إيطاليا.. حين يُدجَّن التمرد: من «غالي» إلى «باد بانّي» - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

إيطاليا.. حين يُدجَّن التمرد: من «غالي» إلى «باد بانّي»

إيطاليا.. حين يُدجَّن التمرد: من «غالي» إلى «باد بانّي»

الإيطالية نيوز، الأحد 8 فبراير 2026 – لم تعد الموسيقى اليوم مجرد فن، بل أصبحت صناعة عابرة للحدود، قادرة على الوصول إلى ملايين البشر في لحظة واحدة. ومع ذلك، كلما اتسع هذا النفوذ، ضاق هامش حرية التعبير. فالفنان العالمي مدعو دائمًا إلى الظهور، شرط أن يلتزم بالصمت. أو أن يتحدث… من دون أن يقول شيئًا.


ما حدث مع المغني الإيطالي، ذو الأصول التونسية، «غالي» (Ghali) خلال حفل افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في «ميلانو» ليس استثناءً، بل نموذجًا متكررًا. فقبل صعوده إلى المسرح، تسابقت التصريحات الرسمية لتطمين الجميع: لن تكون هناك مواقف سياسية، لن تُكسر قواعد “الحياد”، ولن يُسمح لأي رأي حر بأن يربك التوازن الدقيق بين الحكومات والرعاة وشركات البث. وقد التزم «غالي» بذلك تمامًا. صعد، قرأ نصًا أدبيًا، نال تصفيقًا مهذبًا، وغادر المشهد كما يغادر الأطفال طاولة العشاء في المناسبات العائلية—مع فارق وحيد: المقابل المالي.


المفارقة أن هذا يحدث في زمن يُفترض أن الموسيقى فيه أكثر تحرُّرًا من أي وقت مضى. لكنها في الواقع مطالبة بأن تكون ديكورًا صوتيًا لا أكثر. مسموح لها بالوجود، لا بالتأثير. مسموح لها بأن ترفّه، لا أن تُقلق. الفنان مرحّب به ما دام لا يُزعج أحدًا، ولا يُحرج سلطة، ولا يُغضب ممولًا.


هذه الظاهرة لا تقتصر على أوروبا. ففي الولايات المتحدة، يستعد العالم لمتابعة نهائي «السوبر بول»، حيث سيحيي النجم العالمي «باد بانّي» (Bad Bunny) فقرة الاستراحة. ظاهريًا، هو انتصار للتنوع الثقافي، وللموسيقى غير الإنجليزية، ولصوت المهاجرين. لكن خلف هذا الاحتفاء، يكمن توتر عميق.


«باد بانّي» ليس فنانًا “محايدًا”. موسيقاه مشبعة بأسئلة الهوية والهجرة والشعور الدائم بالاغتراب، حتى داخل الوطن. وهو لا يخفي مواقفه السياسية، ولا عداءه لسياسات «دونالد ترامب»، ولا خوفه على جمهوره من ممارسات أجهزة الهجرة. ومع ذلك، وجد نفسه في قلب الحدث الأميركي الأكثر رمزية ووطنية.


هنا تحديدًا يظهر السؤال الجوهري: ماذا يحدث حين يُستوعب الاحتجاج داخل العرض؟ حين يتحول الغضب إلى فقرة زمنها محدَّد، محاطة بإعلانات، ومحكومة بقواعد البث؟ هل يبقى احتجاجًا فعلًا، أم يتحول إلى منتج ترفيهي آخر؟


ردّ الفعل المحافظ في الولايات المتحدة كان كاشفًا. فبدل النقاش، جرى إنتاج عرض مضاد، “أميركي خالص”، يعيد تدوير النوستالجيا (الحنين) ويطمئن الجمهور بأن كل شيء لا يزال تحت السيطرة. وكأن المطلوب ليس إسكات الصوت المختلف، بل موازنته، تفريغه، وتحويله إلى مجرد خيار ضمن قائمة المشاهدة.


الخطر الحقيقي هنا ليس في منع الفنان من الكلام، بل في السماح له بالكلام داخل إطار يضمن ألا يكون لكلامه أي أثر. فحين تصبح الثورة رقصة، والاحتجاج استراحة، والمعاناة مادة للبث، فإن الرسالة تفقد قدرتها على الإزعاج. والتاريخ يعلّمنا أن الأفكار التي لا تُزعج، نادرًا ما تغيّر شيئًا.


في النهاية، لا يكمن السؤال في نوايا الفنانين، ولا في صدق مواقفهم، بل في السياق الذي تُعرض فيه تلك المواقف. فبين تصفيقٍ وأخر، وبين إعلانٍ وأخر، قد لا يعود المشاهد قادرًا على التمييز: هل ما رآه كان صرخة احتجاج حقيقية، أم مجرد عرض متقن أخر، أُعدّ بعناية… كي لا يهزّ أحدًا؟

ليست هناك تعليقات:

صحة وطب

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك