 |
| صورة أرشيفية: لافتة تحمل صورة جوليو ريجيني خلال تظاهرة لإحياء ذكرى اختفائه في تورينو، بمناسبة مرور أربع سنوات على الواقعة، 25 يناير 2020 |
الإيطالية نيوز، الأحد 25 يناير 2026 – رغم تعبئة غير مسبوقة من المجتمع المدني لضمان استمرار الحديث عن قضيته، لا تزال الحقيقة القضائية بشأن وفاة الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني» مفقودة.
في 25 يناير 2016، اختفى «جوليو ريجيني»، الباحث الإيطالي البالغ من العمر 28 عامًا، أثناء عمله على أطروحته للدكتوراه في القاهرة، مصر. تعرض «ريجيني» للاختطاف والتعذيب ثم القتل، وعُثر على جثته في 3 فبراير على الطريق السريع بين القاهرة والإسكندرية. وبعد عشر سنوات، لا تزال الحقيقة القضائية غائبة: إذ توقّف مجددًا، في أكتوبر الماضي، المحاكمة المعلّقة في روما، والتي يُحاكم فيها أربعة عناصر من أجهزة الاستخبارات المصرية لم يحضروا أي جلسة، ولا يُعرف موعد استئنافها.
القضية القضائية لمقتل «ريجيني» معقدة، وتقدمت ببطء نتيجة رفض السلطات المصرية المستمر للتعاون. وشهدت التحقيقات محاولات تضليل عديدة، تعقّدت أكثر بسبب علاقات إيطاليا الوثيقة بمصر. في المقابل، كانت تعبئة المجتمع المدني للمطالبة بالحقائق والعدالة هائلة: تشكّل فريق لمواصلة الجهود، وعلّقت عشرات البلديات والمدارس والجامعات والجمعيات لافتات صفراء صممتها منظمة العفو الدولية بالتعاون مع صحيفة "ريبوبليكا"، وأُقيمت اعتصامات وتظاهرات، ولا تزال هناك "مقاعد صفراء" مخصصة لذكراه في أنحاء إيطاليا.
وكان للجهود المستمرة التي قادها والداه، «باولا ديفندي» و«كلاوديو ريجيني»، إلى جانب المحامية «أليسّاندرا باليريني»، الدور الأكبر في إبقاء القضية حية. وفي يوم الجمعة، شكروا جميع الأشخاص الذين ساهموا في منع نسيان هذه "القصة المأساوية لانتهاك حقوق الإنسان".
سيرة «ريجيني»
ولد «جوليو ريجيني» في 15 يناير 1988 في «فيوميشييلو فيلا فيتشينتينا»، بلدية صغيرة بمحافظة «أوديني» في إقليم «فريولي فينيتسيا جوليا». منذ 2014، كان طالب دكتوراه في جامعة «كامبريدج»، ووصل إلى مصر لأول مرة في سبتمبر 2015 لإجراء بحث حول النقابات المستقلَّة لبائعي الطرق، بتكليف من أستاذته «مها عبد الرحمن»، التي وضعته على اتِّصال بالباحثة «رباب المهدي» من الجامعة الأمريكية في القاهرة. بدورها، ربطته «المهدي» بِـ «هدى كامل»، مسؤولة المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي عرّفته بِـ «محمد عبد الله»، زعيم نقابة الباعة الجائلين.
حسب التحقيقات، كان «عبد الله» هو من أبلغ الأجهزة الأمنية المصرية عن أنشطة «ريجيني».
قبل الاختفاء، عاد «ريجيني» إلى إيطاليا لقضاء عطلة عيد الميلاد، ثم عاد إلى مصر في أوائل يناير 2016. في مساء 25 يناير، خرج من منزله لحضور عيد ميلاد صديقه «جِنّارو جيرفاسيو». كشفت التحقيقات أن هاتفه التقط إشارة أقرب محطة مترو "الدقي" الساعة 19:51. وفي نحو الساعة 20:25، أصبح الهاتف مغلَقًا، وأبلغ صديقه السلطات بعد ساعتين.
