![]() |
| تومي روبنسون إلى جانب ماتيو سالفيني في روما، في 23 يناير 2026. |
وبهذا اللقاء، منح «سالفيني» «روبنسون» شرعية سياسية لم يسبق له أن حظي بها طوال مسيرته، إذ يُنظر إليه في بلاده على أنه شخصية غير مقبولة سياسيًا، وقد صدرت بحقه أحكام قضائية عدة أُدين بموجبها وقضى فترات في السجن. وليس من قبيل الصدفة أنَّ «روبنسون»، في المنشور الذي لم يُروِّج له «سالفيني»، حرص على إبراز الصفة الرسمية لمحدّثه، متفاخرًا بأن اللقاء جمعه بنائب رئيس الوزراء الإيطالي (وهو المنصب الذي يشغله «سالفيني» رسميًا بصفته نائب رئيسة مجلس الوزراء).
ويُعرَف «روبنسون»، واسمه الحقيقي «استيفن ياكسلي-لينون»، بماضٍ عنيف بدأ في أوساط روابط مشجِّعي كرة القدم المتطرِّفة في مسقط رأسه «لوتون»، بإنجلترا. وقبل تحوُّله إلى ناشط رقمي، تولَّى قيادة «رابطة الدفاع الإنجليزية» (EDL)، التي كانت تُعد أبرز تنظيم نيوفاشي في بريطانيا، قبل أن تتلاشى عمليًا في الوقت الراهن، على الأقل بصيغتها الأصلية.
![]() |
| الشرطة البريطانية تلقي القبض على تومي روبنسون خلال مظاهرة في لندن عام 2023. |
تأسَّست «رابطة الدفاع الإنجليزية» (EDL) عام 2009، وبلغت ذروة نفوذها وشعبيتها بين عامي 2010 و2013، قبل أن ترتبط بسلسلة من الوقائع الخطيرة. ففي عام 2011، أُدين اثنان من أنصارها بعد ثبوت تورُّطهما في التخطيط لتنفيذ هجوم على أحد المساجد، كما كُشف عن وجود صلات بين التنظيم و«أندرس بريفيك»، منفذ مجزرة جزيرة «أوتويا» في النرويج، التي أسفرت عن مقتل 77 شخصًا.
واعتبرت «رابطة الدفاع الإنجليزية» منتهية فعليًا بحلول عام 2017. ومنذ ذلك الحين، أعاد «تومي روبنسون» تقديم نفسه من خلال النشاط الرقمي على الإنترنت. واتَّسمت محتوياته على الدوام بالخطاب المعادي للأجانب، والترويج لنظريات المؤامرة والمعلومات المضلِّلة. فعلى سبيل المثال، في عام 2018، وخلال وجوده في «روما»، صُوّر وهو يعتدي بالضرب على مهاجر. وفي العام نفسه، علّقت منصة «تويتر» (آنذاك) حسابه بسبب التحريض على الكراهية. كما حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا على خلفية أحد ما يصفه بـ«أفلامه الوثائقية»، بعد إدانته بتهمة التشهير بلاجئ سوري.
![]() |
| الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون خارج أحد محاكم العاصمة البريطانية لندن، يوليو الماضي. |
أقرّ «روبنسون» بتعاطي المخدرات، لكنَّه دأب على نفي الاتهامات التي يكرِّرها دوريًا عدد من مساعديه السابقين، والتي تزعم أنه أنفق أموال التبرُّعات المخصَّصة لـ«رابطة الدفاع الإنجليزية» على شراء الكوكايين أو دفع أموال لممارسة الدعارة. وخلال سنوات جائحة «كوفيد-19»، برز «روبنسون» بشكل لافت بسبب مواقفه المناهضة للقيود الصحية واللقاحات المضادة للفيروس. غير أنه، وبعيدًا عن حضوره المكثَّف في عدد من القضايا، يمكن القول إن تحوّل مساره السياسي والإعلامي ارتبط إلى حد كبير بِـ «إيلون ماسك».
