أولًا، كانت إيران على علمٍ كامل بمخطط الهجوم، وقد أخلت مجالها الجوي مسبقًا عبر إصدار إشعار ملاحي جوي (NOTAM)، ما أفقد القوات الأمريكية عنصر المفاجأة، وهو عنصر حاسم في أي عملية عسكرية من هذا النوع.
ثانيًا، لم يتمكن مستشارو «ترامب» من تقديم ضمانات كافية بشأن نجاح الهجوم، لا سيما فيما يتعلق بإمكانية إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.
ثالثًا، حذّر المستشارون الرئيس الأمريكي من أن إيران قد ترد على أي عدوان جديد برد «مدمّر»، بما يفتح الباب أمام تصعيد واسع النطاق.
في هذا السياق، قرر «ترامب» إرسال مزيد من القوات «الدفاعية والهجومية» إلى الشرق الأوسط، بهدف تمكين الولايات المتحدة—في ظل غياب عنصر المفاجأة—من تنفيذ ضربات قوية، وفي الوقت نفسه حماية مواقعها وقواتها المنتشرة في المنطقة. ويأتي نشر حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية البحرية ضمن هذا الإطار، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: بأي ثمن؟
للتذكير، خاضت الولايات المتحدة على مدى عامين حربًا جوية وبحرية ضد اليمنيين (أنصار الله – الحوثيين)، دون أن تتمكن من تأمين سلامة السفن الغربية ضمن عملية «حارس الازدهار» (Guardian Prosperity). واضطر الرئيس الأميركي السابق «جو بايدن» إلى إنهاء هذه المواجهة مع اقتراب نهاية ولايته.
ومع وصول «ترامب» إلى السلطة، قرر تصعيد الانخراط العسكري، ما أسفر عن مقتل مئات المدنيين اليمنيين، دون أن ينجح في وقف الهجمات الصاروخية، سواء الباليستية أو المجنحة أو المضادة للسفن، إضافة إلى هجمات الطائرات المسيّرة. وخلال هذه المواجهات، فقدت حاملة الطائرات USS Harry Truman مقاتلة من طراز FA-18 سقطت في البحر أثناء محاولة تنفيذ مناورة التفاف حادّة لتفادي صاروخ معادٍ.
وفي نهاية المطاف، وجد «ترامب»—الذي كان يطالب بوقف الهجمات على إسرائيل—نفسه مضطرًا إلى طلب وقف لإطلاق النار، من دون أي ضمانات أمنية حقيقية لصالح إسرائيل.
وعلى الرغم من تجربة الفشل هذه في مواجهة اليمن، قرر «ترامب» إرسال قطعه البحرية باتجاه إيران، الدولة التي تمتلك ترسانة صاروخية وطائرات مسيّرة أكثر تنوعًا وتدميرًا وأطول مدى بكثير من تلك التي يمتلكها اليمنيون. ويصف مراقبون هذا التوجه بأنه أقرب إلى «مغامرة انتحارية».
تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، بحكم ما يُوصف بـ«العقلية الإمبريالية»، نجحت في إبعاد ساحات الحرب عن أراضيها، في حين لا تمتلك إيران—على الأقل رسميًا—القدرة على ضرب الأراضي الأميركية مباشرة. إلا أن إرسال المزيد من السفن الحربية الأميركية إلى مقربة من السواحل الإيرانية يعني، عمليًا، توفير عدد أكبر من الأهداف المباشرة لإيران.
ولا ينبغي الانخداع باستعراضات القوة؛ فحاملات الطائرات تُعد رمزًا لهيبة القوة الأميركية، ولهذا السبب تحديدًا قد تسعى إيران إلى استهدافها بقسوة، بهدف كسر هذه الهيبة أمام أنظار العالم وإجبار «واشنطن» على العودة إلى طاولة التفاوض.
على مدى عقود، وضعت إيران خططًا متعددة لتدمير حاملات الطائرات الأميركية في حال اندلاع مواجهة بحرية شاملة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يشهد العالم نتائج سنوات طويلة من التخطيط العسكري الإيراني، مقابل الثمن الباهظ الذي قد تدفعه الإمبريالية الأميركية جراء هذه المغامرة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.