وشهدت التظاهرة مشاركة أكثر من 200 جهة، تنوعت بين مراكز اجتماعية ومنظمات غير حكومية وأطراف من المشهد السياسي، إلى جانب حركات وجماعات ناشطة، من بينها «آ فوراس» من سردينيا، وحركة «لا لتاف» (No TAV)، و«فرايدايز فور فيوتشر»، والرابطة الوطنية للمحاربين القدامى (ANPI)، واتحاد الجمعيات الثقافية (ARCI)، و«ألف مادلينز»، وغيرها.
وفي المقابل، انتشرت قوات أمنية كثيفة لتأمين المدينة، قُدّر عدد عناصرها بما لا يقل عن ألف عنصر، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية. وبعد أن جاب الموكب شوارع تورينو، غيّر مساره باتجاه شارع «كورسو ريجينا»، متجهًا إلى المبنى رقم 47، حيث يقع مقر المركز الاجتماعي الذي تم إخلاؤه.
وعند وصول الموكب إلى المكان، اندلعت مواجهات عنيفة بين مجموعة من المتظاهرين وقوات الشرطة، تخللتها عمليات تبادل مكثف لإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والمفرقعات، وأسفرت عن وقوع إصابات في صفوف الطرفين.
In trenta contro un poliziotto steso a terra. Calci, pugni, martellate sulla schiena e sulle gambe. Di nuovo i maledetti di Askatasuna protetti dalla sinistra. Urgono arresti a raffica, non ci sono più scuse. Anni di galera, subito!#31gennaio2026 #31gennaio #Torino #Askatasuna pic.twitter.com/CI1zOObMBk
— Alessandro Gonzato (@GonzatoA) January 31, 2026
رفع بعض المشاركين لافتات، فيما أمسك آخرون بأيدي أطفالهم، بينما دفع بعضهم عربات صغيرة محمّلة بالمياه والسندويشات والنبيذ والبيرة. وقد ازدانت شوارع المدينة بأعلام كثيرة ومتنوعة، إلا أنها حملت جميعها رسائل متشابهة، أبرزها: لا للاعتداء على فضاءات التجمع، لا لسياسات الحرب، ولا لإعادة التسلّح.
Torino says No to EU Militarisation, says No to EU support for the Genocide in Gaza, says No to the growth of Fascism in the EU. Torino wants Peace not War... pic.twitter.com/Rnoc2rwCV8
— Mick Wallace (@wallacemick) January 31, 2026
وآلاف الأشخاص الذين نزلوا إلى الشوارع اليوم تحدّوا الحكومة وخطابها القائم على التشدد والقمع، متوافدين إلى عاصمة إقليم بيدمونت للمشاركة في المسيرة إلى جانب مركز «أسكاتاسونا» الاجتماعي. وأراد المتظاهرون، من خلال هذا الحشد، التأكيد على أنه حينما تغلق المؤسسات أبواب الحوار وتختفي قنوات التواصل، لا تزال المجتمعات قادرة على إنتاج التضامن من داخل صفوفها.
ولم يقتصر هذا التضامن على الحدود الوطنية، إذ امتد ليشمل مشاركين قدموا من فرنسا ومن دول أوروبية أخرى، في مشهد عكس طابعًا عابرًا للحدود للاحتجاجات التي شهدتها تورينو.
انطلقت ثلاثة مسارات منفصلة للمسيرة في ساعات بعد الظهر الأولى من نقاط مختلفة في وسط مدينة تورينو، قبل أن تلتقي في ساحة «فيتوريو» وتتابع معًا القسم الأخير من الطريق باتجاه حي «فانكيليا»، الذي يخضع لانتشار أمني مكثف منذ أكثر من شهر.
ومنذ إخلاء المركز الاجتماعي، تنتشر عربات الشرطة والأسلاك الشائكة وعشرات العناصر الأمنية في المنطقة، ولا سيما في محيط المقر السابق للمركز الواقع في شارع «كورسو ريجينا» رقم 47، في إجراء أثار استياء السكان المحليين دون اكتراث يُذكر بتداعياته على حياتهم اليومية.
وإلى جانب التعبير عن التضامن مع المركز الاجتماعي الذي تم إخلاؤه، هدفت المسيرة إلى إعلان الرفض الكامل من جانب المجتمع المدني للسياسات الحكومية القمعية ولسياسات إعادة التسلّح، فضلًا عن تجديد الدعم للقضية الفلسطينية والمطالبة بوقف ما وصفه المتظاهرون بـ«الإبادة الجماعية».
ومنذ ساعات الصباح الأولى، كثّفت قوات الأمن إجراءاتها، مع إقامة حواجز تفتيش على امتداد الطرق السريعة المؤدية إلى تورينو وعند مداخلها. كما أفاد عدد من النشطاء بانتشار عناصر من جهاز الاستخبارات الداخلية (DIGOS) في مناطق مختلفة من المدينة، حيث جرى توقيف أشخاص سيرًا على الأقدام للتحقق من هوياتهم.
ولم تقتصر الإجراءات على ذلك، إذ شملت عمليات تفتيش وقائية المعابر الحدودية في «فريجوس» و«مونجنيفرو»، إضافة إلى وسائل النقل السككي والجوي. وبحسب المعطيات الرسمية، جرى التعرف على هويات 747 شخصًا قبل انطلاق التظاهرة، وتفتيش 236 مركبة و4 طائرات، فيما صدرت 24 أوامر إبعاد إداري (فogli di via) تمنع أصحابها من دخول تورينو لفترات تراوح بين عام وثلاثة أعوام، إلى جانب توجيه 10 إنذارات رسمية، وفرض 7 أوامر منع دخول حضرية (DACUR).
بعد أن جابت المسيرة الشوارع المحيطة بوسط المدينة، توجّه المتظاهرون نحو المقر الواقع في شارع «كورسو ريجينا» رقم 47، الذي كان يخضع لحراسة مشددة من عشرات عربات الشرطة وعناصر الأمن المجهزين بمعدات مكافحة الشغب، إضافة إلى شاحنات خراطيم المياه ومروحية حلّقت لساعات فوق وسط المدينة.
وأعقب ذلك اندلاع مواجهات عنيفة بين عدد من النشطاء وقوات الشرطة، استمرت بين السادسة والثامنة مساءً. وشهدت المواجهات إلقاء مفرقعات نارية وألعاب نارية من جانب بعض المتظاهرين، قابلتها قوات الأمن بإطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع واستخدام خراطيم المياه، فيما أفادت تقارير بتعرّض عدد من المحتجين للضرب باستخدام الهراوات.
وخلال الاشتباكات، أقدم بعض النشطاء على إضرام النار في إحدى عربات الشرطة، كما أقاموا متاريس في وسط شارع «كورسو ريجينا» باستخدام حاويات القمامة وعربات التسوق، قبل أن تقوم قوات الأمن بتفريقهم ودفعهم نحو شارع «فيا روسيني» والأزقة المحيطة.
وكما جرت العادة، كانت هذه التطورات كفيلة باستقطاب اهتمام الساحة السياسية. ففي تجاهل لمشاركة نحو 50 ألف شخص قدموا من مختلف أنحاء إيطاليا للاحتجاج على سياسات حكومتها، سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى إدانة ما جرى في المدينة، واصفة الأحداث بأنها «خطيرة وغير مقبولة».
وقالت ميلوني إن «إخلاءً قانونيًا لمبنى كان مشغولًا بصورة غير شرعية جرى استخدامه ذريعة لإشعال أعمال عنف». غير أن منظمي الاحتجاجات ومؤيدي مركز «أسكاتاسونا» الاجتماعي يقدّمون رواية مغايرة، مؤكدين أنه عند تنفيذ العملية الأمنية في ديسمبر الماضي، كان المركز يشغل المبنى بشكل قانوني، في إطار اتفاق مع البلدية، وكان يدفع بدل الإيجار، كما تولّى تمويل أعمال التأهيل والترميم من موارده الخاصة.
وبحسب هذه المصادر، فإن تلك الاستثمارات ذهبت سدى بعدما ألحقت العملية الأمنية أضرارًا جسيمة بالمبنى، ما أدى إلى تدمير داخله وإحباط أشهر من العمل الجماعي. ويقول محتجون إن هذه التطورات ساهمت في تأجيج الغضب الشعبي، معتبرين أن ما جرى يعكس نهجًا حكوميًا يعتمد «القوة المفرطة»، ويهدف إلى إسكات الفضاءات التي تمثّل معارضة فعّالة، وبالتالي مزعجة للسلطة.
Quanto accaduto oggi a Torino, durante il corteo degli antagonisti contro lo sgombero dello stabile Askatasuna, è grave e inaccettabile.
Uno sgombero legittimo di un immobile occupato illegalmente è stato usato come pretesto per scatenare violenze, incendi, lanci di bombe carta… pic.twitter.com/AtVLzMVxfD
وفي هذا السياق، لفت ناشطون إلى أن الحساب الرسمي لرئيسة الوزراء على منصة «إكس» نشر مقطع فيديو يُظهر تعرّض أحد عناصر الشرطة للاعتداء من قبل مجموعة محدودة من النشطاء، في حين لم تُنشر، بحسبهم، مشاهد تُظهر اعتداءات عناصر أمن على متظاهرين غير مسلحين كانوا ممددين على الأرض.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.