فبعد استحواذ «ماسك» على منصة «تويتر»—التي باتت تُعرف اليوم باسم «إكس»—أعاد تفعيل حساب «روبنسون»، في سياق سياسة أفضت عمليًا إلى تقليص كبير في الرقابة على المحتوى، بما في ذلك المحتويات العنيفة والعنصرية. وكان «روبنسون» يمتلك آنذاك نحو 400 ألف متابع، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو مليون و800 ألف متابع. وفي مناسبات عدة، أيَّد «ماسك» مواقف «روبنسون» وأعاد نشر محتوياته، التي تصوّر المملكة المتحدة على أنها بلد يقف على شفا حرب أهلية ومغمور بالمهاجرين.
وتعزَّزت هذه العلاقة خلال صيف عام 2024، عندما لعب «روبنسون» دورًا في تأجيج الاضطرابات المعادية للمهاجرين في المملكة المتحدة، بما في ذلك عبر نشر معلومات مضلِّلة. كما كان «روبنسون» سببًا مباشرًا في الخلاف الذي نشب بين «نايجل فاراج» و«ماسك»، بعدما كان الأخير يُعدّ من أقرب حلفائه؛ إذ صرّح «ماسك» بأنه لم يعد يعتبر «فاراج» قائدًا مناسبًا، عقب استبعاد الأخير انضمام شخص يتبنَّى أفكار «روبنسون» إلى حزب «ريفورم يو كيه»، الذي يتصدَّر استطلاعات الرأي في البلاد.
![]() |
| صورة من التظاهرة التي نظّمها روبنسون في لندن في 13 سبتمبر الماضي. |
يدعم «روبنسون» اليوم حزب «أدفانس يو كيه» (Advance UK)، وهو حزب يقع إلى يمين «نايجل فاراج» ولا يتمتَّع حتَّى الآن بثقل سياسي يُذكَر، كما يُعدّ من أبرز المؤيِّدين لسياسة الحركة الصهيومية بإسم إسرائيل في مجال السياسة الخارجية. وعلى غرار «ماتِّيو سالفيني»، يقدّم روبنسون نفسه مدافعًا عن «حرية التعبير»، وهي الأطروحة المحورية لدى اليمين المتطرف، التي تفترض وجود ما يشبه الرقابة في وسائل الإعلام بعدد من الدول الغربية، بما يقيّد حرية الرأي والتعبير.
وفي الآونة الأخيرة، وبفضل الانتشار الواسع الذي حققه عبر الإنترنت، تمكّن «روبنسون» من تنظيم حشود لم يكن من المتصوَّر أن تعبّئها «رابطة الدفاع الإنجليزية»، التي ظلَّت، كما ذُكر، حركة هامشية.
وفي سبتمبر الماضي، شارك نحو 110 آلاف شخص في تظاهرة مناهضة للهجرة نظّمها «روبنسون» في لندن. وقد تجاوز حجم المشاركة القاعدة الفعلية لمؤيِّديه، بعدما تحولت التظاهرة إلى ما يشبه احتجاجًا عامًا على الحكومة العمالية، ما استقطب أيضًا مشاركين لا يتبنُّون أفكاره المتطرِّفة.
وقبل أسابيع قليلة من تلك التظاهرة، أُلقي القبض على «روبنسون» ثم أُفرج عنه على خلفية اعتدائه باللَّكم على رجل في محطة «سانت بانكراس» للقطارات في لندن. وفي نهاية المطاف، لم تُوجَّه إليه تهمة رسمية، رغم وجود تسجيل مصوّر يُظهره بوضوح، وذلك لأن الشخص المعتدى عليه رفض تقديم شكوى أو تأكيد رواية الشرطة للواقعة.
وفي إيطاليا، لم تقتصر الانتقادات الموجَّهة إلى «سالفيني» على «الحزب الديمقراطي» وبقية قوى المعارضة، بل صدرت أيضًا عن أحد حلفائه في الحكومة؛ إذ قال زعيم حزب «فورتسا إيطاليا» ووزير الخارجية «أنطونيو تاياني»، وهو بدوره نائب رئيسة مجلس الوزراء، إن «روبنسون» «غير متوافق مع قيمي». وردّ «سالفيني» على الجدل، يوم الأحد، بالقول: «ألا يحق لي أن ألتقي بمن أشاء؟ وإذا أردت خوض معارك مشتركة مع شخص ما، فهل في ذلك ما يعيب، ما دام الأمر يتم باحترام؟». إذن التقط صورة معه «بوتين» إذا لديك كل هذه الشجاعة.




شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.