الإيطالية نيوز، الأحد 28 يونيو 2026 – كما أفادت وكالات الأنباء أمس، قرر قاضي التحقيقات الأوَّلية في محكمة «فيرينسي» خلال الأشهر الماضية حفظ الاتِّهامات الموجَّهة إلى «مارشيلو دِل أوتري» في إطار التحقيق بشأن المُحَرِّضين الخفيين على تفجيرات عام 1993. وكان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق «سيلفيو برلسكوني» مُدرَجًا أيضًا في التحقيق نفسه حتَّى وفاته.وأثار قرار الحفظ، وهو السادس من نوعه خلال نحو ثلاثة عقود، ردود فعل من أفراد عائلة «برلسكوني» ومن ممثلي أحزاب يمين الوسط، وفي مقدِّمتهم رئيسة الوزراء «جورجا ميلوني»، التي اعتبرت أن هذا التطور يثبت "الانعدام المطلق" لأي روابط بين «برلسكوني» والمافيا.
غير أنَّ هذا الادِّعاء، بحسب موقع «ليندبندنتي أونلاين»، يتعارض مع الحكم القضائي النهائي الصادر عام 2014 بحق «دِل أوتري»، والذي أدانه بتهمة المشاركة الخارجية في تنظيم المافيا، حيث خلص الحكم ليس فقط إلى إثبات الاتفاق الذي أبرمه «برلسكوني» مع منظَّمة «كوزا نوسترا» في سبعينيات القرن الماضي، بل أيضًا إلى استمرار هذا الاتِّفاق على الأقل حتّى عام 1992، وهو العام الذي شهد تفجيري «كاباتشي» و«فيا داميليو».
وبصورة أكثر تحديدًا، كان «دِل أوتري» يخضع لتحقيقات النيابة العامَّة للاشتباه في أنَّه حرَّض وشَجَّع زعيم المافيا «جوزيبي غرافيانو» على تنظيم حملة التفجيرات في البرّ الإيطالي عام 1993. فبعد اغتيال القاضيين «جوفاني فالكوني» و«باولو بورسيلينو»، امتدت التفجيرات إلى مدن شمال ووسط إيطاليا، وهي «فيرينسي» و«ميلانو» و«روما»، ما أسفر عن مقتل عشرة مدنيين وإصابة عشرات آخرين.
ووفقًا للمدَّعين العامِّين، فإنَّ ديل أوتري اضطلع بدور "محدَّد مواقع" المجازر، بهدف خلق مناخ من الرُّعب يخدم المشروع السياسي لحزب فورتسا إيطاليا. إلَّا أنَّ قاضي التحقيق رأى، على ما يبدو، أن الأدلَّة المتوافرة لم تكن كافية لإحالة القضية إلى محاكمة كاملة. ولا تزال نيابة «كالتانيسيتا» حتَّى اليوم تواصل التحقيق في هوية المحرِّضين الخارجيين المفترضين لتلك المرحلة الدموية.
وقالت «مارينا برلسكوني» تعليقًا على القرار: "إنَّ القصة المذهلة للتحقيق الذي أجرته نيابة فيرينسي تظهر مرة أخرى الحالة التي بلغها القضاء الإيطالي، كما تؤكِّد على أنَّ فشل استفتاء مارس كان فرصة هائلة ضائعة بالنسبة لبلادنا". وأضافت أنَّ والدها كان، برأيها، "أحد أبرز قادة مكافحة الجريمة المنظَّمة في إيطاليا".
ومن جهتها، أصدرت رئيسة الوزراء «جورجا ميلوني» بياناً تبنت فيه الموقف نفسه، معتبرةً أنَّ هذا التطوُّر يمثِّل "تأكيدًا جديدًا لحقيقة تاريخية وقضائية لا تقبل الجدل". وقالت: "بعد عقود من التحقيقات والمحاكمات، يُطوى هذا الفصل الأخير أيضًا بالنتيجة الوحيدة الممكنة، وهي الانعدام المطلق لأي علاقة بين «سيلفيو برلسكوني» والجريمة المنظمة".
وأضافت «ميلوني» أن مجتمعًا سياسيًا كاملاً، يضمُّ ملايين الإيطاليين الذين مارسوا حقَّهم في التصويت بحُرِّية، ظل طوال ثلاثين عامًا عرضةً لـ"شبهة مشينة" مفادها أنَّ الدعم الانتخابي الذي حظي به استند إلى تمويلات مافيوية أو ممارسات غير قانونية، غير أنَّ الوقائع والأحكام القضائية - بحسب قولها - "أزالت نهائيًا كل شك، إذ لم يكن لهذا الاتهام أي أساس في الماضي، ولا يوجد له أي أساس اليوم".
لكن، بحسب «ليندبندنتي»، فإنَّ الحقائق التي كرَّسها القضاء بصورة نهائية تروي رواية مختلفة تمامًا. ويكفي، بحسبه، الاطلاع على الحكم الصادر عام 2014 عن محكمة التمييز الإيطالية، الذي قضى بسجن «مارشيلّو دِل أوتري» سبع سنوات لإدانته بالمشاركة الخارجية في منظَّمة «كوزا نوسترا».
وجاء في الحكم أن "بفضل جهود الوساطة التي قام بها «دِل أوتري»، تم التوصُّل إلى اتِّفاق يقضي بأن يدفع «سيلفيو برلسكوني» مبالغ مالية كبيرة مقابل الحماية التي كانت توفِّرها له منظمة «كوزا نوسترا» في «باليرمو». وقد وفَّر هذا الاتِّفاق منافع متبادلة للطرفين؛ إذ تمثَّلت مصلحة «برلسكوني» في الحماية الشخصية والاقتصادية، بينما استفادت المنظمة المافيوية من تحقيق مكاسب مالية كبيرة".
وأوضح الحكم أن الاتفاق المشار إليه أُبرم عام 1974 خلال اجتماع في «ميلانو» ضم «سيلفيو برلسكوني»، و«مارشيلُّو دِل أوتري»، وزعيم «كوزا نوسترا» في «باليرمو» آنذاك «ستيفانو بونتاتي»، والمافيوي «فرانشيسكو دِ كارلو»، وأن الاتِّفاق ظلَّ ساريًا على الأقل حتّى عام 1992، وهو عام التفجيرات.
وأشار الحُكم أيضًا إلى أنَّ مدفوعات «برلسكوني» إلى المافيا لم تتوقَّف حتّى بعد المجزرة التي ارتكبها جناح «كورليوني» بحق مافيي «باليرمو» خلال ما عرف بـ"حرب المافيا الثانية" في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، والتي انتهت بصعود «توتو رينا» إلى قيادة «كوزا نوسترا».
وأضافت محكمة التمييز أن "وصول جماعة «كورليوني» بقيادة «توتو رينا» إلى السُّلطة لم يؤثِّر في الطبيعة غير المشروعة للاتِّفاق. فقد أبدى «برلسكوني» باستمرار تفضيله عدم اللجوء إلى وسائل الحماية الرَّسمية، مفضلاً الاعتماد على وساطة «دِل أوتري» مع «كوزا نوسترا». وفي المقابل، واصل «دِل أوتري»، نيابةً عن «برلسكوني»، دفع المبالغ المتفق عليها إلى المنظَّمة، ولم يعترض بأي شكل على المطالب الجديدة التي تقدًّم بها «توتو رينا»".
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أصدرت محكمة التمييز عام 2021 حكمًا أخر اعتبر أنَّ القول إنَّ شركة «فينينفست» موَّلت «كوزا نوسترا» وكانت على صلة بالمافيا" يندرج ضمن حدود المشروعية القانونية.
وجاء هذا الحكم ليضع نهاية للدعوى التي رفعتها شركة «فينينفست»، القابضة التي أسَّسها «برلسكوني» عام 1975، ضد القاضي «لوكا تيسكارولي»، والصحفي «فيروتشيو بينوتي»، ودار النشر RCS التي أصدرت عام 2008 كتابهما المعنون "الياقات المتَّسخة".
وتناول الكتاب العلاقات بين «كوزا نوسترا» وشركة «برلسكوني»، مشيرُا إلى أنَّ مسؤولي الشركة دفعوا بصورة دورية مبلغ 200 مليون ليرة إيطالية "كمساهمة" للمافيا.
وبتأييدها الأحكام الصادرة عن درجتي التقاضي الأولى والاستئناف، ورفضها الطَّعن الجديد المقدَّم من «فينينفست»، أكَّدت محكمة التمييز على أنَّها تحقَّقت من أنَّ محكمة الموضوع قد بحثت توافر شروط الاعتدال في العرض، وصحًّة الوقائع الواردة، ووجود مصلحة عامًّة في نشرها.
ويختتم موقع «ليندبندنتي» بالقول إنَّ هذه الوقائع تبقى قائمةً، مهما واصل أفراد عائلة «برلسكوني» أو السياسيون والصحفيون المقرَّبون من محيطه إنكارها من دون حرج، على حدِّ تعبيره.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.