الإيطالية نيوز، الخميس 21 مايو 2026 – تتواصل اللِّقاءات الرّسمية للرئيس الصيني، «شي جين بينغ»، ففي أعقاب الزيارة التي أجراها الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» إلى «بكين» بأيام قليلة، استقبل الرئيس الصيني، يوم الثلاثاء 19 مايو، نظيره الروسي «فلاديمير بوتين»، في لقاء عزّز متانة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.ورغم أن اللِّقاء لم يحظَ بالزخم الإعلامي الذي رافق القمة الصينية ـ الأميركية، فإن «بكين» حرصت على إظهار مستوى عالٍ من البروتوكول الرسمي في استقبال من وصفه «شي جين بينغ» بـ«الصديق القديم». وقد استُقبل بوتين والوفد المرافق له في مطار «بكين» من قبل وزير الخارجية الصيني «وانغ يي»، بخلاف ما جرى خلال استقبال «ترامب» الذي كان في انتظاره نائب الرئيس الصيني «هان تشنغ».
اللِّقاء، الذي اتَّسم بطابع عملي أكثر مقارنة بالمباحثات مع الوفد الأميركي، شكَّل الزيارة الخامسة والعشرين للرئيس الروسي إلى الصين، وأبرز عمق العلاقات الثنائية بين البلدين. فبعد عقود من التوتُّرات الصينية ـ السوفيتية، كان بوتين قد وقّع عام 2001 مع الرئيس الصيني الأسبق «جيانغ زيمين» معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا، مجدَّدًا بذلك التحالف مع دولة كانت تتجه لتصبح أحد أبرز المنافسين الاستراتيجيين للولايات المتحدة.
ويأتي إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع هذه المعاهدة في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة بفعل الحروب والأزمات الدولية، حيث يسعى البلدان إلى تعزيز علاقتهما وإعادة التوازن إليها، بالأخص بعد الحرب الروسية في أوكرانيا والعقوبات الغربية التي دفعت «موسكو» إلى الاعتماد بوتيرة متزايد على «بكين».
وخلال مراسم التوقيع التي أُقيمت في قاعة الشعب الكبرى، وقع الزعيمان عشرين اتفاقية اقتصادية شملت مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والابتكار العلمي والبنية التحتية، إضافة إلى نحو عشرين اتفاقًا آخر على المستوى الحكومي وقطاع الأعمال.
ووفقًا لما أوردته وكالة «بلومبرغ»، تستورد روسيا منذ عام 2022 أكثر من 90 في المئة من التقنيات الصينية الخاضعة للعقوبات الغربية. كما أفاد بيان صادر عن «الكرملين» عقب اللقاء بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ خلال العام الماضي نحو 200 مليار دولار، مع تسجيل نمو في المبادلات الثنائية بنسبة 20 في المئة.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، أكَّد الجانبان على ضرورة الحفاظ على التوازن والاستقرار في النظام الدولي، مُحمِّلين ما وصفاه بـ«الإجراءات الأحادية» مسؤولية إضعاف القانون الدولي، في إشارة ضمنية إلى أزمات دولية من بينها احتجاز الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» والهجمات على إيران ولبنان.
واعتبر الزعيمان أن مواجهة ما وصفاه بـ«الانحدار العالمي» تتطلَّب تعزيز التعاون الدولي عالي الجودة وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية. كما أشار «شي جين بينغ» إلى المبادرة المؤلفة من أربع نقاط، التي طرحها خلال زيارة ولي عهد «أبوظبي» إلى «بكين»، لمواجهة ما سمَّاه «قانون الغاب»، وهو التعبير ذاته الذي استخدمه خلال لقائه برئيس الوزراء الإسباني «بيدرو سانشيز» في أبريل الماضي.
وأكدت الصين وروسيا أيضًا على التزامهما بتعزيز التعاون داخل الأطر والمؤسَّسات الدولية المشتركة، بما في ذلك مجموعة «البريكس»، و«منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ»، و«منظمة التعاون في شنغهاي»، و«الأمم المتحدة».
ورغم التقارب السياسي والتفاهم المتبادل بشأن الملفات الدولية، فإنَّ الزيارة لم تحسم ملف الطاقة. فعلى الرغم من أن الصين تستورد من روسيا النفط والغاز والوقود المعدني بقيمة تقارب 90 مليار دولار سنويًا، ما يجعلها من أبرز زبناء «موسكو» في قطاع الطاقة، فإنَّ المباحثات الخاصة بالموافقة النهائية على مشروع خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» لم تفضِ إلى اتِّفاق حاسم.
ومن المقرَّر أن يربط المشروع حقول «يامال» الروسية بالصين، بطاقة نقل تصل إلى 50 مليار متر مكعَّب من الغاز سنويًا، إضافة إلى الكميات التي ينقلها خط «قوة سيبيريا 1». ويُفسَّر التريُّث الصيني، من جهة، بتراجع المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة نتيجة أزمة «مضيق هرمز»، ومن جهة أخرى برغبة بكين في توسيع خياراتها في أسواق آسيا الوسطى.
ويعكس جدول الزيارات الرسمية المكثَّف إلى الصين، الذي شهد خلال الفترة الأخيرة استقبال شخصيات دولية بارزة من بينها «بيدرو سانشيز»، و«فريدريش ميرز»، و«تو لام»، و«أنطونيو تاياني»، و«ترامب» و«بوتين»، حجم الجهود التي تبذلها بكين لترسيخ موقعها كمحور رئيسي في العلاقات الدولية.
كما أُعلن عن لقاء مرتقب بين الزعيم الكوري الشمالي «كيم جونغ أون» و«شي جين بينغ»، إضافة إلى زيارة قريبة للرئيس التركماني «سردار بردي محمدوف».
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة، وفق هذا المنظور، في موقع متراجع على صعيد الوساطة الدولية، لا سيما في ظل الولاية الثانية لِـ«ترامب» وما رافقها من سياسات تجارية وإجراءات أحادية. ويرى مراقبون أن ترك هذا الدور للصين قد يشكل تحديًا استراتيجيًا كبيرًا للنفوذ الأميركي على الساحة الدولية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.