الإيطالية نيوز، الاثنين 26 أكتوبر 2026 — منظّمٌ لأعمال الشغب، و«شخصية بارزة في تيار الإسلام السياسي»، يُحتمل أن تكون له صلات بأجهزة الاستخبارات الروسية، لكنه، قبل كل شيء، ثوري خطير «زرع الخوف والترهيب». هذه، وغيرها الكثير، هي الصورة التي يُقدَّم بها «يوسف الصيهر»، مؤسس صفحة حركة «17 أكتوبر»، الذي اعتُقل يوم الأحد في «ميلانو».ويخضع «الصيهر» للتحقيق من قِبل النيابة العامة في «ميلانو»، بتهم التحريض على ارتكاب الجرائم، والإرهاب، والعنف المنظّم، وهي جريمة استحدثتها حكومة «جورجا ميلوني» بعد يومين من تأسيس الحركة.
وقد تصل العقوبات القصوى المترتبة على هذه التهم مجتمعةً إلى 34 عامًا وستة أشهر من السجن، وهي اتهامات وُجّهت أيضًا إلى زوجته، التي لا تزال طليقة.
«يوسف الصيهر»، البالغ من العمر 30 عامًا، صحفي وباحث ناشط منذ سنوات في المجال السياسي؛ وهو شخص لا يختلف كثيرًا في ملامح مسيرته عن المواطن العادي، لكن السياسة ووسائل الإعلام تتعاملان معه كما لو كان أحد منفذي المجازر، لمجرد أنه أسّس صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكتب فيها، بشأن أعمال العنف والتحركات التخريبية المنسوبة إليه، كلمة واحدة.
«يوسف الصيهر» إيطالي في الثلاثين من عمره، وُلد لأبوين مغربيين، ويتمتع بسيرة أكاديمية ومهنية حافلة.
خلال سنوات دراسته الجامعية في جامعة «ميلانو»الحكومية، شارك في عدد من الأنشطة المتعلقة بالسياسة الطلابية، وأسّس جمعية الطلاب الجامعيين المسلمين في الجامعة.
وفي عام 2023، حصل على شهادة جامعية في العلوم السياسية والحكومية، ثم واصل مسيرته الدراسية من خلال دورات تخصصية وأنشطة بحثية.
وفي عام 2024، عمل متدربًا باحثًا لدى مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع ل«لمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية» (ISPI)، الذي حرص على التوضيح بأنه «لم يتعاون معه مجددًا منذ ذلك الحين».
وعلى مرّ السنوات، تعاون أيضًا مع صحيفة «إل فاتّو كوتيديانو» ووسائل إعلام أخرى أقل شهرة، فضلًا عن نشر مقال في صحيفة «إل فوليو».
باختصار، نحن أمام صحفي وباحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وله اهتمامات في المجال السياسي.
يواجه الصحفي والباحث الأكاديمي اتهامات بالتحريض على ارتكاب الجرائم، مع ظرف مشدّد يتمثل في الغرض الإرهابي، وبالعنف المنظّم خلال التظاهرات العامة، وهي جريمة مستحدثة بموجب المرسوم الأخير، فضلًا عن الانتماء إلى جمعية ذات أغراض إرهابية.
وتنص الجريمة الأولى على عقوبة بالسجن تتراوح بين سنة وخمس سنوات، تُزاد بمقدار النصف في حال توافر الظرف المشدّد المرتبط بالغرض الإرهابي، ما يرفع الحد الأقصى للعقوبة إلى سبع سنوات وستة أشهر.
أما جريمة «العنف المنظّم»، فتعاقب كل من «يشارك، أثناء مظاهرة، في مجموعة تضم خمسة أشخاص على الأقل، تعمل بصورة منظّمة، ولو على نحو عرضي، وتستخدم أو تلقي أشياء من شأنها إلحاق الأذى، أو وسائل خطرة، بما يعرّض سلامة الأشخاص لخطر فعلي».
ويُعاقَب من ينظّم هذه المجموعات أو يروّج لها، وهي التهمة المنسوبة إلى «يوسف الصيهر»، بالسجن من أربع إلى اثنتي عشرة سنة.
أما الجريمة الثالثة، فهي الأشد من حيث الحد الأقصى للعقوبة، إذ تنص على معاقبة كل من «يروّج لجمعيات تهدف إلى ارتكاب أعمال عنف لأغراض إرهابية أو لقلب النظام الديمقراطي، أو يؤسسها أو ينظّمها أو يقودها أو يموّلها»، بالسجن من سبع إلى خمس عشرة سنة.
