الإيطالية نيوز، الخميس 4 يونيو 2026 – أكد البروفيسور «فؤاد عوده»، خبير الصحة العالمية ورئيس «الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية»، أن نظريات المؤامرة المرتبطة بالأوبئة والأمراض الفيروسية ليست ظاهرة جديدة، لكنَّها شهدت انتشارًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أنَّ الخوف من الأمراض والأزمات الصحية الكبرى يدفع كثيرين إلى البحث عن تفسيرات مبسطة لأحداث معقَّدة.وقال عوده، في مقابلة مع قناة «إكسترا نيوز»، إن المعطيات العلمية المتوفِّرة لا تدعم فرضية تصنيع الفيروسات الوبائية أو إطلاقها عمدًا، موضِّحًا أنَّ إنتاج فيروس قادر على التسبُّب بجائحة واسعة النطاق يواجه تحديات تقنية وعلمية وأمنية بالغة التعقيد.
وأضاف أنَّ أيَّ تدخُّل بشري لتطوير فيروس أكثر قدرة على العدوى أو أشدَّ فتكًا يتطلب العمل داخل مختبرات ذات مستوى أمان حيوي مرتفع للغاية، وهي منشآت محدودة العدد وتخضع لرقابة دولية صارمة. كما أن تقنيات التحليل والتسلسل الجيني الحديثة قادرة على كشف أي تعديلات مخبرية محتملة، مشيرًا إلى أنَّ السلالة الحالية من فيروس «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية تتطابق مع سلالات جرى عزلها سابقًا من الخفافيش في المنطقة، من دون وجود مؤشِّرات على أي تلاعب مخبري.
وأوضح أنَّ الخطر المرتبط بأي سلاح بيولوجي يكمن في استحالة التحكُّم الكامل في انتشاره، ما يجعل الجهة التي تطلقه معرَّضة للخطر ذاته، مؤكداً أن التفسير العلمي الأكثر ترجيحًا لتفشِّي الأوبئة يبقى انتقال الأمراض بشكل طبيعي من الحيوان إلى الإنسان، خصوصًا في المناطق التي تعاني من النزاعات وضعف أنظمة الرَّصد الصحِّي.
وفي ما يتعلَّق بالحديث عن استفادة الدول الكبرى أو شركات الأدوية من الأوبئة، أشار «عودة» إلى أن الشركات قد تحقِّق أرباحًا من بيع اللقاحات والعلاجات بعد ظهور الأوبئة، إلا أن ذلك لا يشكل دليلاً على افتعالها. وأضاف أن الأوبئة تتسبَّب في أضرار اقتصادية واسعة وتؤثِّر سلبًا على مختلف القطاعات، بما فيها الشركات والمؤسَّسات الاقتصادية الكبرى.
وشدَّد على ضرورة التمييز بين قضايا تضارب المصالح أو الجدل المرتبط بتسعير اللقاحات وآليات توزيعها، وبين الادِّعاءات التي تتحدَّث عن تصنيع الأوبئة لتحقيق مكاسب مالية، مؤكدَّا أنه لم يطّلع خلال مسيرته المهنية على أي أدلَّة موثوقة تدعم هذه المزاعم.
ودعا «عودة» إلى تعزيز الشفافية الدولية في مراقبة الأمراض المعدية، من خلال إلزام الدول بالإبلاغ السريع عن حالات التفشِّي، وتمكين فرق الخبراء الدوليين من الوصول إلى بؤر انتشار الأمراض دون عوائق سياسية، إضافةً إلى نشر البيانات الجينية الخاصة بالفيروسات في قواعد بيانات مفتوحة ومتاحة للباحثين حول العالم.
وأكَّد أن هذه الإجراءات من شأنها تعزيز الثقة العامة والحد من انتشار المعلومات المضلِّلة، موضِّحًا أن الشفافية العلمية تمثل أحد أهم الأسلحة في مواجهة نظريات المؤامرة.
وحول كيفية التمييز بين المعلومات العلمية الموثوقة والشائعات، أوضح أن المعلومة الموثوقة تستند إلى مصادر معروفة مثل «منظمة الصحة العالمية» والمؤسَّسات العلمية والمجلات الطبية المحكمة، كما تكون قابلةً للتحقُّق والمراجعة من قبل الباحثين والخبراء، وتنسجم مع الإجماع العلمي السّائد، بخلاف الشائعات التي تعتمد غالباً على مصادر مجهولة أو ادعاءات غير موثقة.
وفي ما يخصُّ تطوُّرات فيروس «إيبولا»، أكد «عودة» على أنَّ الوضع الحالي لا يزال تحت السيطرة، وإن كان يتطلَّب متابعة حثيثة، مشيرًا إلى أن فرق «منظمة الصحة العالمية» تواصل عملها الميداني لاحتواء بؤر التفشِّي ومتابعة سلاسل العدوى، رغم التحديات الأمنية في بعض المناطق المتضرِّرة.
وأشار إلى أن الجهود الدولية الحالية أسهمت في خفض معدَّلات الوفيات مقارنة بتفشيات سابقة، بفضل التدخُّل المبكِّر وتحسن الرعاية الصحية، فيما تتواصل الأبحاث والتجارب السريرية لتطوير لقاحات جديدة للسلالات التي لا يتوفَّر لها لقاح معتمد حتى الآن.
وفي تقييمه للاستعداد العالمي لمواجهة الأوبئة المستقبلية بعد جائحة «كوفيد-19»، أكد «عودة» على أنَّ العالم حقَّق تقدُّمًا ملحوظًا في سرعة التشخيص الجيني، وآليات التمويل الطارئ، ورفع مستوى الوعي الصحي لدى المجتمعات، لكنَّه أشار في المقابل إلى استمرار تحديات رئيسية تتمثَّل في فجوة الوصول إلى اللِّقاحات بين الدول الغنية والفقيرة، وتراجع مستويات الثقة بالمؤسَّسات الصحية في عدد من الدول، فضلاً عن ضعف أنظمة الرصد الوبائي في بعض المناطق.
واختتم حديثه بالتأكيد على أنَّ العالم يمتلك اليوم أدوات علمية أكثر تطوُّرًا للتعامل مع الأوبئة، إلَّا أنَّ نجاح الاستجابة المستقبلية سيظل مرهونًا بتعزيز الشفافية والتعاون الدولي واستعادة ثقة المجتمعات بالمؤسَّسات الصحية والعلمية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.