وتجد أوروبا نفسها تدفع بالفعل ثمن تداعيات نزاع لم تكن طرفًا مباشرًا فيه، في ظل تمسُّكها بتحالفها مع «واشنطن». فقد أدَّت الصدمة في أسواق الطاقة إلى ارتفاع كبير في فواتير الاستهلاك وأسعار الوقود، ما دفع الحكومات إلى اتِّخاذ إجراءات مؤقَّتة، مثل خفض الضرائب على المحروقات، للتخفيف من حدة الأزمة.
وفي هذا السياق، سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية، «جورجا ميلوني» إلى التحرُّك دبلوماسيًا، حيث وصلت إلى المملكة العربية السعودية في زيارة تهدف إلى احتواء تداعيات الأزمة، التي باتت تهدِّد مباشرةً قطاع النقل الجوي. ويخشى أن يؤدِّي نقص إمدادات الكيروسين إلى إلغاء مئات الرحلات الجوية خلال موسم الصيف، في ذروة الطلب السياحي.
من جانبه، حذَّر مفوض الطاقة في «الاتحاد الأوروبي»، «دان يورغنسن» من أن التكتُّل يواجه أزمة طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن أسعار الغاز ارتفعت بنحو %70 منذ اندلاع النزاع، فيما قفزت أسعار النفط بنسبة %60. وأضاف أن تكلفة واردات الوقود الأحفوري للاتحاد ارتفعت بنحو 14 مليار يورو خلال أول 30 يومًا فقط من الأزمة.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أوصى «الاتحاد الأوروبي» باتِّخاذ إجراءات تقشُّفية، تشمل تقليل استخدام النقل البري لصالح العمل عن بُعد، وخفض حدود السرعة، استنادًا إلى توصيات الوكالة الدولية للطاقة.
ويُعدُّ قطاع الطيران من أكثر القطاعات عرضةً للتأثُّر، إذ يستورد «الاتحاد الأوروبي» نحو نصف احتياجاته من وقود الطائرات، معظمها من دول الخليج. وفي حال استمرار النزاع، تستعدُّ شركات الطيران لتفعيل خطط طوارئ قد تشمل إلغاء الرحلات ورفع أسعار التذاكر، التي شهدت بالفعل ارتفاعًا عالميًا بنحو %30، مع زيادات أكبر في الرحلات طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، حذَّر الرئيس التنفيذي لشركة "رايان إير"، «مايكل أوليري»، من أن استمرار الأزمة حتى نهاية أبريل قد يؤدِّي إلى انقطاع الإمدادات بحلول يونيو، بينما يظل الوضع غير واضح في حال امتد النزاع إلى مايو. وبدوره، أعرب الرئيس التنفيذي لـ"لوفتهانزا"، «كارستن سبور»، عن مخاوف مماثلة، خصوصًا مع اقتراب موسم الصيف الذي يشهد أعلى مستويات الطلب.
ومن المتوقَّع أن تكون الوجهات السياحية، ولا سيما الجزر، الأكثر تضرُّرًا، نظرًا لصعوبة تأمين الإمدادات إليها، ما يضع مئات الرحلات على حافة الإلغاء.
وفي ظل غياب تنسيق أوروبي شامل، بدأت الدول الأعضاء اتِّخاذ إجراءات منفردة. فقد أعلنت ألمانيا خطة لخفض الضرائب على النقل الجوي اعتبارًا من يوليو، بهدف تخفيف الأعباء عن المستهلكين.
وفي خطوة لافتة، وصلت «ميلوني» إلى مدينة «جدة» في زيارة مفاجئة، حيث من المقرَّر أن تلتقي خلال اليومين المقبلين مسؤولين من السعودية والإمارات وقطر، في محاولة لتعزيز أمن الطاقة الإيطالي. وتعدُّ هذه الزيارة الأولى لزعيم غربي إلى دول الخليج منذ اندلاع الأزمة.
وتعيد هذه التطوُّرات إلى الأذهان تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، «ماريو دراغي»، الذي دعا الأوروبيين إلى تحمُّل تبعات العقوبات على روسيا. إلَّا أنَّ المشهد الحالي يختلف، في ظل غياب سردية واضحة حول أطراف النزاع، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات اقتصادية متفاقمة، ويجبر مواطنيه على الاستعداد لمرحلة من التقشُّف المتزايد.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.