وقد قوبلت هذه النتائج السيِّئة — إذ لم تتجاوز الغابون أبدًا دور ربع النهائي في تاريخ مشاركاتها بالبطولة — برد فعل شديد من الحكومة، التي أعلنت في 1 يناير عن إقالة الجهاز الفنّي بأكمله وتعليق نشاط المنتخب الوطني حتّى إشعار أخر.
وتعد هذه خطوة غير معتادة وجذرية، إذ تعني أنَّ الفريق لن يتمكَّن من التجمُّع مجدَّدًا إلَّا بعد صدور قرار جديد. وقد تثير هذه الخطوة صدامًا محتملًا مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، الذي يحظر بشكل صريح أي تدخُّل حكومي في شؤون الاتحادات الوطنية لكرة القدم، رغم أن مثل هذه التدخُّلات ليست نادرة في كرة القدم الإفريقية.
وقد أعلن وزير الرياضة المؤقَّت في الغابون، «سيمبليس-ديسير مامبولا»، تعليق المنتخب على الهواء مباشرة، واصفًا أداء الفريق بـ«المُخزي». وكانت تصريحات الرئيس «بريس كلوتير أوليغوي نجويما»، الذي يتولّى قيادة البلاد منذ 2023، بعد هزيمة الغابون أمام موزمبيق في 28 ديسمبر، قد أكدت وجود «تآكل مقلق في الروح الوطنية».
الغابون: لمحة تاريخية ورياضية
الغابون، دولة في وسط إفريقيا يبلغ عدد سكانها نحو 2.5 مليون نسمة، نالت استقلالها عن فرنسا عام 1960. تولّى «بريس كلوتير أوليغوي نجويما» الرئاسة بعد أن كان الجنرال القائد للانقلاب الذي أطاح بالرئيس «علي بونغو» في أغسطس 2023، والذي حكمت عائلته البلاد لأكثر من نصف قرن.
على الصعيد الرياضي، لم يكن الغابون يومًا بين أبرز منتخبات كرة القدم في إفريقيا: لم يشارك الفريق الوطني أبدًا في نهائيات كأس العالم، وشارك في ثماني نسخ فقط من أصل 35 نسخة من كأس الأمم الإفريقية، وغالبًا ما كان يخرج من البطولة في المراحل الأوَّلية، كما حدث هذا العام.
الغابون يستبعد نجميه الأبديين بعد الخروج من كأس الأمم الأفريقية
إلى جانب تعليق نشاط المنتخب الوطني وإقالة الجهاز الفني، قرَّرت الحكومة الغابونية استبعاد لاعبين بارزين من الفريق بشكل نهائي: الكابتن البالغ من العمر 37 عامًا «برونو إيكويلي مانغا» والمهاجم البالغ 36 عامًا «بيير-إيميريك أوباميانغ»، اللَّذان يمثِّلان أكبر عدد من المشاركات وأكبر عدد من الأهداف على مستوى المنتخب.
ويعدُّ استبعاد «أوباميانغ» خطوة ذات دلالة خاصَّة، إذ يُعتبر أهم لاعب كرة قدم في تاريخ الغابون. لعب «أوباميانغ» لأندية أوروبية شهيرة مثل «بوروسيا دورتموند»، «آرسنال»، «برشلونة» و«تشيلسي»، وفاز بلقب أفضل لاعب إفريقي لعام 2015. إلا أنَّه تعرَّض لانتقادات إعلامية محلية بسبب أدائه مع المنتخب الغابوني، وكان في بداية كأس الأمم الإفريقية محور جدل مرتبط بناديه «أولمبيك مارسيليا».
طلب النادي الفرنسي من مدرب الغابون، «تيري مويوما»، عدم إشراك «أوباميانغ» في المباراة الافتتاحية ضد الكاميرون في 24 ديسمبر، نظرًا لعودته مؤخَّرًا من إصابة، لكن المدرب قرَّر السماح له باللعب لنصف ساعة. ثم شارك «أوباميانغ» أساسيًا ضدَّ موزمبيق، وسجَّل هدفًا، رغم أن إصابته تفاقمت، ممَّا أجبره على غياب المباراة الأخيرة ضد كوت ديفوار.
بعد ذلك أعاد الاتحاد الغابوني «أوباميانغ» إلى فرنسا، لكنَّه تعرض لانتقادات من جماهيره لتخلِّيه عن دعم الفريق في وقت حاسم. ورد «أوباميانغ» على إحدى هذه الانتقادات قائلاً: «أعتقد أن مشاكل الفريق تتجاوز شخصي الصغير».
فضيحة تجهيز المنتخب الغابوني قبل كأس الأمم الأفريقية
لم تبدأ رحلة الغابون في كأس الأمم الإفريقية بشكل جيد حتى قبل المباراة الافتتاحية. فقد لم يخض المنتخب أي مباراة ودِّية تحضيرية للبطولة، وكانت المباراة الوحيدة المقرَّرة في 17 ديسمبر ضد أوغندا قد أُلغيت بسبب مشكلة غريبة: غياب قمصان المنتخب.
كانت شركة «جابوما» الغابونية مسؤولة عن توفير القمصان، وقد حصلت على تمويل حكومي بقيمة 300 مليون فرنك إفريقي (نحو 460 ألف يورو). إلا أن القمصان التي صُنعت لم تكن متوافقة مع المعايير الرسمية للبطولة، ما استلزم إنتاج دفعة جديدة بواسطة شركة AB Sport المغربية، والتي جرى تسليمها بعد موعد المباراة ضد أوغندا.
وتزداد تعقيدات القضية بسبب أن شركة «جابوما» مملوكة للمدرِّب «تيري مويوما» نفسه. وفقًا للصحفي الفرنسي وخبير كرة القدم الإفريقية «رومان مولينا»، كانت تعيين «مويوما» في أكتوبر 2023 مثار جدل. فقد أراد الاتحاد الغابوني تعيين مدرب محلي، «أنيست يالا»، لكنَّه لم يكن حاصلاً على الرخصة الرسمية اللّازمة. لذلك جرى الاستعانة بمفاجأة بِـ «مويوما»، لاعب سابق لم يسبق له التدريب على هذا المستوى، لكنَّه كان يحظى بدعم الحكومة.
إقالة مويوما وخطط الحكومة لإصلاح كرة القدم الغابونية
كان الهدف من تعيين «تيري مويوما» هو إعادة المنتخب الغابوني إلى المنافسة بعد فشله في التأهل للنسخة السابقة من كأس الأمم الإفريقية. وقد نجح «مويوما» جزئيًا، إذ حل المنتخب خلف المغرب في مجموعة التصفيات، وكان على بعد نقطة واحدة فقط من التأهل المباشر لكأس العالم 2026، قبل أن يخرج الفريق لاحقًا من نصف نهائي الملحق أمام نيجيريا.
مع ذلك، توتَّرت العلاقة بين المدرب وعدد من لاعبي الخبرة، خاصة «أوباميانغ» و «ماريو ليمينا»، لتصبح أكثر إشكالية مع الوقت. وتشير إقالة مويوما وكل الجهاز الفني بعد ثلاث هزائم في البطولة إلى أن الدعم السياسي الذي كان يحظى به قد تراجع، وأن الحكومة تسعى الآن لاستغلال كرة القدم كجزء من حملة دعاية جديدة.
ومنذ استلامه السلطة في 2023 بعد إنهاء حكم «علي بونغو أونديمبا»، أطلق الرئيس «بريس كلوتير أوليغوي نجويما» سلسلة من الإصلاحات لمكافحة الفساد، وقد يكون إصلاح كرة القدم المحلية خطوته التالية. وفي هذا الإطار، تم تعيين «بول كيساني» وزيرًا جديدًا للشباب والرياضة بدلاً من «مامبولا»، وهو لاعب وسط سابق يبلغ من العمر 40 عامًا، سبق له اللعب في فرنسا وإسرائيل.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.