حملة تشويه تتجاوز الاتهامات القضائية
إلى جانب الاتهامات الجنائية، انطلقت أيضًا آلة التشويه وتلطيخ السمعة.
كتب «ماتيو سالفيني»، في منشور خصّصه للحديث عن اعتقال الباحث: «من حق الإيطاليين أن يعرفوا من يقف وراء حركة دمّرت عددًا من المدن الإيطالية».
وأضاف وزير الداخلية «ماتّيو بيانتيدوزي»: «ستكون استجابة الدولة فورية ضد كل من يعتقد أنه قادر على تنظيم اعتداءات وأعمال شغب، ظنًا منه أنه يستطيع الاختباء خلف قناع أو وراء هويته المجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي».
ولم تقتصر الاتهامات على السياسيين، بل انضمت إليها وسائل الإعلام أيضًا.
فبحسب ما أوردته الصحافة، كان «يوسف الصيهر» معروفًا بالفعل لدى أجهزة الاستخبارات الإيطالية، بسبب دوره في المظاهرات المؤيدة لفلسطين خلال السنوات الأخيرة، ولأنه أسّس منظمة «ألبا ناشينتي» (Alba Nascente)، وهي شبكة لدعم الجالية المسلمة في إيطاليا، تصفها بعض وسائل الإعلام بأنها قريبة من «حركة حماس» والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي مقالها المخصّص للباحث، وصفته صحيفة «لاريبوبليكا» بأنه شخص «قريب من المواقف الإيرانية»، ومن أوساط اليسار الراديكالي، مع احتمال وجود اتصالات له بأجهزة الاستخبارات الجزائرية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مجهول قوله إن «يوسف الصيهر» «كان شخصية بارزة في تيار الإسلام السياسي».
وأضاف المقال أن ملفه الشخصي «يتوافق مع آليات الحرب الهجينة»، لكنه أقرّ، في السطر التالي مباشرة، بأنه لا يوجد ما يثبت وجود «توجيه أو تدبير من جهة أجنبية».
كبش فداء لإسقاط حركة «17 أكتوبر»
بعد أيام من التكهنات والأخبار الكاذبة الصارخة، عادت وسائل الإعلام التقليدية والطبقة السياسية إلى توحيد صفوفها لإسقاط حركة «17 أكتوبر». وهذه المرة، لم تكتفِ بتداول الأخبار المضللة، بل وجدت كبش الفداء المثالي لتقديمه قربانًا على مذبح التهويل وإثارة الذعر.
لم يستخدم «يوسف الصيهر» ولا زوجته موقعهما بصفتهما مسؤولين عن إدارة منصات الحركة لنشر رسائل تهدف إلى تقويض النظام الديمقراطي، أو للتحريض على ممارسة العنف في الساحات، أو لدعوة المتظاهرين إلى الدخول في مواجهات.
ومع ذلك، تُوجَّه إليهما حاليًا اتهامات جنائية تصل عقوباتها القصوى، عند جمع الحدود القصوى للعقوبات المقررة لكل تهمة حسابيًا، إلى 34 عامًا وستة أشهر من السجن.
وللمقارنة، حُكم على «لويجي تشافارديني»، أحد المنفذين الفعليين لتفجير «بولونيا» الإرهابي، بالسجن 30 عامًا، مع تخفيض العقوبة بسبب كونه قاصرًا وقت وقوع الأحداث، وقد أمضى معظم مدة عقوبته.
أما «فاليريو فيورافانتي» و «فرانشيسكا مامبرو»، وهما من أعضاء تنظيم «النوى الثورية المسلحة» (NAR)، اللذين أُدينا أيضًا في قضية التفجير، فقد حُكم عليهما بالسجن المؤبد. وأمضى الأول 26 عامًا في السجن، فيما أمضت الثانية 16 عامًا.
وخلاصة القول: من الناحية النظرية البحتة، قد يقضي «يوسف الصيهر» وزوجته سنوات في السجن تفوق ما قضاه المنفذون الفعليون الذين أُدينوا في أكثر الهجمات الإرهابية دموية في تاريخ إيطاليا؛ وكل ذلك بسبب إنشاء صفحة على إنستغرام.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.