الإيطالية نيوز، الأربعاء 13 مايو 2026 – تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها في جزيرة غرينلاند عبر أدوات اقتصادية وعسكرية، من دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر، في إطار استراتيجية تهدف إلى تأمين موارد المعادن النادرة وتعزيز حضورها الجيوسياسي في منطقة القطب الشمالي.وتأتي هذه التحركات بعد أشهر من تصريحات للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ألمح فيها إلى إمكانية السيطرة على الجزيرة، قبل أن تتجه واشنطن عمليا إلى استخدام ما يُعرف بـ”القوة الناعمة” لتعزيز حضورها في الإقليم الغني بالموارد الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أبرمت شركة «كريتيكَل ميتَلز» الأميركية المدرجة في البورصة اتفاقاً مع حكومة العاصمة الغرينلاندية «نوك»، حصلت بموجبه على حصة تبلغ 70 بالمئة من شركة “60° North ApS” المتخصصة في الخدمات اللوجستية الداعمة لعمليات التعدين، ما يسرّع تطوير مشروع “تانبريز” الذي يُعد من أكبر احتياطيات المعادن النادرة غير المستغلة في العالم.
ويضم المشروع احتياطات تُقدّر بنحو 4.7 مليارات طن من المعادن النادرة، بينها عناصر استراتيجية تدخل في صناعات الدفاع والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، مثل «الإيتريوم» و«التيربيوم» و «الديسبروسيوم» و «الغادولينيوم» و «اللوتيتيوم» و «الساماريوم».
كما يحتوي المنجم، الواقع جنوب الجزيرة قرب مطار «نارسارسواك» الدولي، على نسب مرتفعة من «الزركونيوم» و «النيوبيوم» و«التنتالوم» و«الغاليوم»، وهي مواد أساسية في الصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك الأسلحة فرط الصوتية.
وأكدت الشركة الأميركية أن استثماراتها في «غرينلاند» “تتيح الوصول إلى أحد أغنى مكامن المعادن النادرة غير المستغلة في العالم”، معتبرة أن هذه الموارد تمثل ركيزة محورية في تسريع الابتكار ودعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها جزء من استراتيجية أمريكية مزدوجة تهدف إلى تقليص الاعتماد على الصين، التي لا تزال تهيمن على نحو 85 بالمئة من سوق المعادن النادرة عالميا، وفي الوقت نفسه إضعاف قدرة «الاتحاد الأوروبي» على تحقيق استقلالها الاستراتيجي في مجالي الدفاع والطاقة.
ويرى مراقبون أن «الاتحاد الأوروبي» خسر فرصة مهمة للحصول على مصدر استراتيجي للمعادن النادرة بعد الاتفاق الأميركي-الغرينلاندي، الأمر الذي قد يعقّد خطط «بروكسل» المتعلقة بالتحول الأخضر والصناعات الدفاعية.
وفي موازاة التوسع الاقتصادي، تعمل «واشنطن» أيضا على تعزيز حضورها العسكري في الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي.
وكشف رئيس وزراء «غرينلاند»، «ينس فريدريك نيلسن» (Jens-Frederik Nielsen)، عن مفاوضات جارية بين «غرينلاند» والدنمارك والولايات المتحدة بشأن إمكانية إنشاء قواعد عسكرية أمريكية جديدة في الجزيرة، رغم عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي.
وتشمل المناقشات، بحسب مسؤولين أميركيين، احتمال إقامة منشآت عسكرية في منطقتي «نارسارسواك» و«كانغرلوسواك»، وهما قاعدتان أمريكيتان سابقتان.
وتدير الولايات المتحدة حاليا قاعدة «بيتوفيك» الفضائية في أقصى شمال الجزيرة، وهي منشأة استراتيجية تُستخدم في أنظمة الإنذار المبكر للصواريخ ومراقبة الفضاء.وتسعى «واشنطن» من خلال هذا التوسع العسكري إلى تعزيز قدرتها على مراقبة التحركات الروسية والصينية في منطقة القطب الشمالي، التي باتت تشهد تنافسا متصاعدا على النفوذ والموارد وطرق الملاحة.
ورغم تأكيد حكومة «غرينلاند» أن سيادة الجزيرة “ليست محل تفاوض”، فإنها أبدت انفتاحا على التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والتنمية الاقتصادية واستغلال الموارد الطبيعية.
وتتمتع «غرينلاند»، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك، بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية ومواردها الطبيعية، فيما تحتفظ كوبنهاغن بملفات السياسة الخارجية والدفاع والمالية.
ويرى محللون أن منح الشركات الأميركية السيطرة على الموارد المعدنية، إلى جانب احتمال توسيع الوجود العسكري الأمريكي، قد يشكل عمليا نوعاً من التنازل غير المباشر عن جزء من السيادة الاقتصادية والاستراتيجية للجزيرة.
وبذلك، تبدو الولايات المتحدة وكأنها نجحت، عبر النفوذ الاقتصادي والعسكري، في تعزيز موقعها في «غرينلاند» دون إطلاق رصاصة واحدة، في وقت يجد فيه «الاتحاد الأوروبي» نفسه خارج معادلة التنافس على واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.


شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.