وتستند الاتهامات، بحسب الملف، كليًا إلى معطيات مصدرها إسرائيل وجيشها. ولا تتضمن مئات الصفحات الصادرة عن محكمة «جنوة» أي إشارة إلى كون إسرائيل دولة متهمة بارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، وهو عامل من شأنه—على الأقل—أن يضعف موثوقية الادعاءات. وبالمثل، لا تظهر في الملف أدلة قاطعة ضد «حنون» أو ضد «الجمعية الخيرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني».
وتُعدّ محاولة تجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني ورقة لطالما سعت إسرائيل إلى استخدامها في مناسبات متعددة، من دون نتائج تُذكر. فمنذ أكتوبر 2023، وُجّهت اتهامات متكررة من «تل أبيب» إلى منظمات تعمل لصالح الفلسطينيين بزعم التواطؤ مع «الإرهاب». وقد استُهدفَت وكالة «الأونروا» بهذه الاتهامات، قبل أن تقوم الأمم المتحدة بدحضها، مؤكدة عدم وجود أدلة. كما رُوّجت مزاعم بأن مستشفيات «غزة» تُستخدم قواعدَ لـ«حماس»، من دون تقديم أي إثبات. وتكرر الأمر مع «أسطول الصمود العالمي»، الذي اتُّهم بعلاقات مباشرة مع «حماس»، وهي اتهامات لم تُثبت. واليوم، أعلنت «تل أبيب» أنها لن تجدّد في عام 2026 تصاريح عمل عشرات المنظمات غير الحكومية الأجنبية العاملة في «غزة»، بذريعة قضايا تتعلق بالشفافية ومصادر التمويل.
في هذا السياق، تندرج القضية المرفوعة ضد «حنون». إذ تعود أولى اتهامات «التواطؤ مع حماس» (التي تأسست عام 1987) إلى عام 1991. غير أن الإجرائين الجنائيين اللذين أُقحِم فيهما لاحقًا، عامي 2006 و2010، أُغلِقا في الحالتين لعدم كفاية الأدلة. ورغم ذلك، في 18 أكتوبر 2023، أي بعد أيام قليلة من هجوم «حماس» وبدء العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة، أعادت شرطة «ديغوس» فتح التحقيق. وتتمثل فرضيات الاتهام في «تمويل الإرهاب» و«التحريض على ارتكاب الجرائم»، مع ظرف مشدد يتمثل في «التحريض أو تمجيد الجرائم الإرهابية».
وتقوم النظرية الاتهامية على أن الأموال التي تُجمع عبر «الجمعية الخيرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني» لا تصل إلى الفلسطينيين المحتاجين، بل تؤول إلى الجناح العسكري لـ«حماس» لاستخدامها في تنفيذ عمليات إرهابية. وجُمعت المواد عبر تنصّتات هاتفية وبيئية ورقمية، والحصول على تسجيلات كاميرات المراقبة، وتحليلات مالية ومصرفية، إضافة إلى أنشطة «تحت غطاء» مكّنت المحققين من استخراج أربعة تيرابايت من البيانات من حواسيب الجمعية. وفي الوقت نفسه، باشرت الولايات المتحدة تحقيقاتها؛ ففي عام 2024، صنّفت وزارة الخزانة الأميركية «حنون» «عضوًا في حماس»، ووصفت «الجمعية الخيرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني» بأنها «منظمة خيرية صورية» هدفها الحقيقي جمع الأموال لتمويل الجناح العسكري للحركة.
وتستند محكمة «جنوة» في دعم تحقيقاتها إلى وثائق قدّمتها «تل أبيب» والجيش الإسرائيلي، الذي يواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في «قطاع غزة»، وبمساندة اعتداءات المستوطنين في «الضفة الغربية». ولا ينظم القانون الإيطالي صراحة إدراج مستندات خارج إطار الخصومة جُمعت عبر قنوات التعاون الدولي ضمن الملفات الجنائية. غير أن توصية صادرة عن لجنة وزراء مجلس أوروبا تُعد «ذات دلالة»، إذ تشترط لاستخدام المعلومات الواردة من مناطق نزاع أن تكون قد جُمعت «بما يتوافق مع سيادة القانون وحقوق الإنسان». ولا يوضح الملف كيف جمع الجيش الإسرائيلي—التابع لدولة تخضع لإجراءات أمام محكمة العدل الدولية—المعلومات المتعلقة بدعم حنون المزعوم «للإرهاب».
وبحسب الاتهامات، «يمكن القول» إن أكثر من %70 من الأموال التي جمعتها «الجمعية الخيرية للتضامن مع الشعب الفلسطيني» قد حُوّلت إلى جمعيات مرتبطة بـ«حماس». وتكتب المدعية العامة «كاربانيـني» أن «حماس تنظيم واحد»، وأن الفصل بين جناحه السياسي والعسكري غير ممكن على نحو واضح، ما يعني—وفقًا للملف—أن التمويلات الخارجية «لا يمكن تمييز وجهتها على نحو يقيني»، أي لا يمكن الجزم بأن أي أموال حُوّلت ذهبت فعليًا إلى «الجناح المسلح».
ويضع الملف الوقائع في سياق هجوم 7 أكتوبر، الذي لا تزال تفتقر وقائعه إلى «حقيقة قضائية»، إذ أعلنت إسرائيل بدء تحقيقات رسمية بشأنه قبل أسبوع واحد فقط، بعد أكثر من عامين على الأحداث. وتعتمد وثائق المحكمة على معلومات من «وسائل إعلام»، إذ إن إعادة بناء المشهد—من «القدرة البشرية الكبيرة» إلى «تجاوز صعوبات التخطيط والاستراتيجية»، وصولًا إلى توافر «موارد مالية ضخمة» تفترض «قنوات تمويل مهمة»—كلها مستمدة من روايات صحفية إسرائيلية. وفي حين تُبرز الصفحات الثلاثون التي تستعرض تاريخ «حماس»—وهي مادة لا صلة مباشرة لها بالإجراءات القضائية—أن هدف الحركة «تدمير إسرائيل»، يتجاهل الملف إلى حد بعيد التصريحات العلنية المتكررة، والموثقة على نطاق واسع، الصادرة عن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تدعو إلى قتل المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، بغض النظر عن أي صلة لهم بأحداث 7 أكتوبر.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.