الإيطالية نيوز، الثلاثاء 7 يوليو 2026 – «ترامب» يتصل من «البيت الأبيض»، والاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ينفّذ. خلال ساعات قليلة تتحوَّل القضية إلى فضيحة. إنَّ طرد اللاعب «فولارين بالوغون» ثم إلغاء عقوبة الإيقاف المفروضة عليه خلال كأس العالم، ليس سوى أحدث مثال على عبثية نظام بات رهينة للنفوذ التجاري والضغوط السياسية. فاللاعب الذي طُرد في دور الـ16 أمام البوسنة كان حاضرًا بشكل طبيعي في مباراة ثمن النهائي أمام بلجيكا. ولم يحدث مثل هذا الأمر من قبل في تاريخ البطولة. إنَّها مسألة مرتبطة باللوائح، وتحديدًا بالطريقة التي جرى بها تفسيرها. فكيف تعمل المادَّة 27 من القانون التأديبي لـ «الفيفا» التي أنقذت اللاعب الأمريكي؟ لنوضح التفاصيل.ماذا حدث؟
قبل تحليل النص القانوني بالتفصيل، من الضروري العودة خطوة إلى الوراء لاستعراض ما حدث داخل الملعب. كان ذلك في الثاني من يوليو: على ملعب «سان فرانسيسكو باي إيريا ستاديوم»، خاض منتخبا الولايات المتحدة والبوسنة والهرسك مواجهة حاسمة من أجل انتزاع بطاقة التأهُّل إلى قائمة أفضل 16 منتخبًا في كأس العالم.
كان «بالوغون»، مهاجم نادي «موناكو» الفرنسي والمنتخب الأمريكي، الشخصية الأبرز في المباراة. إيجابًا وسلبًا. فقد سجَّل أولًا هدف التقدُّم، ثم في الدقيقة 64 من اللقاء تلقى بطاقة حمراء بعد مراجعة تقنية الفيديو داخل الملعب (On Field Review)، إثر تدخُّل اعتُبر خطأً جسيمًا في اللعب بحق المدافع المنافس «طارق محارموفيتش».
ورغم الطرد، تمكنت الولايات المتحدة من الفوز بنتيجة 2-0 والتأهُّل إلى الدور التالي. وبعد وقت قصير، تقدَّم الاتحاد الأمريكي لكرة القدم باستئناف ضد العقوبة التي اعتبرها مبالغًا فيها بحقِّ لاعبه، بهدف واضح هو ضمان مشاركة هداف الفريق في مواجهة بلجيكا في دور الـ16.
ووفقًا للقانون التأديبي لِـ «الفيفا»، فإنَّ الطرد المباشر يؤدي تلقائيًا إلى إيقاف اللاعب مباراة واحدة في اللقاء التالي، من دون إمكانية تقديم استئناف. ومع ذلك، حاولت الولايات المتحدة تغيير القرار، وبفضل اتصال «دونالد ترامب» برئيس «الفيفا، وصديقه المقرَّب، «جاني إنفانتينو»، جرى تعليق عقوبة الإيقاف.
تغيَّر المشهد بالكامل: إذ أصبح بإمكان «بالوغون» المشاركة بصورة طبيعية ضمن التشكيلة الأساسية المكونة من 11 لاعبًا. ووصف مدرب منتخب بلجيكا «رودي غارسيا» القضية بأنها أشبه بـ«كذبة أبريل»، بينما أرسل الاتحاد البلجيكي لكرة القدم خطابًا إلى «الفيفا» يطلب فيه الحصول على نسخة من القرار وتوضيح الإجراءات التي تم اتباعها.
كيف تعمل المادة 27؟
وهنا تدخل العملية التي فجّرت حالة الفوضى. فالمادة 27 من القانون التأديبي للفيفا واضحة تمامًا، إذ تنص على أن:
«يمكن للهيئة القضائية أن تقرر تعليق تنفيذ إجراء تأديبي، كليًا أو جزئيًا».
لكن القانون لا يحدد الحالات التي يمكن فيها استخدام هذه المادة، ما يترك هامشًا واسعًا للتقدير.
وبتطبيق ذلك على هذه القضية تحديدًا، جاء القرار بصيغة:
«استنادًا إلى المادة 27 من القانون التأديبي للفيفا، تم تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف التلقائي بحق اللاعب الأمريكي «فولارين بالوغون» لمدة اختبار تبلغ عامًا واحدًا».
ماذا يعني ذلك؟
بالاستناد إلى المادة 27، لم تقم لجنة الانضباط في «الفيفا» بإلغاء البطاقة الحمراء، وفي الوقت نفسه لم تُلغَ مباراة الإيقاف، بل تم تعليق تنفيذها فقط.
وبذلك يدخل «بالوغون» فترة اختبار مدتها 12 شهرًا (تُعرف باسم «فترة المراقبة»). فإذا ارتكب اللاعب خلال هذه المدة مخالفة انضباطية مشابهة من حيث الطبيعة والخطورة، فسيتعيَّن عليه تنفيذ مباراة الإيقاف المعلقة، إضافة إلى أي عقوبة جديدة قد تُفرض عليه.
وتكمن خصوصية حالة «بالوغون» في تفصيل دقيق: فالاعتراضات والجدل لم ينشآ بسبب مضمون المادة المذكورة بقدر ما نشآ بسبب طريقة استخدامها.
فحتى قضية «بالوغون»، كان الإيقاف التلقائي الناتج عن الطرد المباشر يُعتبر نتيجة إلزامية وغير قابلة للتراجع عبر الاستئناف. لكن تطبيق «الفيفا» للمادة 27 على عقوبة اعتُبرت تلقائية وغير قابلة للتعديل، خلق سابقة خطيرة.
لأن أي لاعب سيُعاقب مستقبلًا بالإيقاف لمباراة واحدة قد يطالب بتعليق العقوبة، وبالتالي العودة مباشرة إلى الملعب في المباراة التالية.
الحالات الأكثر تشابهًا
لا توجد سوابق مطابقة تمامًا لهذه الحالة. ومع ذلك، هناك حالتان مشابهتان استفادتا من المادة 27.
فقد استُخدمت هذه المادة في السنوات السابقة، لكن فقط مع عقوبات انضباطية تتعلق بإيقافات لعدة مباريات، وليس لتعليق مباراة الإيقاف التلقائي الناتجة عن بطاقة حمراء مباشرة.
أبرز سابقة يُشار إليها حاليًا تتعلق باللاعب «كريستيانو رونالدو». ففي 13 نوفمبر 2025، خلال مباراة تصفيات كأس العالم 2026 بين البرتغال وإيرلندا، تعرض اللاعب البرتغالي للطرد بسبب ضربة بالكوع وجهها إلى المدافع الإيرلندي «دارا أوشي».
وبعد تطبيق القانون التأديبي، فرضت لجنة الانضباط في الفيفا على «رونالدو» عقوبة الإيقاف لثلاث مباريات: مباراة واحدة تلقائية بسبب الطرد، ومباراتان إضافيتان بسبب السلوك العنيف.
وهنا تدخَّلت المادة 27. فقد قرَّر «الفيفا» أن ينفِّذ «رونالدو» عقوبة الطرد التلقائية (أي المباراة الأولى) أمام أرمينيا، وهي المباراة الأخيرة في التصفيات، ثم علّق تنفيذ المباراتين الإضافيتين، ليضعه تحت فترة اختبار مدَّتها عام واحد، كما حدث مع «بالوغون».
وهكذا جرى «تجميد» العقوبة، وأصبح القميص رقم 7 للمنتخب البرتغالي حاضرًا بشكل طبيعي في مواجهتي جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوزبكستان، وهما أول مباراتين في كأس العالم.
لكن لماذا تختلف حالة «بالوغون» عن حالة رونالدو؟
الفرق بين «كريستيانو رونالدو» واللاعب الأمريكي جوهري. ففي حالة «رونالدو»، تدخلت لجنة الانضباط بشأن عقوبة من ثلاث مباريات، وقامت فعليًا بتنظيم طريقة تنفيذها.
أما بالنسبة للاعب الولايات المتحدة، فقد استخدم الفيفا للمرة الأولى المادة 27 لتعليق مباراة إيقاف واحدة تلقائية ناتجة عن بطاقة حمراء خلال الأدوار النهائية لكأس العالم، باعتبار أن هذه المادة تمنح صلاحية تقديرية.
وهناك سابقة أخرى، لكنها أقل قابلية للمقارنة قانونيًا مع حالة «بالوغون»، وتتعلق باللاعب «غارينشا». ففي نصف نهائي كأس العالم 1962 أمام تشيلي، تعرض المهاجم البرازيلي للطرد، وكان يفترض بالتالي أن يغيب عن النهائي أمام تشيكوسلوفاكيا.
لكن «الفيفا»، الذي كان يعمل آنذاك بنظام انضباطي مختلف تمامًا عن النظام الحالي، أعاد النظر في القضية وقرر السماح له بالمشاركة.
المادة 27 ليست الوحيدة التي جرى الاستناد إليها
من الناحية القانونية، لا تمثل المادة 27 سوى جزء من الصورة الكاملة التي تحكم القضية. وكان الاتحاد البلجيكي لكرة القدم هو من أشار إلى ذلك تحديدًا.
فقد استند الاتحاد إلى المادة 66.4 من القانون التأديبي لِـ «الفيفا»، التي تنص على الإيقاف التلقائي بعد الطرد، وإلى المادة 10.5 من لائحة كأس العالم، التي تؤكد المبدأ نفسه.
وهذا يعني أن عقوبة الإيقاف تنشأ مباشرة من اللوائح، وبالتالي لا ينبغي أن يكون بالإمكان تعليقها عبر المادة 27. لأن ذلك قد يؤدي إلى تناقض داخل النظام نفسه.
خصوصًا أن جميع اللاعبين الآخرين الذين تعرضوا للطرد خلال هذه النسخة من كأس العالم نفذوا عقوبة الإيقاف لمباراة واحدة بشكل طبيعي، من دون أن تتحول حالاتهم إلى قضايا ذات أبعاد دولية كما حدث مع هذه القضية.
شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.