الإيطالية نيوز، الخميس 9 أبريل 2026 – في حين يحقق سباق إعادة التسلّح أرباحًا قياسية للنخب الاقتصادية-العسكرية، فإنه من جهة أخرى يطلق حلقة مفرغة من الديون والأزمات التي تقع تبعاتها على عاتق السكان المدنيين. وعندما يرتبط التسلّح باندلاع نزاع، تتفاقم التداعيات على مستوى الاقتصاد الكلي، لتُضاف إلى الخسائر البشرية الفادحة.هذا الواقع، الذي يُعدّ في جوهره من البديهيات التي تخفيها الخطابات الحربية، وثّقه مؤخرًا «صندوق النقد الدولي» (FMI) في دراسة تناولت التاريخ الاقتصادي الممتد بين عامي 1946 و2024، في ظل سباقات التسلح والنزاعات المسلحة. وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في ضوء تصاعد التوترات الدولية، إذ سجّل عام 2025 رقمًا قياسيًا جديدًا في الإنفاق العسكري عالميًا، بالتزامن مع أعلى عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد الصندوق: “إلى جانب التكلفة البشرية المدمّرة، تفرض الحروب أعباء اقتصادية كبيرة وطويلة الأمد، وتطرح تحديات معقدة على صعيد السياسات الاقتصادية الكلية، خاصة في الدول التي تشهد القتال.”
تنطلق تحليلات «صندوق النقد الدولي» حول أثر التسلّح على الاقتصادات الحقيقية من «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، حيث قررت الدول الأعضاء تخصيص %5 من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري بحلول عام 2035. ولا يقتصر هذا الاتجاه على دول الحلف، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو %40 من دول العالم باتت تنفق ما لا يقل عن %2 من ناتجها المحلي على الدفاع.
وعلى المستوى العالمي، يُموَّل نحو ثلثي الإنفاق العسكري عبر الديون، ما يؤدي إلى زيادة العجز الوطني. ويوضح «الصندوق» أن “تمويل العجز قد يحفّز الاقتصاد على المدى القصير»، عبر زيادة الاستهلاك والاستثمار، خصوصًا في القطاع العسكري، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى «ضغوط تضخمية.”
وبين سطور هذا التحليل، يمكن تلمّس آليات المضاربة التي ترافق سباق التسلح، بما في ذلك التوقعات المفرطة وتكوّن الفقاعات المالية. غير أن هذه الدفعة الاقتصادية المؤقتة سرعان ما تتلاشى، إذ يشير «الصندوق» إلى أن تمويل العجز “يضع الاستدامة المالية تحت ضغط شديد على المدى المتوسط.”
ويضيف أن الدين العام يرتفع بنحو 7 نقاط مئوية خلال ثلاث سنوات من بدء سياسات التسلح، بينما قد يتضاعف هذا الرقم في حال اندلاع حرب ليصل إلى 14 نقطة مئوية. ونظرًا لقيود الاقتراض، يُموَّل جزء من هذا الإنفاق عبر تقليص النفقات الاجتماعية، وهو ما ظهر جليًا في مشروع قانون الموازنة الأخير الذي قدّمته «حكومة ميلوني»، حيث طغت الاستثمارات العسكرية على حساب القطاعات الأخرى.
وتزداد الصورة قتامة، وفقًا للصندوق»، عندما تُستخدم هذه الأسلحة فعليًا. ففي الدول التي تشهد نزاعات، «يتراجع النشاط الاقتصادي بشكل حاد»، إذ ينخفض الإنتاج بنحو %3 في البداية، ويواصل التراجع لسنوات، مسجلًا خسائر تراكمية تصل إلى %7 خلال خمس سنوات.
وتفوق هذه الخسائر تلك الناجمة عن الأزمات المالية أو الكوارث الطبيعية الكبرى، فيما تظل آثارها ممتدة لعقد كامل. كما يلفت «الصندوق» إلى أن التداعيات الاقتصادية لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المتضررة، بل تنتقل بسرعة إلى الدول المجاورة والشركاء التجاريين، في سلسلة من التأثيرات المتشابكة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.