الإيطالية نيوز، الجمعة 3 يونيو 2026 – تشغل الغابات اليوم أكثر من ثلث مساحة إيطاليا، بعدما تجاوزت المساحات الحرجية حاجز 100 ألف كيلومتر مربع، في تحول تاريخي جعل الرقعة الغابية تتفوق منذ عام 2020 على الأراضي الزراعية المستغلَّة، في سابقة لم تشهدها البلاد منذ العصور الوسطى.وكشف تقرير "الغابات في البلديات" الصادر عن منظمة «PEFC Italia»، وهو أول دراسة اجتماعية واقتصادية من نوعها حول الثروة الحرجية في البلديات الإيطالية، أن الغابات أصبحت عنصرًا محوريًا في المشهد الطبيعي الإيطالي، بما توفِّره من فوائد بيئية واقتصادية متزايدة.
ويؤكِّد التقرير على أنَّ توسُّع الغابات يمثِّل فرصة مهمة لإيطاليا، نظرًا لدورها في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وحماية الموارد المائية، والحد من مخاطر الانهيارات الأرضية، والحفاظ على التنوُّع البيولوجي. كما تشكِّل الغابات موردًا اقتصاديًا في العديد من المناطق الجبلية من خلال الإدارة المستدامة للغابات، وإنتاج الأخشاب، والسياحة البيئية، والخدمات البيئية الأخرى.
وتعدّ «مارشيتيلّي» المثال الأبرز على ذلك، إذ تغطي الغابات %98.4 من مساحة البلدية، ما يجعلها الأكثر غنى بالغابات في البلاد. وتُقدّر القيمة السنوية للخدمات البيئية التي توفرها غاباتها بنحو 8 ملايين يورو، تشمل تنقية الهواء، وتنظيم الموارد المائية، وحماية التربة، وتخزين الكربون.
وبحسب التقرير، تتركَّز %75.7 من إجمالي المساحات الحرجية الإيطالية في 3596 بلدية جبلية، وهي مناطق تمثِّل نحو نصف مساحة البلاد لكنَّها لا تضم سوى %13.5 من السكّان. كما توجد 495 بلدية توصف بأنها "شديدة الغطاء الحرجي"، إذ تتجاوز نسبة الغابات فيها %80 من المساحة الإجمالية. ورغم أن هذه البلديات لا تؤوي سوى %1 من سكان إيطاليا، فإنها تضمُّ نحو %13.94 من إجمالي الغابات الوطنية.
وفي ترتيب البلديات الأكثر تغطية بالغابات، جاءت بورميدا في المرتبة الثانية بنسبة %97.07، تلتها «بيرتشيلي» بنسبة %96.99، ثم «درينشيا» بنسبة %96.79، و«غريماكو» بنسبة %96.59.
أما من حيث المساحة الحرجية المطلقة، فتصدَّرت «غوبيو» القائمة بأكثر من 26.8 ألف هكتار من الغابات، تلتها سان جوفانّي إن فيوري بنحو 21.9 ألف هكتار، ثم «تشيتَّا دِ كاستيلّو» بمساحة تقارب 21.8 ألف هكتار.
ورغم هذه المؤشِّرات الإيجابية، يشير التقرير إلى أن الغابات لا تتوزَّع بشكل متوازن على الأراضي الإيطالية. فحوالي نصف البلديات الإيطالية البالغ عددها نحو 7900 بلدية تسجِّل نسبة تغطية حرجية تقل عن %20، وتضمُّ هذه المناطق أكثر من ثلثي سكان البلاد، بينما تحتوي على أقل من %10 من إجمالي الغابات.
ويُعزى التوسُّع الحراجي أساسا إلى عمليات التجدُّد الطبيعي للأراضي التي هُجرت زراعياً، ولا سيما في المناطق الجبلية والتلال المرتفعة. وخلال العقدين الماضيين، توقَّفت نحو 1.3 مليون مزرعة عن العمل، كان %75 منها في المناطق الجبلية والداخلية، ما أدَّى إلى فقدان نحو 850 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.
ويُحذِّر التقرير من أن توسُّع الغابات لا يمكن اعتباره مكسباً بيئياً خالصا، إذ إن تراجع الزراعة التقليدية واسعة النطاق يؤدي أيضاً إلى خسارة بعض أشكال التنوع البيولوجي. فالعديد من الموائل الطبيعية وشبه الطبيعية في أوروبا نشأت نتيجة قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة، مثل المراعي التقليدية، والمدرجات الزراعية، والأنظمة الزراعية الحرجية المختلطة، التي تؤوي أنواعًا نباتية وحيوانية قد تتراجع مع عودة الغابات إلى الأراضي المهجورة.
وفي المقابل، تشهد السهول الإيطالية اتجاها معاكسًا يتمثل في تكثيف الإنتاج الزراعي الصناعي، مع انتشار الزراعات الأحادية وتراجع التنوُّع الطبيعي للمشهد الزراعي، ما يسهم بدوره في فقدان الموائل الطبيعية وشبه الطبيعية.
ويصف التقرير هذه الظاهرة بأنها "ديناميكية مزدوجة": فمن جهة تتعرض المناطق الجبلية والريفية للإهمال والهجرة السكانية، ومن جهة أخرى تتجه المناطق السهلية الخصبة إلى مزيد من التكثيف الزراعي.
وترتبط أسباب هذه التحولات بعوامل اقتصادية وديموغرافية بالدرجة الأولى، إذ تواجه المزارع في المناطق الداخلية والجبلية تحديات كبيرة تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة التضاريس، وتفتت الملكيات الزراعية، فضلاً عن هجرة الشباب نحو المدن. كما أن الأسواق الزراعية وشبكات التوزيع الكبرى تميل إلى تفضيل الإنتاج الموحد واسع النطاق، ما يضعف قدرة المنتجات المحلية التقليدية على المنافسة.
ورغم هذه التحديات، رصد التقرير مؤشرات إيجابية في بعض المناطق ذات الغطاء الحرجي الكثيف، حيث سجلت 932 بلدية إيطالية بين عامي 2021 و2025 معدلات هجرة داخلية إيجابية تجاوزت 10 بالألف، وكان عدد ملحوظ منها يقع في مناطق غابية.
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الرئيسي خلال السنوات المقبلة يتمثل في تحقيق توازن بين إعادة تأهيل الطبيعة من جهة، والحفاظ على النشاط الزراعي والمجتمعات المحلية من جهة أخرى. فالغابات الإيطالية تمثل ثروة بيئية واقتصادية كبيرة، إلا أن مستقبل المناطق الداخلية سيعتمد على القدرة على الجمع بين الإدارة المستدامة للغابات، والزراعة عالية الجودة، وتنمية الخصوصيات المحلية، بما يضمن ألا يتحول توسع الغابات إلى عامل يؤدي إلى اختفاء المجتمعات التي أسهمت على مدى قرون في تشكيل هذه البيئات وإنتاج تنوعها البيولوجي الفريد.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.