّرات السريعة يخلّ بتوازن الانتباه ويضعف المهارات الاجتماعية، ما يؤدِّي إلى ارتفاع معدَّلات القلق والعزلة والإدمان الرَّقمي بين الأطفال والمراهقين.
وتؤكِّد دراسات دولية عديدة مخاطر التعرُّض المبكِّر للشاشات الصغيرة؛ فَـ «منظمة الصحة العالمية» توصي بعدم السَّماح بأي استخدام للشاشات تحت سنِّ السَّنتين، وبألَّا يتجاوز الاستخدام ساعة واحدة يوميًا بين عامين وأربع سنوات. كما يُظهر بحث نُشر في JAMA Pediatrics أنَّ استخدام الأجهزة الرقمية في عمر عام واحد يرتبط بتأخُّر في التطوُّر اللُّغوي والمعرفي.
وتُبرز تحليلات تجميعية حديثة وجود روابط بين وقت الشاشة واضطرابات النَّوم، والسمنة لدى الأطفال، وتراجع القدرة على التركيز، والهشاشة العاطفية. وتشير دراسات أخرى إلى صلة بين الاستخدام المكثَّف للتقنيات الرَّقمية وبين الإدمان والقلق وضعف المهارات الاجتماعية.
تكشف المراجعة الجديدة للأدبيات العلمية الدولية، التي أجرتها «الجمعية الإيطالية لطبّ الأطفال» (SIP) وشملت تحليل آلاف الدراسات، أنَّ التعرُّض المبكِّر للشاشات يؤثِّر بوضوح في تطوُّر اللُّغة والانتباه والنوم وتنظيم المشاعر. ويَظهَر من الأدلَّة السريرية أنَّ التأثيرات تمتد عبر مختلف مراحل النمو. ففي المرحلة العمرية المبكِّرة، «يواصل الدماغ تشكّله وإعادة تنظيمه طوال الطفولة والمراهقة»، كما يوضح «أغوستينياني»، مضيفًا أنَّ «التحفيز الرقمي المبكِّر والمطوّل قد يُغيِّر من آليات الانتباه والتعلُّم وتنظيم الانفعالات».
وتُبيِّن النتائج أن ثلاثين دقيقة إضافية يوميًا من وقت الشاشة قبل عمر السنتين تزيد خطر تأخُّر تطوُّر اللُّغة على نحو ملحوظ. كما أنَّ كل ساعة إضافية من التعرُّض للشاشات لدى الأطفال في سنّ ما قبل المدرسة تقتطع وقتًا ثمينًا من نومهم. وتظهر عند تجاوز حدود معيَّنة ارتباطات بارتفاع ضغط الدم وزيادة الوزن حتَّى لدى الأصغر سنًّا.
وبحسب عدد من الدراسات، فإن التعرُّض لأكثر من ساعة يوميًا قبل سن الثالثة عشرة يشكّل عامل خطر محتمل، بينما يؤدِّي تجاوز ساعتين يوميًا إلى زيادة احتمال الإصابة بالسُّمنة بنسبة %67 في صفوف المراهقين. ويتنامى الوقت الرَّقمي مقابل تراجع الحركة واللَّعب الحرّ والتفاعل الاجتماعي الواقعي، ما يخلّف آثارًا تراكمية مع مرور الزمن.
ويُسجَّل لدى المراهقين ارتفاع في القلق والعزلة وضعف تقدير الذَّات، مدفوعًا أيضًا بالمقارنة المستمرَّة والخوف من الإقصاء. أما على صعيد النوم، فالأرقام مقلقة: %89 من المراهقين ينامون وهاتفهم في الغرفة، وهو ما يُرسِّخ حالة حرمان مزمن من النوم.
كما تتزايد حالات إجهاد العين وقِصَر النظر المبكِّر؛ فيما تشمل المخاطر الأخرى الإدمان الرقمي، بما في ذلك إدمان الألعاب والاستخدام القهري للهواتف الذكية، وهي مشكلات تطال نسبة غير قليلة من الشباب وترافقها تغيّرات عصب–بيولوجية مشابهة لتلك التي تُرى في أنواع أخرى من الإدمان.
وتثير القلق أيضًا ظواهر التنمُّر الإلكتروني والتعرُّض للعنف والمحتوى الإباحي المبكِّر، لما تخلّفه من آثار على السلوك العدواني والاضطرابات العاطفية والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر.
في هذا السياق، سرّعت الجائحة هذا الانزلاق، إذ ضاعفت عدد الساعات اليومية التي يقضيها الأطفال أمام الشاشات، ما جعل تحديث توجيهات طب الاطفال ضرورة لا مفرّ منها. وفي هذا الإطار، ترسم الإرشادات الجديدة مسارًا وقائيًا يقوم على تأجيل الحصول على الهاتف الشخصي، ومنع الوصول غير المراقَب إلى الإنترنت قبل سن الثالثة عشرة، وتأخير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي — حتَّى عندما يسمح بها القانون — إلى ما بعد بلوغ سن الرشد. وتُشدِّد التوصيات أيضًا على إطفاء الأجهزة أثناء الوجبات وقبل النوم، وتشجيع الأنشطة في الهواء الطلق والقراءة.
ويؤكد الخبراء أنَّ الدماغ خلال مرحلة النمو يحتاج إلى الوقت الطويل، والتكرار، والهدوء، وحتى الشعور بالملل. ويرى أطباء الأطفال أنَّ التحدّي لا يتمثَّل في حظر التكنولوجيا أو شيطنتها، بل في إدراجها في الوقت المناسب، وإعادة منح الأطفال فرصة للخبرة الحقيقية والعلاقات الأصيلة.
وتدعو هذه المقاربة إلى تحالف تربوي بين الأُسرة والمدرسة والمؤسَّسات، يقوم على وضع حدود واضحة وواعية، بما يضمن حماية تطوُّر الأطفال وصون مستقبلهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق