الإيطالية نيوز، الخميس 9 أبريل 2026 – لا يزال عبور الشارع في إيطاليا يشكّل خطرًا حقيقيًا، خصوصًا في المدن الكبرى. ففي أقل من مئة يوم منذ بداية عام 2026، لقي 120 من المشاة مصرعهم نتيجة الدهس، بزيادة قدرها %9.4 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، أي بمعدل يزيد عن ضحية يوميًا.وتعكس هذه الأرقام، التي رصدها مرصد «أسابْس سابيداتا»، حالة طوارئ مزمنة لا تظهر أي مؤشرات على التراجع، وتطال بشكل خاص الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. وعند احتساب ضحايا الدراجات الهوائية، يرتفع العدد إلى 157 قتيلًا.
ويُظهر إجمالي الضحايا من المشاة تسجيل 79 رجلًا و41 امرأة، نصفهم تقريبًا فوق سن 65 عامًا، وإن كانت الظاهرة تمس جميع الفئات العمرية. ومن أحدث الضحايا الشاب «ماتّيا ريزّيتي»، البالغ 16 عامًا، الذي دهسته سيارة أثناء عبوره الطريق في روما ليلة «عيد الفصح».
وتزداد خطورة المشهد عند النظر في ظروف الحوادث، إذ إن 58 حالة وفاة من أصل 120، أي ما يعادل %48.3، وقعت على ممرات المشاة، وهي الأماكن التي يُفترض أن توفر أعلى درجات الحماية لهم.
ومن بين الحالات المسجلة، صُنّف ما لا يقل عن 13 حادثًا كحالات «فرار مروري»، حيث لاذ السائق بالفرار دون تقديم المساعدة. وعلى الصعيد الجغرافي، تتوزع الظاهرة على نطاق واسع، إذ تتصدر لومبارديا القائمة بـ16 ضحية، تليها لاتسيو (13)، ثم بييمونتي وفينيتو (12 لكل منهما)، وكامبانيا (10)، وتوسكانا (9). كما سُجلت أرقام ملحوظة في ليغوريا وبوليا (8 لكل منهما)، وإيميليا-رومانيا (7)، وصقلية (6)، وكالابريا (5)، فيما تسجل بقية المناطق أعدادًا أقل لكنها لا تخلو من الحوادث.
وخلال العام الماضي، بلغ عدد المشاة الذين لقوا حتفهم على الطرق الإيطالية 434 شخصًا، بينهم 200 على ممرات المشاة، إضافة إلى 32 حالة فرار. وكانت الأرقام مشابهة في عام 2024، حيث سُجلت 470 وفاة.وأمام هذه الأرقام، يعود الجدل حول مدى فعالية السياسات العامة في مجال السلامة المرورية. ففي نوفمبر 2024، أشاد وزير البنية التحتية والنقل «ماتيو سالفيني» بإصلاح قانون السير، معتبرًا أنه يعزز «السلامة والوقاية»، مستندًا إلى بيانات وُصفت لاحقًا بأنها جزئية.
وبعد أكثر من عام على إقراره، يبدو أن الإصلاح لم يحقق الهدف المنشود في تحسين السلامة الطرقية. فقد ركّزت التعديلات بشكل أساسي على تشديد العقوبات، لا سيما فيما يتعلق باستخدام الهاتف أثناء القيادة، واستهلاك الكحول والمخدرات. ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإنها لا تعالج السبب الجوهري لهذه الحوادث، والمتمثل في سرعة المركبات.
وتؤكد الأبحاث العلمية أن السرعة هي العامل الحاسم في تحديد خطورة الحوادث واحتمالات وفاة المشاة. ومع ذلك، يظل هذا العامل مهمشًا في النقاشين التشريعي والإعلامي داخل إيطاليا، حيث نادرًا ما تُذكر السرعة في التغطيات الإخبارية، فيما شهدت التعديلات القانونية تضييقًا ملحوظًا على استخدام أجهزة ضبط السرعة (الرادارات)، رغم كونها من أبرز وسائل الردع ضد القيادة المتهورة.
وترتبط هذه الظاهرة أيضًا بثقافة راسخة تمنح السيارة مكانة مهيمنة، تُعتبر في كثير من الأحيان وسيلة لا غنى عنها. وتشير بيانات «نادي السيارات الإيطالي» (ACI) إلى أن عدد السيارات في البلاد بلغ 39.8 مليون مركبة عام 2021، وهو الأعلى في أوروبا. وفي المقابل، أظهرت بيانات «يوروستات» أن %68 من الإيطاليين لم يستخدموا وسائل النقل العام مطلقًا في عام 2024.
ولا تقتصر تداعيات هذا الاعتماد على السيارة على السلامة المرورية، بل تمتد إلى البيئة والصحة العامة. فوفقًا لِـ «المعهد الإيطالي لحماية البيئة والبحث» (ISPRA)، شكّل قطاع النقل عام 2020 نحو %22.4 من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، و %27.9 من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، منها %92 ناتجة عن النقل البري وحده. كما يسهم القطاع بنسبة %37.4 من أكاسيد النيتروجين و %9.4 من الجسيمات الدقيقة، المرتبطة بآلاف الوفيات المبكرة سنويًا بسبب تلوث الهواء.
وتقدّر الجمعية الإيطالية للطب البيئي أن التكاليف الاجتماعية المرتبطة بالمرور والتلوث قد تصل إلى 34 مليار يورو سنويًا.
ورغم ذلك، تبقى البدائل متاحة. إذ تشير دراسات، من بينها دراسة لمعهد الصحة العالمية في برشلونة، إلى أن رفع نسبة التنقل بالدراجات إلى أكثر من %24 في 167 مدينة أوروبية يمكن أن يجنّب أكثر من 10 آلاف حالة وفاة مبكرة سنويًا. ولا تقتصر الفوائد على السلامة، بل تشمل أيضًا تحسين جودة الهواء والصحة العامة والعيش الحضري.
ورغم وجود سياسات تدعم التنقل المستدام والآمن في إيطاليا، فإن تطبيقها لا يزال محدودًا ومتفاوتًا، في حين أن دولًا أوروبية أخرى تمضي قدمًا في هذا الاتجاه وتحقق نتائج ملموسة.
إن تقليل الاعتماد على السيارة الخاصة، وإعادة تصميم الفضاءات الحضرية، وخفض السرعات، ليست خيارات أيديولوجية كما يُروّج أحيانًا، بل إجراءات عملية تصب في مصلحة الصحة العامة وجودة الحياة. ومن دون تغيير جذري في النهج، سيبقى عبور الطريق في إيطاليا خطرًا يوميًا. وحتى ذلك الحين، تبقى القاعدة الأساسية: ضرورة إبطاء السرعة دائمًا عند الاقتراب من ممرات المشاة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.