الإيطالية نيوز، الاثنين 22 يونيو 2026 – بعد التصريحات التي أدلت بها «جورجا ميلوني» لقناة «LA7»، لم تتوقف التوترات بينها وبين «دونالد ترامب». فقد عاد الرئيس الأمريكي، في منشور على منصة «تروث سوشال»، ليؤكِّد على أنَّ «ميلوني» طلبت منه «مرارًا وتكرارًا» التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع التي عُقدت في فرنسا.وكتب «ترامب» أنَّ شعبية «ميلوني» «متدنِّية، وربَّما يعود ذلك إلى أنها أدارت ظهرها للولايات المتحدة الأمريكية». وردَّت «ميلوني» بلهجة معتدلة، لكنَّها أكثر حدَّة من المعتاد، قائلة: “السيد الرئيس ترامب، إن هذه الهجمات المتواصلة وغير المبرَّرة لا معنى لها».” وأضافت: “على أي حال، فإن شعبيتي ليست شأنًا يخصُّكم؛ وأنصحكم بالتركيز على شعبيتكم أنتم.”
ورغم تبادل الانتقادات، صدرت سريعًا من الحكومة الإيطالية أولى المحاولات لاحتواء التوتُّر. فقد سعى «ماتيو سالفيني» إلى التقليل من أهمِّية الخلاف، مؤكِّدًاً على أنَّ المشكلة مع «ترامب» أصبحت «صفحةً مطويةً»، فيما شدَّد «أنطونيو تاياني» على «متانة» العلاقات مع الولايات المتحدة، من دون أن يُلمِّح حتَّى إلى إمكانية استدعاء السفير الأمريكي لطلب توضيحات بشأن سلوك الرئيس الأمريكي، وهي خطوة تُعدُّ في مثل هذه الحالات إجراءً دبلوماسيًا متعارفًا عليه.
كما تراجعت احتمالات مقاطعة احتفالات الرابع من يوليو في السفارة الأمريكية، والتي كانت تُطرَح خلال الأيَّام الماضية بوصفها خيارًا شبه مؤكَّد. وباختصار، يبدو أن أولوية الحكومة الإيطالية تبقى كما هي: ترميم العلاقات مع «واشنطن» بأي ثمن.
وبالعودة إلى بداية الأزمة، تعود أولى بوادر التوتُّر إلى قرار إيطاليا عدم دعم العمليات الهجومية الأمريكية ضدَّ إيران، حين قال «ترامب» بلهجة حادَّة: “إيطاليا لم تقف إلى جانبنا، ونحن لن نقف إلى جانبها.” ثم تصاعد الخلاف بعدما دافعت «ميلوني» علنًا عن البابا «ليون الرابع عشر»، الذي كان هدفًا لانتقادات ترامب بسبب مواقفه بشأن أزمة الشرق الأوسط.
وفي تلك المناسبة، وصف «ترامب» البابا بأنَّه «ضعيف»، ووجَّه انتقادات قاسية لرئيسة الوزراء الإيطالية قائلاً: “أنا مصدوم، كنت أعتقدُ أنَّها تمتلك الشجاعة.” وبعد قمَّة مجموعة السَّبع التي عُقدت في «إيفيان»، بدا أن الأوضاع عادت إلى طبيعتها، غير أنَّ «ترامب» وجَّه ضربة جديدة يوم الجمعة 19 يونيو، قائلاً: “من المحتمل أنَّها سعيدة لأنَّني تحدَّثتُ إليها! لم أكن مضطرًّا للتحدُّث معها!”، في إشارة إلى لقائهما في فرنسا.
وأضاف: “لقد توسَّلتْ إليَّ لالتقاط صورة معها! كانت تريد صورة معي بإلحاح. وكان بإمكاني حتَّى أن أرفض، لكنَّني شعرتُ بالشَّفقة عليها!.” وسارعت «ميلوني» إلى الرَّد عبر مقطع فيديو نفت فيه رواية «ترامب»، مؤكِّدةً على أنَّ “أنا وإيطاليا لا نتوسَّل أبداً.”
ويعود آخر منشور لِـ «ترامب» إلى يوم السبت، ويُشكِّل ثاني هجوم على حكومة «ميلوني» خلال أقل من يومين. واتَّهم «ترامب» «ميلوني» بمحاولة إعادة التقارب مع الولايات المتحدة «بعد الهزيمة العسكرية التي ألحقتها الولايات المتحدة بإيران» بهدف تعزيز شعبيتها الداخلية، مُلمِّحًا إلى أنَّ الحكومة الإيطالية لا تستحقُّ هذا القدر من الاهتمام بسبب محدودية دعمها للحرب ضد إيران.
وقال «ترامب»: “لم تسمح لنا حتَّى باستخدام مدارج الهبوط الإيطالية، ما تسبَّب في إرباك لوجستي كبير، وذلك رغم أنَّ الولايات المتحدة تساهم بمئات المليارات من الدولارات سنويًا في حماية إيطاليا وغيرها من حلفاء حلف شمال الأطلسي المزعومين”، في هجوم لم يكن خافيًا على حلف شمال الأطلسي.
ومع ذلك، فضَّلت «ميلوني» إنهاء الجدل، فكتبت: “لن أعود إلى هذا الموضوع، لأنَّني ما زلت أؤمن بوحدة الغرب.” وردَّد «سالفيني» الموقف نفسه قائلاً: “بالنسبة لي، انتهى الأمر، وبالتالي سنواصل العمل معًا”، واصفًا هجمات «ترامب» على «ميلوني» بأنَّها مجرَّد «مرحلة سوء فهم عابرة».
ويبدو أنًّ التناقض في مواقف كبار المسؤولين الحكوميين، الذين يحاولون من جهة الرَّد على «ترامب»، ومن جهة أخرى التقليل من أهمية ما جرى وتجنُّب المواجهة المباشرة، يكشف عن صعوبات في إدارة الأزمة. غير أنَّ هذا النَّهج ينسجم في الواقع مع الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع الأزمات السّابقة، إذ إنَّ احتمال الوصول إلى قطيعة فعلية مع «البيت الأبيض» لا يبدو مطروحًا أساسًا داخل أروقة رئاسة الوزراء الإيطالية.
ويؤكِّد هذا على التوجُّه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية «أنطونيو تاياني»، الذي يُعدّ نظريًا أعلى ممثل دبلوماسي لإيطاليا في علاقاتها مع الدول الأخرى. فقد انتقد «تاياني» تصريحات «ترامب»، لكنَّه عاد وقَلَّل من أهمِّيتها قائلاً: “العلاقات التي تربطني بالولايات المتحدة، حتَّى في هذه السَّاعات، طبيعية تمامًا ولم تتغيَّر، بما في ذلك العلاقات مع السفير الأمريكي في إيطاليا، وهي علاقات ممتازة.”
غير أنَّ السفير الأمريكي، بحسب ما يبدو، لم يتلقَّ أي اتِّصال أو استدعاء رسمي، رغم أنَّ مثل هذه الإجراءات تُعدُّ عادةً أولى خطوات الاحتجاج الدبلوماسي الرَّسمي التي تلجأ إليها الدول، ولا سيما إذا كانت تحكمها حكومة تصف نفسها بأنها «سيادية»، لإظهار اعتراضها على تصرُّفات دولة أخرى.
وخلاصة القول، إنه بعد الشَّرخ الذي أحدثته تصريحات «ترامب» لقناة «LA7»، تراوحت مواقف الحكومة الإيطالية بين انتقاد تصريحاته ومحاولة ترميم العلاقات، فيما اتَّجهت خطواتها العملية نحو البحث عن مصالحة غير مشروطة.
وفي الوقت نفسه، يقترب موعد الرابع من يوليو، ذكرى استقلال الولايات المتحدة التي تحلُّ هذا العام في الذكرى الـ250 لتأسيس البلاد. وتُعد المناسبة أهم احتفال مدني في الولايات المتحدة، وكما جرت العادة ستُنظِّم السفارة الأمريكية احتفالاً في مقرِّها بـ«فيلا تافيرنا»، والذي يحرص أعضاء الحكومة الإيطالية تقليديًا على حضوره.
وبعد مؤشِّرات أوَّلية أوحت بأنَّ الحكومة قد تقاطع الاحتفالات، جاء التراجع عن هذا التوجُّه، إذ أعلن الوزير «تاياني» لصحيفة «كورييري ديلَّا صيرا» أنه سيكون حاضرًا في «فيلا تافيرنا» يوم الرابع من يوليو، في خطوة تؤكِّد على استمرار جهود رئاسة الوزراء الإيطالية لترميم العلاقات مع «واشنطن» والحفاظ على موقع إيطاليا كحليف وفيّ للولايات المتحدة، مهما كانت الكلفة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.