وتأتي هذه الوفيات امتدادًا للأرقام الصادمة التي شهدها عام 2025 بأكمله، لتعيد تسليط الضوء على الأوضاع الحرجة التي يعاني منها النظام السجني الوطني، المثَقل بمشكلة الاكتظاظ المزمن، والنقص الحاد في الكوادر، وغياب المسارات الفعّالة لمعالجة الهشاشة والاضطرابات النفسية لدى النزلاء.
في «بادوفا»، جاءت الوقائع متسارعة وبصورة لافتة. فصباح الأربعاء 28 يناير، أقدم سجين يبلغ من العمر 74 عامًا، كان بانتظار نقله إلى مؤسَّسة أخرى، على الانتحار داخل زنزانته. وبعد ستٍ وثلاثين ساعة فقط، أنهى رجل أخر، يبلغ 36 عامًا، حياته شنقًا في حمَّام زنزانته. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، شهدت «فيرينسي» انتحر شاب يبلغ 29 عامًا، بعد العثور عليه داخل زنزانته وقد لَفَّ عنقه بملاءة سرير.
ولا تُعدّ هذه الحوادث، للأسف، وقائع معزولة، بل تُمثّل مؤشِّرًا واضحًا على أزمة بنيوية مستمرَّة منذ سنوات. وكما تشير تقارير العديد من الجمعيات الحقوقية، يُعدّ سجن «دُوِ بالاتسي» في «بادوفا» نموذجًا صارخًا لهذه الأزمة، إذ يضمُّ 670 نزيلًا في حين لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 432 مكانًا، ما يعني نسبة اكتظاظ تبلغ 155 في المئة.
وعلى الصعيد الوطني، يقترب عدد السجناء من 64 ألفًا مقابل ما يزيد قليلًا على 46 ألف مكان نظامي، في وقت يشهد فيه جهاز الشرطة السجنية تراجعًا في أعداده، مع تقدير الحاجة إلى نحو 20 ألف عنصر إضافي. ويؤكِّد «أَليسو سكاندورا»، من جمعية «أنتيغوني»، أن «حالات الانتحار داخل السجون تُعدّ أحد المؤشِّرات الأكثر دلالة على واقع النظام السجني الإيطالي»، مضيفًا أنها «تكشف عن حالة طوارئ حقيقية لا يجري التعامل معها بأي شكل جِدِّي».
علاوة على ذلك، يرى منتقدون وعاملون في القطاع أن استجابة المؤسَّسات لهذه الأزمة الإنسانية تبدو قاصرة تمامًا عن مواجهة حجمها الحقيقي. ففي سجن «دُوِ بالاتسي» في «بادوفا»، أثار قرار إغلاق جناح «المراقبة المشدَّدة» ونقل 23 سجينًا إلى مؤسَّسات أخرى خلال ساعات الليل — ومن بينهم السجين البالغ 74 عامًا الذي أقدم لاحقًا على الانتحار — جدلًا واسعًا.
وقد أدّت هذه الخطوة عمليًا إلى وقف مفاجئ لبرامج التأهيل وإعادة الإدماج التي كانت تديرها التعاونيات الاجتماعية، ما أسهم في تعميق عزلة السجناء. وفي هذا السياق، علّق «دافيد ريتسو» (David Rizzo)، رئيس «ليغاكوب فينيتو»، قائلًا إن «مثل هذه القرارات تبدو وكأنها تستهدف تقويض تجربة إيجابية بدلًا من إدارة سياسة سجنية رشيدة».
في المقابل، تصاعدت وتيرة تحرُّك المجتمع المدني بسرعة. فقد قام متطوِّعون بربط وردتين حمراوين على بوابة سجن «بادوفا» تعبيرًا عن الحداد والاحتجاج، فيما دعا مركز «بيدرو» الاجتماعي إلى وقفة احتجاجية في الثالث من فبراير، بمشاركة عدد من الجمعيات، معتبرًا أن «المسؤولين معروفون بالأسماء ويتولّون مناصب في الحكومة».
كما تَدخَّل أسقف «بادوفا»، المونسنيور «كلاوديو تشيبولا» (Claudio Cipolla)، مؤكدًا أن عمليات النقل هذه أدَّت إلى «قطع مسارات إنسانية ومهنية وروحية أساسية»، في إشارة إلى الآثار العميقة التي خلَّفتها هذه الإجراءات على حياة السجناء.
وإذا كان عام 2024 قد شهد قبول 5,837 شكوى تتعلَّق بسوء المعاملة اللاإنسانية أو المهينة — بزيادة قدرها 23.4 في المئة مقارنة بالعام السابق — وفق ما أورده التقرير الموجز الصادر عن جمعية «أنتيغوني»، فإن النظام السجني الإيطالي أنهى عام 2025 وهو غارق في أزمة عميقة ومتفاقمة.
وتكشف الأرقام عن مستوى غير مسبوق من الاكتظاظ، وظروف احتجاز تُوصَف في كثير من الأحيان بغير اللائقة، إلى جانب حصيلة مأساوية من حالات الانتحار خلف القضبان. هذا الاكتظاظ الحاد يترجم عمليًا إلى انتهاكات يومية لكرامة السجناء. فقد أظهر التحليل أنه «في 42.9 في المئة من أصل 120 سجنًا جرى تَفَقُّدها، ومن بين 71 استمارة أُنجزت معالجتها حتى الآن، لا يُضمن الحد الأدنى البالغ ثلاثة أمتار مربعة من المساحة الحيوية لكل شخص».
كما تبدو أوجه القصور البنيوية واسعة الانتشار؛ ففي 10 في المئة من المؤسَّسات السجنية لم يكن نظام التدفئة يعمل بصورة منتظمة، بينما سُجِّلت مشكلات تتعلَّق بالمياه الساخنة أو بسوء الأوضاع الصحية في 45.1 في المئة منها. ولا تزال أكثر من نصف السجون (56.3 في المئة) تضمُّ زنازين تفتقر إلى الدُّش، رغم أنَّ اللوائح التنظيمية الصادرة عام 2000 تنصُّ على إلزاميته.
ويمتد الخلل ليشمل المرافق الأساسية اللازمة لبرامج التأهيل وإعادة الإدماج، إذ تغيب في نسبة مرتفعة من السجون المساحات المخصَّصة للتواصل الاجتماعي، والتعليم، والأنشطة المهنية. وتشير البيانات المسجَّلة في المؤسَّسات التي جرى تفقُّدها إلى معدل وسطي يبلغ 16.7 حالة إيذاء للذات لكل 100 سجين، و2.6 محاولة انتحار، و16.4 حالة عزل تأديبي لكل 100 شخص.
ويبقى المؤشِّر الأكثر فداحة هو عدد الوفيات داخل السجون، حيث سُجّل خلال عام 2025 ما مجموعه 238 حالة وفاة، من بينها 79 حالة انتحار.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.