ومن المقرَّر أن تُجرى في كولومبيا في الثامن من مارس انتخابات لتجديد البرلمان، إلى جانب انتخابات تمهيدية داخل الأحزاب لاختيار مرشحي الانتخابات الرئاسية المقررة في 31 مايو. ولا يحق ل«بيترو» الترشح مجدَّدًا، إلَّا أنَّه سعى في الأشهر الأخيرة إلى حماية إرث حكومته، التي تُعد أول حكومة يسارية في تاريخ البلاد، وسط أزمة سياسية مستمرَّة.
وخلال اجتماع لمجلس الوزراء، قال «بيترو» إنَّ أشخاصًا حاولوا، في اليوم السابق، إطلاق النار على المروحية التي كان يستقلُّها، ما اضطرَّها إلى تغيير مسارها والبقاء في الجو لأربع ساعات قبل الهبوط في موقع بديل لأسباب أمنية. ولم يُقدِّم الرئيس أي دليل على الواقعة، كما لم يُحدِّد هوية المشتبه بهم.
كما تحدَّث عن مخطَّط أخر وصفه مراقبون بـ«الغريب»، قائلاً إن مسؤولين كبارًا في الشرطة حاولوا وضع «مواد ذات تأثير نفسي» في سيارته الرئاسية أثناء وجوده في واشنطن للقاء الرئيس الأميركي «دونالد ترامب». وبحسب روايته، كان الهدف مزدوَجًا: افتعال عملية ضبط مخدِّرات غير قانونية ونَيل الفضل فيها، وتعزيز صورة سلبية عنه لدى الإدارة الأميركية عبر الإيحاء بارتباطه بتهريب المخدِّرات.
وكان «ترامب» قد وجَّه اتهامات مماثلة لِـ «بيترو» في الأشهر الماضية من دون تقديم أدلَّة. كما أنَّ الولايات المتحدة سبق أن وجَّهت اتِّهامات مشابهة إلى الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو»، قبل أن تُقدم، الشهر الماضي، على تنفيذ عملية عسكرية انتهت بالقبض عليه وإخراجه من البلاد.
وتستند رواية «بيترو» بشأن مخطَّط التخريب إلى رسالة بريد إلكتروني مجهولة وصلت إلى جهاز الاستخبارات الوطني الكولومبي. وعلى خلفية هذه القضية، أمر الرئيس بإقالة مفوض الشرطة «إدوين ماسلايدر أوريغو بيدرازا»، متَّهما إياه بالضلوع في المؤامرة المزعومة وبالسعي إلى إفشال لقائه مع «ترامب».
وسبق لِـ «بيترو» أن تحدَّث في مناسبات سابقة عن مخطَّطات لاغتياله تقف وراءها شبكات دولية لتهريب المخدِّرات، قال إنها تسعى للانتقام من سياسات حكومته في مكافحة الكارتلات المتورِّطة في إنتاج الكوكايين وتهريبه.
وتذهب بعض التفسيرات إلى أن مخاوف «بيترو» قد تكون نابعةً من تجربته السابقة في صفوف حركة «19 أبريل»، وهي جماعة مسلَّحة يسارية نشطت بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قبل أن تتحوَّل إلى حزب سياسي عام 1990. وشهدت تلك الحقبة واحدة من أكثر مراحل العنف دموية في تاريخ كولومبيا، ويُعتقد أنها تركت أثرًا عميقًا في شخصية «بيترو»، الذي انضمَّ إلى الحركة في سن الثامنة عشرة.
في المقابل، يرى منتقدون أن إثارة مزاعم المؤامرات قد تمثل أيضًا أداة سياسية لتشتيت الأنظار عن أزمات حكومية متراكمة أو للتخلُّص من شخصيات باتت مصدر إرباك. ويُستشهد في هذا السياق بقضية مفوض الشرطة المُقال، الذي كان قد قاد في نوفمبر الماضي عملية تفتيش في مقر إقامة وزير الداخلية «أرماندو بينيديتي»، الخاضع لتحقيقات بشبهة استغلال النفوذ ويُعد من الشخصيات النافذة والمقرَّبة من الرئيس. وقال «أوريغو بيدرازا» في مقابلة صحافية إنه أدرك منذ ذلك الحين أن منصبه بات مهدَّدًا.
وخلال الأشهر الماضية، طالت التحقيقات أو الفضائح عددًا من الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم بيترو. ومن بين الأمثلة الحديثة «جوليانا غيريرو»، المديرة السابقة لمكتب الرئاسة والمقرّبة من «بيترو»، التي وُجِّهت إليها اتهامات بتزوير شهاداتها العلمية، في حين كشفت لجنة برلمانية عن 24 حالة أخرى يُشتبه في وجود مخالفات تتعلَّق بالمؤهِّلات الأكاديمية لمسؤولين مرتبطين بالحكومة. كما يخضع «ريكاردو روا»، رئيس شركة النفط الوطنية والمسؤول عن حملة «بيترو» الرئاسية عام 2022، لتحقيقات بتهم فساد وانتهاك قوانين تمويل الحملات الانتخابية.
وبحسب مصادر استخباراتية نقلت عنها صحيفة «إلْباييس» الإسبانية، فإن نهج «بيترو» يدفع المقرَّبين منه داخل الحكومة وأجهزة الاستخبارات إلى تبنّي حالة دائمة من انعدام الثقة، كما يُشجِّع بعض المسؤولين على تزويد الرئيس بمعلومات عن «مؤامرات» محتملة قد تسترعي اهتمامه، ما يفتح المجال لاستخدامها في سياقات سياسية داخلية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.