![]() |
| الأميرة ميتّه-ماريت، وليّة عهد النرويج، خلال الاحتفالات الوطنية في أوسلو، 17 مايو 2024. |
الاعتذار بحد ذاته ليس حدثًا عابرًا في بلد مثل النرويج، حيث تحظى الملكية بمكانة رمزية عالية، وتُقاس مصداقيتها بمدى الالتزام بالقيم الأخلاقية العامة. وقد بدا واضحًا أن الأميرة حاولت، عبر بيان رسمي صادر عن القصر الملكي في «أوسلو»، احتواء الضرر المعنوي، معترفة بسوء التقدير، ومؤكدة أن بعض الرسائل المتبادلة بينها وبين «إبستين» «لا تمثل الشخص الذي تريد أن تكونه».
غير أن أهمية القضية لا تكمن في مضمون الرسائل، التي لم يُثبت أنها تنطوي على أفعال غير قانونية، بل في السياق الأوسع: كيف يمكن لشخصية عامة، تتمتع بمكانة رمزية عالية، أن تحافظ على علاقات اجتماعية مع رجل كان قد أُدين بالفعل عام 2008 بجرائم جنسية بحق قاصرات؟ وأين تبدأ وتنتهي مسؤولية “الحكم الأخلاقي” لدى النخب السياسية والملكية؟
اللافت أن هذا هو الاعتذار الثاني الذي تقدمه «ميتّه-ماريت» خلال أسبوع واحد، ما يعكس إدراكًا متأخرًا لخطورة الأثر التراكمي للقضية، خاصة أنها تتزامن مع محاكمة نجلها، «ماريوس بورغ هويبي»، في أوسلو بتهم جنائية خطيرة، من بينها اتهامات بالاغتصاب. هذا التزامن جعل الضرر مضاعفًا، ليس فقط على مستوى الصورة العامة، بل على مستوى الثقة في العائلة المالكة نفسها.
في الأنظمة الملكية الدستورية، لا تُقاس المسؤولية فقط بالقانون، بل أيضًا بالرمزية. فالملوك والأمراء لا يُحاسبون كالساسة المنتخبين، لكنهم مطالبون بسلوك يُجسّد المعايير الأخلاقية العليا للمجتمع. ومن هنا، فإن أي ارتباط، ولو اجتماعيًا، مع شخصية مثل «إبستين»، لا يمكن اعتباره “سوء تقدير شخصي” فحسب، بل إخفاقًا في إدراك وزن الموقع والتمثيل.
القصر الملكي حاول احتواء الأزمة بسرعة وشفافية نسبية، وهو ما يُحسب له في بيئة إعلامية لا تتسامح مع الغموض. غير أن السؤال الأعمق يبقى: لماذا استمرت شخصيات من الصف الأول، سياسيًا وماليًا وملكيًا، في التعامل مع «إبستين» حتى بعد إدانته العلنية؟ ولماذا لم يكن السجل الجنائي كافيًا لقطع العلاقات؟
قضية «ميتّه-ماريت» لا تدينها قانونيًا، لكنها تضعها أمام اختبار أخلاقي قاسٍ. فهي تذكير بأن “البراءة القانونية” لا تعفي من المساءلة الرمزية، وأن النفوذ لا يحمي من تداعيات الارتباطات الخاطئة، حتى إن جاءت في الماضي.
في نهاية المطاف، لا تهدد هذه القضية العرش النرويجي، لكنها تضعه أمام لحظة مراجعة. فالملكية، إن أرادت الحفاظ على شرعيتها المعنوية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالوضوح، وبالاعتراف بأن الصمت أو التساهل مع الخطأ، مهما كان قديمًا، لم يعد خيارًا مقبولًا في زمن الشفافية القسرية.
وزعمت قناة "BMF" الإخبارية الفرنسية أن النرويجيين كانوا يعلمون منذ عام 2019، وهو عام توقيف «جيفري إبستين»، أن وليّة عهد النرويج، الأميرة «ميتّه-ماريت »، قد تعرّفت إلى الملياردير الأميركي المدان بجرائم جنسية بحق قاصرات، عبر معارف مشتركين. غير أن ما لم يكن معروفًا آنذاك هو طبيعة هذه العلاقة وحدودها الفعلية.
الوثائق القضائية التي كُشف عنها مؤخرًا، والتي يظهر فيها اسم الأميرة مرات عديدة، تسلّط الضوء على مستوى من القرب والتواصل لم يكن متوقعًا، ما أثار موجة جديدة من الجدل داخل النرويج، ووضع العائلة المالكة في موقف حرج.
وتجد وليّة العهد، التي يُنتظر أن تصبح ملكة النرويج مستقبلًا، نفسها اليوم أمام ضغوط متزايدة لتقديم تفسيرات واضحة حول هذه العلاقة، في وقت تعيش فيه أصلًا حالة من الاضطراب بسبب محاكمة نجلها، ماريوس بورغ هوَيبي، بتهم اغتصاب، وهي قضية ألقت بظلال ثقيلة على صورة العائلة الملكية خلال العامين الماضيين.
ورغم عدم توجيه أي اتهامات قانونية للأميرة، فإن القضية أعادت فتح نقاش واسع في النرويج حول المسؤولية الأخلاقية للشخصيات العامة، وحدود ما يمكن اعتباره خطأ شخصيًا في مقابل تبعاته الرمزية على مؤسسة ملكية تقوم، في جزء كبير من شرعيتها، على الثقة والقدوة.
قضية «إبستين»، مرة أخرى، لا تتعلق برجل واحد، بل بمن سمحوا له بالبقاء “طبيعيًا” داخل دوائرهم. والاعتذار، مهما كان صادقًا، لا يُغني عن السؤال الأكبر: كيف نمنع تكرار ذلك؟

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.