الإيطالية نيوز، الجمعة 2 أكتوبر 2026 — بالنسبة إلى «بنيامين نتنياهو»، فإنهم مجرد «مجموعة صغيرة من المشاغبين ومثيري الشغب»، بينما تصفهم هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيطالية «راي» بأنهم «متنزهون»، فيما يستخدم «إنريكو مينتانا» مصطلح «المستوطنين» بالإنجليزية على مضض. وعند الحديث عن المستوطنين الإسرائيليين، تكثر العبارات المخففة في محاولة لتجميل واقع يتكشف يوميا عبر اعتداءات وأعمال عنف تستهدف الفلسطينيين.ففي ليلة 28-29 سبتمبر الماضي، هاجم نحو مئة مستوطن قرية «جالود»، الواقعة على بعد بضعة كيلومترات من «نابلس»، وأضرموا النار في سيارات ومنازل. وفي الساعات نفسها، سُجلت اعتداءات في قريتي «قريوت» و«المغير». وتأتي هذه الهجمات في سياق تصاعد للعنف، يترافق مع الإفلات من العقاب والحماية التي يوفرها الجيش للمستوطنين، بالتزامن مع إقرار مشاريع جديدة لتوسيع المستوطنات في «الضفة الغربية»، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.
قبل شهرين، اضطرت عائلة «طباسي» إلى مغادرة «جالود» بسبب الهجمات المتكررة التي شنها مستوطنون قادمون من «مستوطنة شيلو» القريبة. ولا تعد «شيلو» سوى واحدة من مئات المستوطنات التي تستولي على موارد من أراضي الدولة الفلسطينية، وفق الحدود التي حددتها «الأمم المتحدة»، وتعرقل فعليا التواصل الجغرافي بين القرى والمدن.
ويقع منزل «عائلة طباسي» في المنطقة «ج» من «الضفة الغربية»، وهي منطقة نشأت في إطار «اتفاقات أوسلو» المؤقتة، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الإدارية والعسكرية. وقبل أيام، أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية بإعادة «عائلة طباسي» إلى منزلها، ما أثار غضب المستوطنين الذين قرروا، في ليلة 28-29 سبتمبر، مهاجمة القرية لإجبار العائلة الفلسطينية على الرحيل مجددا.
وكما يحدث في كثير من الأحيان، لم يمنع الجيش الإسرائيلي اعتداء المستوطنين، الذين تمكنوا في «جالود» من إغلاق الطرق وإحراق السيارات وإلحاق أضرار جسيمة بالمجمع السكني ل«عائلة طباسي».
ووصف رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» نحو مئة من المهاجمين بأنهم «مجموعة صغيرة من مثيري الشغب لا تمثل سكان المستوطنات في يهودا والسامرة»، وهي التسمية ذات المرجعية التوراتية التي تستخدمها أوساط اليمين الإسرائيلي للإشارة إلى «الضفة الغربية»، مضيفا أن هذه المجموعة تلحق ضررا بالغا بصورة المستوطنين الذين «يحترمون القانون».
ويشير «نتنياهو» بذلك إلى قانون الدولة الإسرائيلية، الذي يسمح بتوسيع المستوطنات، في حين يخالف القانون الدولي، وفق النص. لكن صورة «المجموعة الصغيرة من مثيري الشغب»، التي كررها «نتنياهو» خلال خطابه الأخير المنفرد أمام «الأمم المتحدة»، حيث وصف المستوطنين المعتدين بأنهم «مجموعة من الشبان المشاغبين»، لا تتطابق مع الوقائع الميدانية.
ففي الساعات نفسها التي وقع فيها الهجوم على «جالود»، كانت مجموعات أخرى من المستوطنين تنشر العنف في أنحاء مختلفة من «الضفة الغربية». ففي «قريوت»، جنوب «نابلس»، اقتحم مستوطنون منزل امرأة فلسطينية مسنة، واعتدوا عليها بالضرب وأصابوها في الرأس. وفي «المغير»، على بعد نحو 30 كيلومتراً من «رام الله»، هاجم مستوطنون منازل السكان الفلسطينيين، بالتزامن مع اقتحام الجيش الإسرائيلي للقرية واعتقال شاب.
ولا تبدو هذه الحوادث حالات معزولة، بل تأتي ضمن مشاهد يومية تصاعدت بشكل ملحوظ منذ 7 أكتوبر 2023، وشهدت هذا العام تسارعاً إضافياً، ولا سيما خلال الصيف.
وفي نهاية يوليو، وقعت إحدى أكثر الهجمات دموية، عندما هاجم عشرات المستوطنين المسلحين قرية «تل». وأسفر ذلك عن اندلاع اشتباك مسلح قُتل خلاله أربعة مدنيين فلسطينيين، ومستوطِن، وجندي إسرائيلي.
وسجل «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (OCHA)، خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، أكثر من 1600 هجوم نفذه المستوطنون في 275 تجمعا فلسطينيا، أي ما يقارب 6.7 هجمات يوميا، مقارنة بخمسة هجمات يوميا في العام الماضي.
ويمثل هذا الرقم أعلى معدل يسجله المكتب الأممي منذ بدء عمليات الرصد عام 2005. ففي أغسطس وحده، وقعت نحو 270 عملية اعتداء أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية، بينما بلغ متوسط الهجمات الشهرية بين يناير ويوليو نحو 190 هجوماً.
ويتزامن عنف المستوطنين مع توسع المستوطنات الإسرائيلية، وهو ملف شكّل أحد محاور سياسة «حكومة نتنياهو» وحظي بجزء كبير من التأييد الداخلي.
وبحلول نهاية عام 2025، وبعد ثلاث سنوات فقط من ولاية الحكومة، كانت السلطات قد وافقت على 69 مستوطنة، بين مشاريع جديدة وعمليات «شرعنة» لبؤر استيطانية قائمة.
ووفق آخر إحصاء للأمم المتحدة، المحدث حتى عام 2023، كان هناك 279 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، يعيش فيها ما مجموعه 700 ألف مستوطن. ورغم تكرار الإدانات الصادرة عن المؤسسات الدولية، فإن تطبيق الإجراءات على مستوى الدول لا يزال محدوداً.
وفي مواجهة هذا المشروع الاستعماري، إلى جانب استمرار الحرب في «قطاع غزة»، لم يتمكن «الاتحاد الأوروبي» من اعتماد نظام عقوبات شامل بحق إسرائيل، على غرار الإجراءات التي اتخذها ضد روسيا عقب غزوها لأوكرانيا.
واكتفت بروكسل، وفق النص، بإجراءات محدودة تستهدف بعض «المستوطنين العنيفين»، لتدخل المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء في ما يشبه تبادل المسؤوليات.
وقد اتخذت بعض الدول خطوات بصورة منفردة، من بينها الإعلان عن وقف، لم يدخل حيز التنفيذ بعد، لتجارة المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.
أما إيطاليا، فعلى الرغم من اتساع الحركة الشعبية المؤيدة لهذه الخطوة، فقد قررت عدم الانضمام إليها، واختارت عرقلة اتخاذ إجراءات أوروبية بهذا الاتجاه بهدف الحفاظ على علاقاتها مع حليفتها إسرائيل.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.