أحداث الاختفاء والقتل
جمع المحقِّقون الإيطاليون شهادات أشخاص رأوه مساء ذلك اليوم، حيث يُعتقَد أنه جرى احتجازه في مركز شرطة «الدقي»، ثم نقله إلى مبنى تابع لوزارة الداخلية المصرية، المعروف بالتعذيب إلى درجة حمل اسم «سلخانة لاظوغلي». عُرف عن اختفاء «ريجيني» في 31 يناير، فيما نفى النظام المصري أي معرفة بالحادثة. وعُثر على جثته في 3 فبراير على حافة طريق «الإسكندرية»، شبه عارية وغير قابلة للتعرُّف عليها بسبب التعذيب: كسور في 7 أضلاع و15 كسرًا في الجسم، و5 أسنان مكسورة، وحروق سجائر وجروح في الرأس والوجه والأرجل وباطن القدمين. وأظهرت التشريح أن التعذيب استمرَّ لأيَّام، وربَّما فارق الحياة بسبب كسر في فقرة عنقية.
أوضحت والدته «باولا ديفندي» أن النقطة الوحيدة القابلة للتعرف عليها كانت طرف أنفه، وقالت إن وجهه أصبح "صغيرًا جدًا" نتيجة العنف، وقد رأته يحمل "كل شرور العالم"، وهو عنوان فيلم وثائقي حديث عن قصته أنتجته شركة «فاندانغو» وعُرض مؤخرًا في روما.
خلفية سياسية
يُعتقد منذ البداية أن ريجيني قُتل لأسباب سياسية تتعلق ببحثه عن النقابات وحقوق العمال في مصر، التي يحكمها نظام «عبد الفتاح السيسي». ونفت السلطات المصرية لفترة طويلة أي تورط، وقدمت روايات متعددة مضللة، بينها الحوادث المرورية أو السرقة أو جرائم تتعلَّق بعلاقات شخصية أو تجارة مخدرات، جميعها تم دحضها لاحقًا.
في سبتمبر 2016، اعترفت مصر بأن شرطة القاهرة حقَّقت مع «ريجيني» لمدَّة ثلاثة أيام، بناءً على إشعار من «عبد الله»، الذي بدأ بالتعاون مع السلطات الإيطالية منذ أكتوبر 2015.
التحقيقات والمواقف الرسمية
واجه المحقِّقون الإيطاليون عراقيل من السلطات المصرية منذ البداية. ردََّا على ذلك، قرَّرت الحكومة الإيطالية برئاسة «ماتيو رينسي» سحب السفير الإيطالي من مصر في أبريل 2016، ثم عُيِّن سفير جديد في أغسطس 2017 بعد تعاون أكبر من النيابة في «الجيزة».
رغم إدانة قتل «ريجيني»، تبنَّت الحكومات الإيطالية مواقف متباينة اتجاه مصر، نظرًا لمصالح إيطاليا الاقتصادية في البلاد، أهمها شركة الطاقة "إيني". وفي ظل حكومة «جورجا ميلوني»، استمرَّ التعاون مع النظام المصري في مجالي الطاقة والزراعة، بما في ذلك تصنيف مصر كدولة "آمنة" في 2024.
المحاكمة
في يناير 2021، طلبت النيابة الإيطالية إحالة الجنرال «طارق صابر» والعقيدين «آثار كامل» و«حسام حلمي»، والرائد «مجدي شريف» إلى المحاكمة بتهم الاختطاف والقتل والتعذيب، لكن لم تُسلم الوثائق للأطراف المتهمين لعدم تعاون السلطات المصرية. كان من المقرَّر أن تبدأ المحاكمة في أكتوبر 2021، لكنها توقَّفت فورًا، وأُعيد استئنافها في فبراير 2024 بعد قرار المحكمة الدستورية. توقف سير المحاكمة مرة أخرى في 23 أكتوبر، بانتظار قرار المحكمة الدستورية بشأن حقوق الدفاع في حال غياب المتهمين، مع احتمال استئنافها خلال أشهر قليلة.
فعاليات الذكرى العاشرة
نُظمت سلسلة لقاءات في «فيوميشييلو فيلا فيتشينتينا»، مقر عائلة «ريجيني»، تزامنًا مع عرض الفيلم الوثائقي كل شرور العالم. وتحمل الفعالية عنوان كتاب والديه والمحامية «أليسّاندرا باليريني»: “جوليو يستمر في القيام بأشياء…”، لتوثيق قصة حياته.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.