الإيطالية نيوز، الاثنين 14 سبتمبر 2026 – على مدى نحو أربع وعشرين ساعة، تناولت وسائل الإعلام حادثة استهداف لم تقع قط. فقد قيل إن طائرة مسيّرة روسية حاولت إسقاط طائرة «فولوديمير زيلينسكي» أثناء استعدادها للإقلاع من مولدوفا، في تطور كان من شأنه أن يدفع أوروبا خطوة إضافية نحو مواجهة مباشرة مع «موسكو». ووفق الروايات التي جرى تداولها، كان الرئيس الأوكراني «في مرمى النيران»، وإن الطائرة «كادت تُصاب»، وإن كارثة لم تقع إلا بفارق ضئيل للغاية.ثم ظهرت الوقائع: كانت الطائرة لا تزال على الأرض، فيما كانت المسيّرة قد سقطت قبل 43 دقيقة من إقلاع الطائرة، وعلى مسافة تقارب 160 كيلومترًا من المطار. لم يكن هناك أي اقتراب من الطائرة، ناهيك عن وجود محاولة اغتيال أو هجوم وشيك. وهكذا اختفى الخبر من الصفحات الأولى، من دون تصحيحات أو اعتذارات. لكن الصحافة الكبرى، التي باتت تعمل بصورة دائمة وكأنها تستعد لحرب عالمية ثالثة، كانت قد حققت هدفها بالفعل: الإشارة إلى «موسكو» بوصفها المسؤولة، وإثارة إنذار جديد.
في مساء 9 سبتمبر، وخلال حديثه من ساحة القصر الملكي في «أوسلو» مع هيئة الإذاعة والتلفزيون النرويجية العامة «NRK»، قال رئيس الوزراء النرويجي «يوناس غار ستوره» إن طائرة «زيلينسكي» كانت «على وشك أن تُصاب بمسيّرة بينما كانت تستعد للإقلاع» من مولدوفا. لكنه لم يوضح مسار المسيّرة ولا المسافة التي كانت تفصلها عن الطائرة.
وكان ذلك كافيًا. فقد سارعت وسائل الإعلام الدولية إلى إعادة نشر المقابلة من دون أي تحقق. لكن الوقائع تروي قصة مختلفة تمامًا.
في 8 سبتمبر، دخلت طائرتان مسيّرتان، حددت السلطات المولدوفية أنهما روسيتان، المجال الجوي للبلاد. وواصلت إحداهما طريقها باتجاه رومانيا، بينما سقطت الأخرى نحو الساعة 17:15 في حقل بمنطقة «ريشكاني»، على مسافة نحو 160 كيلومترًا من مطار «كيشيناو»، ما تسبب في اندلاع بعض الحرائق، من دون تسجيل إصابات.
وكإجراء احترازي، أغلقت السلطات المجال الجوي مؤقتًا، ما أدى إلى تأخير ثلاث رحلات مغادرة وأربع رحلات وصول، من بينها رحلة الرئيس الأوكراني. وأكد المتحدث باسم الحكومة المولدوفية «دوميترو تشوريتشي» أن طائرة «زيلينسكي» كانت لا تزال متوقفة في المطار وقت إطلاق الإنذار، وأنها لم تقلع إلا عند الساعة 17:58، أي بعد سقوط المسيّرة وإعادة فتح المجال الجوي.
كما وصفت مصادر في الرئاسة الأوكرانية، تحدثت إليها وكالة «فرانس برس»، فرضية تعرض «زيلينسكي» للخطر بأنها «مبالغ فيها». طائرة زيلينسكي لم تكن بأي شكل من الأشكال معرضة لخطر الإصابة؛ لقد تعرضت ببساطة لتأخير، شأنها شأن ست رحلات أخرى.
وبينما كانت السلطات تعمل على إعادة بناء تسلسل الأحداث، كانت الصحافة الإيطالية قد حولت بالفعل تأخيرًا احترازيًا إلى محاولة اغتيال روسية. فبعد أن نقلت «RaiRadio1» مقابلة «يوناس غار ستوره»، أضافت أن «وزير المالية النرويجي والأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، «ينس ستولتنبرغ»، كان حاضرًا عندما تحدث «زيلينسكي» عن الرحلة القادمة من مولدوفا: “لقد تحدث معنا عن الأمر خلال اجتماع، ولا أريد الدخول في التفاصيل، لكن الرحلة تعرضت لتأخير وكانت هناك تهديدات ضد الطائرة.”
أما في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، فقد تصدرت صحيفة «لا ريبوبليكا» صفحتها الأولى في 10 سبتمبر بعنوان ضخم: «محاولة اغتيال زيلينسكي». وعلى موقع الصحيفة، نقرأ أيضًا أن الرئيس الأوكراني يعيش «حياة محصنة»، وأنه كان «في مرمى» الروس «منذ الليلة الأولى»، وأنه كان «مطاردًا من قناصة وعناصر استخبارات». وفي إعادة بناء للوقائع كتبها «دي فيو»، قيل إن المسيّرة «كادت تلامس طائرته»، بل وجرى طرح فرضية «محاولة تدمير الطائرة».
أما «كورييري ديلا سيرا»، فاختارت عنوانًا يقول: «طائرة زيلينسكي كادت تُصاب بالمسيّرة»، مع عبارات من قبيل «كادت تُصاب» و«فرضية محاولة اغتيال». لكن الصحيفة نفسها عادت لاحقًا إلى إعادة بناء توقيت الأحداث ومسارات الطائرات، لتصل إلى الاستنتاج الحتمي: «لم تقع أي محاولة اغتيال»، وأن طائرة «زيلينسكي» لم تقترب منها أي مسيّرة.
أما «لاستامبا»، فتمكنت في الوقت نفسه من القول إن المسيّرة كادت تلامس الرحلة، وإن «زيلينسكي»، وفقًا لكييف، لم يكن معرضًا لأي خطر.
وفي البداية، كتبت «إل فوليو»، في 9 سبتمبر، أن مسيّرة «كادت تصيب» طائرة «زيلينسكي». وفي اليوم التالي، وعلى الرغم من النفي وإعادة بناء الوقائع المتعلقة بالتوقيت والمسافات، أعادت الصحيفة طرح الرواية، قائلة إن مسيّرة ربما وصلت إلى مولدوفا «بغرض استهداف» رحلة الرئيس الأوكراني.
كذلك، تذبذبت صحيفة «إل جورنالي» بين إعادة بناء حذرة للوقائع وبين الإشارة في نسختها الورقية إلى «محاولة الاغتيال الفاشلة». وخلال ساعات قليلة، أصبح النفي والإنذار يعيشان معًا داخل الرواية الإعلامية نفسها. وعندما انهارت الرواية، ولتجنب نشر تصحيح، لم يتغير سوى قاموس الكلمات: لم تعد المسيّرة «تكاد تلامس» الطائرة، بل أصبحت «تهددها».
وفي 11 سبتمبر، أعادت «لاريبوبليكا» حتى طرح الرواية من جديد، ووصفت «زيلينسكي» بأنه فريسة لـ«سفاري بشري»، فيما تحدثت عن المسيّرة باعتبارها تلك التي «حاولت قتله». كانت محاولة الاغتيال قد نُفيت، لكن المشهد الأكثر تأثيرًا ظل حاضرًا في المخيلة: «بوتين» يحاول القضاء على «زيلينسكي» في أجواء أوروبا. وهو السيناريو نفسه الذي شوهد في سبتمبر 2025 مع مزاعم التشويش الروسي على طائرة «أورسولا فون دير لاين»: عملية تخريب لم تقع قط، نُسبت إلى «موسكو» من دون أدلة، ثم استخدمتها «المفوضية الأوروبية» للدعوة إلى مزيد من الدفاع ومزيد من الدعم لأوكرانيا.
الآلية باتت مجربة: واقعة حقيقية يجري تحريفها وتحويلها إلى عدوان متعمد. يحتل الإنذار الصفحات الأولى، بينما يختفي النفي عن «شاشات الرادار»، في وقت يُبقى فيه الرأي العام في حالة دائمة من الخوف، ليصبح أكثر استعدادًا لقبول إعادة التسلح وتصعيد متزايد الخطورة.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.