ووفقًا للقائمين على المشروع، فقد استقطبت المبادرة حتَّى الآن أكثر من 80 عائلة إسرائيلية، أي ما يقارب 250 شخصًا، فيما يتجاوز عدد الأعضاء المسجَّلين 400 شخص. ويهدف المشروع إلى تشجيع الاستقرار والاستثمار في منطقة عانت خلال العقود الماضية من تراجع سكّاني ملحوظ.
ويُنظَر إلى هذه المبادرة من قبل السُّلطات المحلِّية باعتبارها نموذجًا ناجحًا لمكافحة النزوح السكَّاني وإعادة تنشيط القرى الجبلية. ويؤكِّد مؤسِّس المشروع، «أوغو لوتساتّي» (Ugo Luzzati)، أن علاقته بالمنطقة بدأت من خلال قضاء العطلات العائلية فيها قبل أن يُقرِّر الانتقال إليها لوقت دائم. كما أرجع تنامي الاهتمام بالمشروع إلى التطوُّرات السياسية والأمنية التي شهدتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ أحداث السابع من أكتوبر.
من جانبه، أشاد رئيس بلدية «ڤارالّو»، «بييترو بونديتّي»، بفخرٍ بهذا التأثير قائلًا: "لم نشهد مثل هذه الكثافة السكَّانية منذ ستينيات القرن الماضي. قبل وصولهم، كانت المنطقة مُعرَّضةً لخطر التصحُّر الدٍّيموغرافي. واليوم، بُعِثنا من جديد".
ظاهريًا، نحن أمام قصة براغماتية إدارية بحتة وترحيب حار، غالبًا ما تُصاغ تحت مسمَّى "نموذج فارالُّو" الحقيقي. مع ذلك، عند مراقبة الديناميكيات من منظور علاقات القوى الدولية الرَّاهنة، تبرز تشوُّهات أخلاقية وسياسية عميقة.
وفي هذا الصدد، يثير هذا المشروع الاستيطاني نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا. ويركِّز منتقدوه على ما يعتبرونه تناقضًا بين سهولة انتقال مواطنين إسرائيليين إلى أوروبا واستقرارهم فيها، وبين الصعوبات التي تواجه الفلسطينيين الفارِّين من الحرب في «قطاع غزة» في الحصول على ممرَّات آمنة أو تأشيرات دخول إلى الدول الأوروبية.
وقد أعربت جمعية المجتمع اليهودي بمدينة «ميلانو»، عبر نائبة رئيسها، «داليا غوبّاي»، في مناسبات مختلفة، عن قلقها من تنامي مظاهر العداء لليهود ومعاداة السَّامية في إيطاليا وأوروبا. كما شدَّدت قياداتها على ضرورة الدِّفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع تأكيدها في الوقت ذاته على دعم إسرائيل.
وقالت «غوبَّاي»: "الأمر يزداد سوءًا في كل مرَّة. أعتبر نفسي امرأة قوية، لكن عندما أتحدَّث عن هذا الأمر، ينتابني بعض الحَزَن. هناك لحظات نشعرُ فيها حقًّا وكأنَّنا في ثلاثينيات القرن الماضي؛ بعض الأمور متشابهة للغاية، بل أكثر من اللَّازم".
وتدين هذه الجالية نفسها العنف الذي ارتُكِب ضدَّ نشطاء الأسطول، كما تدين تصرُّفاتهم باعتبارها استفزازية. وقال «وُوْكَر مينياغي»، رئيس المجتمع اليهودية في «ميلانو»، في معرض حديثه عن الأحداث التي شهدت هجوم إسرائيل على الأسطول: "إن الدفاع عن إسرائيل يعني أيضًا مطالبة مؤسَّساتها بالتصرُّف دائمًا باحترام لكرامة الإنسان والقانون والقيم الديمقراطية". ومع ذلك، فإنّ هذه الجماعة نفسها هي التي تُصنِّف كل من ينتقد إسرائيل وسياساتها وأيديولوجيتها الصهيونية، مثل الجمعية الوطنية للمقاومين الأحرار بإيطاليا (ANPI)، التي وعد رئيسها «جانفرانكو بايارولو» بمقاضاتهم، بأنَّها معادية للسَّامية.
وتعكس هذه الظاهرة تفاوتًا عالميًا في فرص التنقُّل والهجرة، إذ يستطيع أصحاب الجنسيات القوية والموارد المالية الانتقال بسهولة إلى مناطق آمنة، بينما يواجه سكَّان مناطق النزاع، وبالأخص الفلسطينيين في «قطاع غزة»، قيودًا كبيرة تحول دون مغادرتهم مناطق الحرب.
كما أنَّ محاولات محلية لاستقبال عائلات فلسطينية نازحة لم تكلل بالنجاح بسبب استمرار الحرب والقيود المفروضة على الخروج من «قطاع غزة»، وهو دليل على وجود تفاوت في فرص الوصول إلى الحماية واللجوء.
ويوضِّح «أوغو لوتساتّي» الخيار الصعب الذي واجهوه، متحدِّثًا عن نهاية الديمقراطية في إسرائيل، وعن عملية لا رجعة فيها ستؤدِّي إلى سقوطها. لكنَّه يقول إنَّهم لا يريدون تصنيفات، وإنَّهم ليسوا معارضين. كثير من السكَّان الجدد هم من أصحاب المهن الحرَّة. وكما أشار «لوتساتي»، فإنّ معظم الوافدين الجدد حاصلون على شهادات جامعية ويَشغلون مناصب عليا: أطباء، وصيادلة، ومهندسون، وعلماء حاسوب. بعضهم يحاول الانضمام إلى سوق العمل المحلي. لكن كما يوضِّح «لوتساتّي»، يواصل الكثيرون العمل في إسرائيل (واقتصادها الحربي) من منازلهم، في جبال «البييمونتي»، عن بُعد. صرَّح مؤسِّس «مشروع بايتا» أيضًا: "نحن نُفكِّر في إنشاء مركز أكاديمي يركِّز على الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وهما مجالان نتمتَّع فيهما نحن الإسرائيليون بقوة كبيرة". ويدرك الفلسطينيون في «قطاع غزة» و«الضفة الغربية» هذا الأمر جيدًا. فقطاع تكنولوجيا الأمن والدفاع، بما يملكه من خبرة ورأس مال، وبالتعاون مع أعرق جامعات البلاد، هو وجه آخر للدولة في بناء آلة الفصل العنصري والتطهير العرقي الإسرائيلية.
ويكمن جوهر هذه القصة الأخلاقي أيضًا في الامتياز الهيكلي للتنقل. فهذه "الأرض الموعودة الجديدة في قلب فالسيزيا" متاحة حصريًا لمن يملكون جوازات سفر قوية وموارد وفيرة. بينما تُسهّل الحكومات الغربية حق هؤلاء المواطنين في التنقُّل بحُرِّية، وشراء منازل ريفية في جبال الألب، والحصول على خدمات الألياف الضوئية فائقة السُّرعة.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.