الإيطالية نيوز، الثلاثاء 2 يونيو 2026 – تواجه بوليفيا واحدة من أخطر الأزمات السياسية والاجتماعية منذ سنوات، مع استمرار موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة وتصاعدها إلى مستوى يصفه بعض المراقبين بأنه يقترب من حالة «العصيان الشعبي الواسع» أو «التمرد المدني»، في ظل اتساع رقعة الرفض لسياسات الرئيس «رودريغو باث بيريرا» (Rodrigo Paz Pereira) الذي لم يمضِ على توليه السلطة سوى أقل من عام.ورغم سلسلة التنازلات التي قدمها الرئيس، بما في ذلك خفض راتبه إلى النصف وإلغاء قانون الإصلاح الزراعي المثير للجدل، فإن الاحتجاجات لم تتراجع، بل ازدادت زخماً مع تمسك المحتجين بمطلب أساسي يتمثل في استقالة الحكومة وإجراء تغيير سياسي شامل.
من احتجاجات مطلبية إلى حركة واسعة النطاق
بدأت التحركات الاحتجاجية بمطالب قطاعية قادها المعلمون دفاعا عن التعليم العام والمجاني، قبل أن تنضم إليهم فئات أخرى تشمل المزارعين وعمال المناجم ومجموعات السكان الأصليين، إضافة إلى قطاعات واسعة من المجتمع المدني.
كما لعب أنصار الرئيس السابق «إيفو موراليس» (Evo Morales) دورا بارزا في المشهد الاحتجاجي، خصوصا في ظل استمرار الجدل حول الملاحقات القضائية التي يواجهها، والتي يعتبرها مؤيدوه ذات دوافع سياسية.
ومع مرور الأسابيع، تحولت الاحتجاجات إلى حركة شعبية واسعة تضم أطيافاً مختلفة من المجتمع البوليفي، تجمعها معارضة السياسات الاقتصادية الجديدة للحكومة.
شلل في الطرق وعزل للعاصمة
أحد أبرز مظاهر الأزمة يتمثل في انتشار ما يعرف محليا بـ«حواجز الطرق» أو «بْلوكِيوس»، وهي وسيلة احتجاج تقليدية في بوليفيا تقوم على إغلاق المحاور الرئيسية للنقل.
وتشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو 90 نقطة إغلاق على الطرق الرئيسية في البلاد، ما أدى إلى عزل العاصمة «لاباث» عن أجزاء واسعة من البلاد وتعطيل حركة البضائع والوقود والإمدادات الأساسية.
وأدى ذلك إلى نقص في المواد الغذائية والأدوية، فضلاً عن صعوبات متزايدة تواجه المستشفيات ومؤسسات الرعاية الصحية، فيما تتحدث السلطات عن خسائر اقتصادية تقدر بنحو ملياري دولار، أي ما يزيد على %2 من الناتج المحلي الإجمالي.
تصاعد التوتر الأمني
وفق الأرقام الحكومية، تم توقيف أكثر من 300 شخص منذ بداية الاحتجاجات، بينما أسفرت المواجهات وأعمال العنف المرتبطة بالأزمة عن سقوط عدد من القتلى والجرحى.
ورغم تأكيد الحكومة أنها تفضل الحوار والحلول السياسية، فقد لجأت قوات الأمن إلى استخدام القوة لتفريق بعض التجمعات، كما أقرت السلطات شراء معدات إضافية لمكافحة الشغب، الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات الموجهة للرئيس.
وفي المقابل، علقت قوى المعارضة مشاركتها في أي مفاوضات مع الحكومة، متهمة السلطة باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية للضغط على الخصوم السياسيين.
جوهر الأزمة: التحول الاقتصادي السريع
ترتبط الاحتجاجات بشكل مباشر بالسياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة الجديدة تحت شعار «الرأسمالية للجميع».
فمنذ وصوله إلى الحكم، أطلق الرئيس باز سلسلة إصلاحات ليبرالية شملت:
- تحرير أجزاء من قطاع الطاقة.
- تشجيع الاستثمارات الأجنبية.
- فتح قطاعات استراتيجية أمام الشركات الدولية.
- تقليص الإنفاق العام.
- إلغاء بعض الضرائب على الثروات الكبيرة.
- تعليق زيادات الأجور في القطاع العام.
- تقليص الدعم الحكومي للمحروقات.
غير أن أكثر القرارات إثارة للجدل كان قانون الإصلاح الزراعي الذي سمح باستخدام الأراضي الزراعية كضمانات مصرفية للقروض، ما أثار مخاوف واسعة لدى المزارعين من فقدان أراضيهم لصالح المؤسسات المالية.
ورغم إلغاء القانون لاحقا، يرى المحتجون أن المشكلة أعمق من مجرد تشريع واحد، وأنها تتعلق بالاتجاه العام للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة.
إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي
إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية، شهدت السياسة الخارجية البوليفية تحولاً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية.
فبعد سنوات من التوتر مع الولايات المتحدة، سعت إدارة باز إلى تعزيز العلاقات مع واشنطن وإعادة جذب الاستثمارات الغربية، كما أعادت فتح قنوات التواصل مع إسرائيل بعد فترة من القطيعة الدبلوماسية.
ويرى معارضو الحكومة أن هذا التحول الجيوسياسي ترافق مع تراجع عن السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي ميزت الحكومات السابقة، بينما تعتبر السلطة أن هذه الخطوات ضرورية لإنعاش الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال.
أزمة مفتوحة على جميع الاحتمالات
مع استمرار إغلاق الطرق وتعثر الحوار السياسي واتساع نطاق الاحتجاجات، تبدو بوليفيا أمام مفترق طرق حاسم.
فالحكومة تؤكد تمسكها بالإصلاحات وتدعو إلى التفاوض، في حين يواصل المحتجون المطالبة برحيل الرئيس. وبين هذين الموقفين، تتزايد المخاوف من دخول البلاد في مرحلة أكثر تعقيداً قد تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي في واحدة من أهم دول أمريكا اللاتينية المنتجة للموارد الطبيعية، وعلى رأسها «الليثيوم».
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.