الإيطالية نيوز، الخميس 13 أغسطس 2026 – إحدى أكثر أدوات السياسة الخارجية التي تستخدمها الحكومات شيوعًا لتوسيع نطاق نفوذها هي منح دولةٍ ما شيئًا تحتاج إليه، من دون أن تطلب منها رسميًا شيئًا في المقابل، وبذلك تقرّبها منها، بل وقد تجعلها معتمدة عليها. فعلى سبيل المثال، خلال الجائحة، وزّعت الصين لقاحاتها على العديد من الدول التي لم تكن قادرة على الحصول على اللقاحات.لكن هذه الميزة الأخيرة قد لا تدوم طويلًا، والسبب تحديدًا هو أن تلك الشركات بدأت تتحوَّل إلى ما يشبه منافساتها الأمريكية، أي إلى شركات يتعيَّن عليها الاستجابة لمطالب المساهمين. ففي يناير 2026، أُدرجت شركتان من أبرز الشركات الصينية في هذا القطاع، هما Zhipu وMiniMax، في بورصة «هونغ كونغ»، ومنذ ذلك الحين بدأت أسعار التوكنات في الارتفاع.
وقد رفعت شركة «مونشوت» (Moonshot)، المنتجة لنموذج «كيمي»، أسعارها بأكثر من ثلاثة أضعاف من إصدار إلى أخر، إذ انتقلت من 4 دولارات إلى 15 دولارًا لكل مليون توكن مُخرَج. وفي 7 يوليو، كشفت وكالة أنباء «رويترز» أيضًا أن وزارة التجارة الصينية اجتمعت مع مسؤولي شركات Alibaba وByteDance وZhipu لبحث إمكانية تقييد وصول الأجانب إلى أفضل النماذج، بما في ذلك النماذج التي لم تُطرح بعد.
أما الوعْد الأمريكي، فيتمثَّل في إتاحة أفضل نموذج ممكن دائمًا، على أن يكون مدمجًا بالكامل مع جميع أدوات العمل. وبين الأول من أبريل و30 يونيو 2026، جمعت وزارة التجارة الأمريكية مقترحات من مجموعات من الشركات الأمريكية المستعدة للعمل معًا لتقديم حزمة متكاملة إلى الحكومات الأجنبية، تشمل أجهزة كمبيوتر متخصِّصة، وأنظمة تخزين، ونماذج ذكاء اصطناعي، وأمنًا سيبرانيًا، وتطبيقات لمختلف القطاعات. ويحصل من يقع عليه الاختيار على إجراءات مُسرَّعة للحصول على تراخيص التصدير، ودعم دبلوماسي، وأولوية في الوصول إلى التمويل العام، بينما تُدرج المقترحات المقبولة في نوع من الكتالوغ الذي يعرضه الدبلوماسيون الأمريكيون على حلفائهم.
وتتمتَّع النماذج الأمريكية الأكثر تقدُّمًا في الوقت الراهن بتفوُّق تكنولوجي على النماذج الصينية، ولا سيما في المهام الأكثر صعوبة. فمن يكتب أكوادًا شديدة التعقيد، كما في حالة الباحثين، أو من يوكِل إلى هذه النماذج مهام حسّاسة، مثل تحليل العقود، يحتاج إلى إجابات موثوقة ودقيقة، ويكون مستعدًّا لدفع المزيد مقابل ذلك. كما تقدِّم الشركات الأمريكية ضمانات تعاقدية تتعلَّق بمعالجة البيانات، وشهادات الامتثال، واستمرارية الخدمة؛ وهي عناصر أساسية بالنسبة إلى الشركات الكبرى.
![]() |
| ممثلو الولايات المتحدة يوقّعون إعلان «Pax Silica» مع الهند، بمناسبة قمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 التي عُقدت في نيودلهي في 20 فبراير 2026. |
ومع ذلك، فإنَّ معظم العمل الذي تُسنده الشركات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي يتكوّن من مهام متكرِّرة ومنخفضة المخاطر، مثل تلخيص الوثائق، وتصنيف رسائل البريد الإلكتروني، أو إنشاء أوصاف للمنتجات. وبالفعل، وفقًا لبعض التقديرات، كان نحو 70 في المئة من التوكنات المستهلكة قبل عام يمرُّ عبر نماذج أمريكية؛ أمَّا اليوم فقد انخفضت هذه النسبة إلى نحو 30 في المئة. ويظهر هذا الاتجاه حتى داخل الشركات الأمريكية نفسها: فقد ظلَّت نسبة التوكنات الخاصة بها التي تمرُّ عبر نماذج صينية تتجاوز 30 في المئة أسبوعيًا منذ فبراير، ووصلت إلى ذروة بلغت 46 في المئة، مقابل متوسِّط قدره 11 في المئة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة.
وسواء اختيرت النماذج الصينية أم الأمريكية، فهناك خطر إنشاء أشكال من الاعتماد قد تستمرُّ لفترة طويلة. فالوزارة أو الشركة التي بنت خدماتها على نموذج معيَّن، ودرّبت موظفيها التقنيين على أدوات محدَّدة، وكيّفت إجراءاتها وفقًا لتلك المعايير، سيكون من الصعب عليها تغيير المورد، ولا سيما إذا كانت لا تمتلك الخبرات اللازمة لتطوير تلك النماذج، وإنَّما لا يتاح لها سوى أوزانها أو الخدمات التي تقدِّمها.
ولذلك، فإن «دبلوماسية التوكنات» بالنسبة إلى الدول التي يتعيَّن عليها الاختيار، ليست مجرَّد مسألة اختيار نموذج للذكاء الاصطناعي، بل هي أيضًا حسابٌ لتحديد أي نوع من الاعتماد تعتبره أقل مخاطرة.





شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.