وكانت «ميشيل»، وهي عارضة أزياء ألمانية طموحة، قد غادرت بلادها سعيا وراء حلم العمل في عالم الأزياء العالمي، إلا أن قصتها تحولت منذ ذلك الحين إلى لغز غامض. وبالنسبة لوالديها، «فلادو» و«أنيت»، فإن ظهور اسمها في «ملفات إبستين» يمثل أول إشارة ملموسة إلى ابنتهما بعد ما يقرب من أحد عشر عاما من الصمت، رغم أن والدتها تعتقد أن مكروها قد أصابها، قائلة: “أخشى أنها لم تعد على قيد الحياة.”
وتستند هذه القضية إلى تحقيق نشرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية وتحليل أجرته شبكة «سي إن إن» لوثائق رفعت عنها السرية وزارة العدل الأمريكية.
وبحسب المعطيات المتاحة، بدأت «ميشيل» التعاون مع «دانيال سياد» بعد لقائهما في «دبي» عام 2012. وفي سبتمبر 2015، انقطع كل تواصل بينها وبين أسرتها بصورة مفاجئة؛ فلم تجرِ أي اتصال هاتفي، كما لم يُسجل أي نشاط مصرفي مرتبط بها. وعلى إثر ذلك، أبلغ والداها عن اختفائها، غير أن التحقيقات اصطدمت بعقبة قانونية، إذ إن السلطات الألمانية قد تحد من عمليات البحث النشطة في حالات الاختفاء التي لا تتوافر فيها مؤشرات على وقوع جريمة. ومع مرور السنوات، تراجعت القضية إلى هامش الاهتمام العام.
وأعاد ظهور اسم «ميشيل» في الوثائق المرتبطة ب«إبستين» قصتها فجأة إلى دائرة الضوء. فقد أظهرت الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة بصورة أوضح مدى عمق العلاقات التي ربطت «إبستين» ببعض أوساط صناعة الأزياء العالمية.
وتكشف المراسلات عن شبكة من الوكلاء ومستكشفي المواهب والمديرين والوسطاء الذين دارت أنشطتهم حول الممول الأمريكي لسنوات، حيث كان يوفر لهم العلاقات والأموال والفرص المهنية، بل وحتى المساعدة في الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، كان يحظى بوصول مميز إلى شابات من دول مختلفة. وقد أفادت كثيرات منهن لاحقا بتعرضهن لانتهاكات واستغلال جنسي.
ومن بين الأسماء الأكثر ورودا في الوثائق «دانيال سياد»، الذي تتركز حوله حاليا تحقيقات جنائية فُتحت هذا العام في «باريس». وقد استجوب المحققون ما لا يقل عن عارضتي أزياء سابقتين بشأنه.
وتُظهر بعض الرسائل الإلكترونية أن «سياد» تعاون في البداية مع «جان-لوك برونيل»، الذي توفي منتحرا في السجن بعد توجيه اتهامات إليه باغتصاب قاصرات والاتجار بالبشر، في عمليات استقطاب العارضات، قبل أن يتلقى لاحقا من «إبستين» عشرات آلاف الدولارات على مدى سنوات.
وعندما خضعت بعض هذه التحويلات المالية لتدقيق من قبل «دويتشه بنك»، جرى تبريرها على أنها مدفوعات مقابل جلسات تصوير وقروض مالية. وفي تصريحات لشبكة «سي إن إن»، قال «سياد» إن هذه الأموال كانت ببساطة مرتبطة بعمله في اكتشاف المواهب.
وتُظهر الوثائق أنه نظم لقاءات عديدة بين «إبستين» وشابات تعرّف إليهن خلال عمله. وفي رسالة تعود إلى عام 2018، تحدث عن البحث عن «مساعدة شابة حسنة المظهر» للممول الأمريكي. وفي مناسبات أخرى، كان يرسل له صورا لفتيات في أوضاع مثيرة، التقى بهن خلال رحلاته في أوروبا وشمال أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي.
وظل «سياد» ينفي أي تورط في أنشطة غير قانونية، مؤكدا أنه تعرض للخداع من جانب «إبستين». وقال: «كان أشبه بالحرباء»، مضيفا أنه لم يكن لديه أي سبب يدعوه للاشتباه فيما كان يحدث خلف الكواليس. غير أن وثائق وزارة العدل الأمريكية تشير إلى أن مستكشف المواهب كان على علم بأن دوره لم يقتصر على تعريف «إبستين» بشابات بغرض توفير فرص عمل لهن فقط.
ولم تؤدِ إدانة «إبستين» بجرائم جنسية عام 2008 إلى عزله عن الأوساط المهنية. بل على العكس، واصل جزء من قطاع الأزياء التعامل معه وإشراكه في أنشطة مهنية وتقديمه بوصفه شخصية مؤثرة في المجال.
ولفترة طويلة، احتفظ «إبستين» بصورة الرجل القادر على فتح الأبواب وتغيير المسارات المهنية للآخرين. وفي هذا السياق، عاد اسم «ميشيل» إلى الظهور باعتباره الأثر الوحيد ذي الأهمية خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية.
ورغم أن هذا الخيط الجديد لا يفسر ما الذي حدث للعارضة الألمانية الشابة، فإنه يعيد فتح واحد من بين العديد من الألغاز التي ما زالت تحيط بقضية «جيفري إبستين».

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.