«إبستين» والسلطة المالية: حين تصبح “الاحترامية” غطاءً للفشل الأخلاقي - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

«إبستين» والسلطة المالية: حين تصبح “الاحترامية” غطاءً للفشل الأخلاقي

«إبستين» والسلطة المالية: حين تصبح “الاحترامية” غطاءً للفشل الأخلاقي

الإيطالية نيوز، الأحد 8 فبراير 2026 – ماذا لو لم يكن جوهر فضيحة «جيفري إبستين» كامنًا في الأسماء التي يسهل تداولها إعلاميًا، بل في تلك التي نادرًا ما تُذكر؟


ليس في الوجوه المستهلكة التي تتحول إلى مادة فضائحية عابرة، بل في العلاقات المؤسسية الهادئة، المستقرة، والممتدة زمنيًا، بين «إبستين» ودوائر من السلطة الاقتصادية المندمجة بالكامل في المنظومة الأوروبية والغربية.


الأسئلة الأكثر إزعاجًا لا تتعلق بصداقات عرضية أو صور قديمة، بل بكيفية استمرار «إبستين»، بعد إدانته الجنائية عام 2008 في الولايات المتحدة بجرائم جنسية بحق قاصرات، في العمل داخل شبكات نفوذ عليا، بوصفه مستشارًا، وسيطًا، أو “مسهل علاقات” لدى مؤسسات مالية كبرى. هنا تحديدًا، لا يعود الأمر فضيحة شخصية، بل يصبح فشلًا مؤسسيًا.


الوثائق القضائية الأميركية التي كُشف عنها ضمن ما يُعرف بـ“ملفات إبستين” — وتشمل مراسلات إلكترونية، أجندات، وشهادات — تشير إلى علاقات مهنية متواصلة بين «إبستين» ومجموعة «إدموند دو روتشيلد» المصرفية، خصوصًا بعد عام 2013، أي بعد سنوات من إدانته العلنية. وبحسب ما ورد في هذه الوثائق، قدّم «إبستين» نفسه في أكثر من مناسبة بوصفه مستشارًا أو ممثلًا غير رسمي للمجموعة، مستخدمًا هذا الموقع لتعزيز حضوره ومصداقيته داخل دوائر المال والنفوذ.


المجموعة المصرفية، التي تتخذ من سويسرا مقرًا لها وتقودها «أريان دو روتشيلد» (Ariane de Rothschild) منذ عام 2012، أقرت بوجود علاقة مهنية معه، وبدوره كوسيط في التواصل مع كبار أصحاب الثروات في الولايات المتحدة. وهي علاقة، بحكم طبيعتها ومدتها وتعدد المتعاملين معها داخل المؤسسة، تطرح سؤالًا مشروعًا: هل كان من الممكن فعلًا تجاهل السجل القضائي ل«إبستين»، وهو الذي كان موثقًا ومتاحًا على نطاق واسع في الإعلام الدولي؟


الإشكالية هنا لا تكمن فقط في «إبستين» نفسه، بل في آلية “التطبيع” التي سمحت له بالاستمرار. كيف يُعاد دمج شخص مُدان بجرائم جسيمة في أعلى مستويات القرار المالي؟ ما الذي يجعل الكفاءة أو المنفعة أو القدرة على جلب الصفقات تتقدم على الاعتبارات الأخلاقية الأساسية؟ وأي رسالة تُبعث حين تُمنح “الاحترامية المهنية” لمن ثبت خطره؟


الأخطر أن هذه الحالة لا تبدو استثناءً، بل عرضًا لمرض أعمق داخل بعض دوائر النخبة الاقتصادية، حيث يُغفر كل شيء تقريبًا طالما أن الشخص “مفيد”، و”فعّال”، و”يعرف من يُكلم”. في هذا السياق، لا يصبح السؤال: ماذا فعل «إبستين»؟ بل: لماذا استمر الآخرون في التعامل معه؟


إن بقاء «إبستين» داخل هذه الشبكات، حتى وفاته عام 2019، يكشف خللًا بنيويًا في العلاقة بين المال والسلطة، حيث تُدار القرارات وفق قواعد غير مكتوبة، بعيدة عن أي مساءلة عامة. وهو خلل لا يطال سمعة مؤسسة واحدة، بل يضرب في عمق الثقة بالمؤسسات ككل.


في المحصلة، تطبيع «إبستين» ليس مجرد فضيحة أخلاقية، بل مؤشر على أزمة أوسع: أزمة قيم، ومسؤولية، وقدرة النخب على إدراك تبعات أفعالها. إنها قضية تتجاوز شخصًا واحدًا، لتطال منظومة كاملة سمحت — بالصمت أو التساهل أو المصلحة — بأن يتحول مجرم مُدان إلى فاعل “طبيعي” في قلب النظام.


والحقيقة، مهما كانت ثقيلة، لا يمكن تجاوزها. فحين تفشل المؤسسات في حماية القيم الأساسية، يصبح واجب المجتمع، والإعلام، والقضاء، أن يطرحوا الأسئلة الصعبة، لا انتقامًا، بل دفاعًا عن المعنى نفسه للمسؤولية والعدالة، وعن حق الضحايا في ألا يُمحى وجودهم باسم النفوذ.

ليست هناك تعليقات:

صحة وطب

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك