دبلوماسية الذكاء الاصطناعي: الصين والولايات المتحدة تتنافسان على النفوذ العالمي - الإيطالية نيوز

إعلان فوق المشاركات

دبلوماسية الذكاء الاصطناعي: الصين والولايات المتحدة تتنافسان على النفوذ العالمي

دبلوماسية الذكاء الاصطناعي: الصين والولايات المتحدة تتنافسان على النفوذ العالمي

الإيطالية نيوز، الخميس 13 أغسطس 2026 – إحدى أكثر أدوات السياسة الخارجية التي تستخدمها الحكومات شيوعًا لتوسيع نطاق نفوذها هي منح دولةٍ ما شيئًا تحتاج إليه، من دون أن تطلب منها رسميًا شيئًا في المقابل، وبذلك تقرّبها منها، بل وقد تجعلها معتمدة عليها. فعلى سبيل المثال، خلال الجائحة، وزّعت الصين لقاحاتها على العديد من الدول التي لم تكن قادرة على الحصول على اللقاحات.


والآن تستخدم الحكومة الصينية استراتيجية مماثلة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لها، إلى درجة أنه بدأ يُتحدَّث عن «دبلوماسية الرموز»، أي «دبلوماسية التوكنات»، نسبةً إلى وحدة قياس استهلاك الذكاء الاصطناعي. فمن خلال إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها للدول التي تحتاج إليها لتطوير برمجياتها الخاصة ودمجها في الإدارة العامة، أو قطاع الصحة، أو التعليم، أو غير ذلك من الخدمات، تعمل الصين على تعزيز علاقاتها الدبلوماسية، وإقامة علاقات جديدة، والأهم من ذلك، إنشاء روابط من الاعتماد عليها.


ويُعدّ العرض الصيني، بالنسبة إلى العديد من الدول، أكثر ملاءمةً من عرض منافسها الرئيسي، الولايات المتحدة. فاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية أقل تكلفة، وفي كثير من الحالات يمكن تنزيل نماذجها وتثبيتها على أجهزة الكمبيوتر مجانًا. أما الولايات المتحدة، فتعتمد على نماذج أكثر تفوقًا وموثوقية في أداء المهام الصعبة، وتَعِد بإتاحة ضمانات، بما في ذلك ضمانات ذات طابع اقتصادي وعسكري.

 ويسعى كلا البلدين إلى بناء شبكة من الدول الحليفة حول عروضهما الخاصة.


وفي 16 يوليو، وقّعت تسعٌ وعشرون دولة في شنغهاي على الوثيقة التأسيسية لـ «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (WAICO)، وهي منظمة حكومية دولية جديدة تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي.


وقال الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إن «تطوير الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون أداءً منفردًا لدولة واحدة، بل سيمفونيةً من التعاون الدولي»، وأعلن عن برامج تدريبية تمتد لخمس سنوات، وعن إنشاء مراكز للتعاون الإقليمي مع «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان)، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة «بريكس»، وهي مجموعة من الدول الناشئة الكبرى، التي تضم، من بين دول أخرى، البرازيل وروسيا والهند (التي لم تنضم إلى «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» والصين نفسها.

 الرئيس الصيني شي جين بينغ يلقي خطابًا رئيسيًا في مراسم افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2026 في شنغهاي.

من بين الموقّعين، لا توجد أي دولة من دول «الاتحاد الأوروبي» أو من دول «مجموعة السبع»، وهي مجموعة الاقتصادات المتقدمة الرئيسية. وفي الواقع، تتبع الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجية أخرى تُسمّى «Pax Silica»؛ فالاسم يجمع بين الكلمة اللاتينية pax، أي «السلام»، و«السيليكا»، وهي المادة المعدنية التي يُستخرج منها السيليكون المستخدم في تصنيع معالجات الحاسوب. وتصفها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها مبادرة تهدف إلى بناء سلسلة توريد آمنة للسيليكون، بدءًا من المعادن الحيوية ووصولًا إلى مراكز الحوسبة والخدمات اللوجستية.


ويلتزم كل من يوقّع الاتفاق بتقليل «الاعتماد المفرط» على موردين يُعتبرون غير موثوقين، وضمان إتاحة الوصول المتبادل إلى كامل سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، والتنسيق لمواجهة «الإغراق»، أي البيع بأقل من التكلفة بهدف القضاء على المنافسين، وحماية التقنيات الحساسة والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الكابلات البحرية ومراكز البيانات، من «عمليات الوصول أو التأثير أو أشكال السيطرة غير المشروعة».


وكانت أستراليا وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة أولى الدول التي انضمت إلى المبادرة، وذلك خلال قمة «واشنطن» في 11 و12 ديسمبر 2025. وعندما نوقشت في مايو مسألة ما إذا كان ينبغي لِـ«الاتحاد الأوروبي» أيضًا أن ينضم إليها، عارضت فرنسا ذلك بشدة، معتبرةً أن المبادرة تتعارض مع «الاستقلالية الاستراتيجية» التي تصرّ الحكومة الفرنسية عليها منذ سنوات.


وفرنسا، علاوةً على ذلك، واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي تمتلك شركة كبيرة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، هي «ميسترال»، التي تطوّر نماذجها الخاصة القادرة على منافسة النماذج الأمريكية والصينية، ولو جزئيًا على الأقل.

في برينديزي، توقيع الإعلان بشأن «Pax Silica» بين إيطاليا والولايات المتحدة، بحضور السفيرين فاريكيو وفيرتيتا إلى جانب رئيس البلدية والمحافظ.

انتهت حالة الجمود في بداية يونيو، عندما حصلت «المفوضية الأوروبية» من الولايات المتحدة على ضمانات بألا يتعارض الإعلان مع القواعد الأوروبية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مثل «قانون الذكاء الاصطناعي» (AI Act)، وألا يكون ملزِمًا، أي ألا يفرض التزامات تتعلَّق بالتصدير أو يفرض قيودًا على الاستثمارات الأجنبية.


كما انضمَّت بعض الدول الأوروبية منفردةً، مثل إيطاليا، لأن السياسة الصناعية، وامتيازات التعدين، والاستثمارات في البنية التحتية، تظل من اختصاص الحكومات الوطنية.

لكي لا تعتمد حكومة ما على الكتلتين اللتين آخذتين في التشكل، سيتعين عليها أن تطوّر نموذجًا خاصًا بها، لكن هذا الأمر يتجاوز قدرة الجميع تقريبًا: إذ يتطلب مئات الملايين من الدولارات، وسنوات من البحث على أعلى مستوى، وأنظمة حوسبة متخصِّصة، وموظفين مؤهلين، وبنية تحتية تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة. وكل ذلك في الوقت الذي تواصل فيه الشركات المتخصصة أصلًا التقدُّم، وبوتيرة متسارعة على نحو متزايد.


لذلك، فإن ما يمكنها فعله هو الاعتماد على نموذج طوّره طرف أخر. وبالنسبة إلى النوع نفسه من العمل، تكلف النماذج الصينية اليوم ما بين 60 و90 في المئة أقل من النماذج الأمريكية.


كما أن العديد من النماذج الصينية، مثل «ديب سيك» (DeepSeek)، هي نماذج ذات «أوزان مفتوحة». والأوزان هي مليارات القيم التي يستخلصها البرنامج من خلال قراءة النصوص وإعادة قراءتها على مدى أشهر، وهذه القيم هي التي تحدد كيفية عمل البرنامج. وهذه الأوزان هي النموذج نفسه، ونشرها يعني، في الواقع، إتاحة نتيجة عمل استغرق الكثير من الوقت والطاقة والبيانات للآخرين.


وبالتالي، يستطيع أي شخص يمتلك قدرة حوسبية كافية تنزيل النموذج بأوزانه التي حسبتها الشركات الصينية، وتثبيته على أجهزة الكمبيوتر الخاصة به واستخدامه. كما يمكنه تعديله وتكييفه مع لغته أو مع قطاعه الخاص.


وإذا جرى تشغيل النموذج محليًا، فلا يستطيع المنتج ببساطة إيقافه عن بُعد، كما لا يكون لديه وصول إلى البيانات التي تتم معالجتها. وبالنسبة إلى حكومة تريد نظامًا خاصًا بها من دون الاعتماد على مورد أجنبي، فإن هذا الفارق هائل، وهو ما يفسِّر سبب اهتمام دول لا تثق بالصين نفسها بهذا العرض أيضًا.

في مدينة هانغتشو، في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين، بعض الزوار في معرض مخصص لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مايو 2025

لكن هذه الاستقلالية محدودة. أولًا، لأن المتاح هو أوزان النموذج، وليس القدرة على بناء نموذج جديد، وهو أمر يتطلب دائمًا مئات الملايين من الدولارات. وبالتالي، يجري تنزيل نسخة قد تصبح قديمة بعد بضعة أشهر. لكن إذا بدأ العديد من المطوِّرين في بناء خدماتهم الخاصة على نموذج معيَّن، تتراكم حول هذا النموذج أدوات ومكتبات وأدلَّة ودورات تدريبية وإجابات يمكن البحث عنها عندما لا يعمل شيء ما على النحو المطلوب. وهذا يشبه إلى حد ما ما فعلته شركة «غوغل» مع نظام «أندرويد».


وتطبّق الحكومة الصينية، في الواقع، استراتيجية شبيهة بتلك التي اتبعتها بالفعل مع منتجات أخرى: فمن خلال بيعها بأسعار أقل بكثير من أسعار المنافسين، تمكَّنت من الاستحواذ على حصَّة من السوق. ومن يهيمن على سوق ما يساهم أيضًا في وضع قواعده، لأن حلوله التقنية تصبح المعيار الذي يُجبر جميع الأخرين على التكيُّف معه. وخلال السنوات الأخيرة، ساهمت الصين، على سبيل المثال، في وضع معايير الأمم المتحدة المتعلقة بـالتعرّف على الوجه، والمراقبة، وأنظمة القيادة الذاتية.


وتعود هذه الأسعار المنخفضة جدًا إلى ثلاثة عوامل على الأقل. أولها أن الصين هي أكبر منتج للطاقة في العالم، وهذه النماذج تستهلك كميات هائلة منها. وثانيها أنها تستخدم أساليب مختصرة؛ فعلى سبيل المثال، بدلًا من تدريب النماذج على بيانات خام، يجري تدريبها على محاكاة سلوك نموذج سبق تدريبه، في عملية تُسمّى «تقطير المعرفة»؛ فنموذج Kimi K3، على سبيل المثال، يدّعي أن اسمه «كلاود» (Claude). وثالثها أن الشركات الصينية، التي تحصل على دعم من الحكومة، تمكَّنت حتى الآن من الاستغناء عن تحقيق الأرباح في سبيل الاستحواذ على حصص من السوق.

لكن هذه الميزة الأخيرة قد لا تدوم طويلًا، والسبب تحديدًا هو أن تلك الشركات بدأت تتحوَّل إلى ما يشبه منافساتها الأمريكية، أي إلى شركات يتعيَّن عليها الاستجابة لمطالب المساهمين. ففي يناير 2026، أُدرجت شركتان من أبرز الشركات الصينية في هذا القطاع، هما Zhipu وMiniMax، في بورصة «هونغ كونغ»، ومنذ ذلك الحين بدأت أسعار التوكنات في الارتفاع.


وقد رفعت شركة «مونشوت» (Moonshot)، المنتجة لنموذج «كيمي»، أسعارها بأكثر من ثلاثة أضعاف من إصدار إلى أخر، إذ انتقلت من 4 دولارات إلى 15 دولارًا لكل مليون توكن مُخرَج. وفي 7 يوليو، كشفت وكالة أنباء «رويترز» أيضًا أن وزارة التجارة الصينية اجتمعت مع مسؤولي شركات Alibaba وByteDance وZhipu لبحث إمكانية تقييد وصول الأجانب إلى أفضل النماذج، بما في ذلك النماذج التي لم تُطرح بعد.


أما الوعْد الأمريكي، فيتمثَّل في إتاحة أفضل نموذج ممكن دائمًا، على أن يكون مدمجًا بالكامل مع جميع أدوات العمل. وبين الأول من أبريل و30 يونيو 2026، جمعت وزارة التجارة الأمريكية مقترحات من مجموعات من الشركات الأمريكية المستعدة للعمل معًا لتقديم حزمة متكاملة إلى الحكومات الأجنبية، تشمل أجهزة كمبيوتر متخصِّصة، وأنظمة تخزين، ونماذج ذكاء اصطناعي، وأمنًا سيبرانيًا، وتطبيقات لمختلف القطاعات. ويحصل من يقع عليه الاختيار على إجراءات مُسرَّعة للحصول على تراخيص التصدير، ودعم دبلوماسي، وأولوية في الوصول إلى التمويل العام، بينما تُدرج المقترحات المقبولة في نوع من الكتالوغ الذي يعرضه الدبلوماسيون الأمريكيون على حلفائهم.


وتتمتَّع النماذج الأمريكية الأكثر تقدُّمًا في الوقت الراهن بتفوُّق تكنولوجي على النماذج الصينية، ولا سيما في المهام الأكثر صعوبة. فمن يكتب أكوادًا شديدة التعقيد، كما في حالة الباحثين، أو من يوكِل إلى هذه النماذج مهام حسّاسة، مثل تحليل العقود، يحتاج إلى إجابات موثوقة ودقيقة، ويكون مستعدًّا لدفع المزيد مقابل ذلك. كما تقدِّم الشركات الأمريكية ضمانات تعاقدية تتعلَّق بمعالجة البيانات، وشهادات الامتثال، واستمرارية الخدمة؛ وهي عناصر أساسية بالنسبة إلى الشركات الكبرى.

 ممثلو الولايات المتحدة يوقّعون إعلان «Pax Silica» مع الهند، بمناسبة قمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 التي عُقدت في نيودلهي في 20 فبراير 2026.

ومع ذلك، فإنَّ معظم العمل الذي تُسنده الشركات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي يتكوّن من مهام متكرِّرة ومنخفضة المخاطر، مثل تلخيص الوثائق، وتصنيف رسائل البريد الإلكتروني، أو إنشاء أوصاف للمنتجات. وبالفعل، وفقًا لبعض التقديرات، كان نحو 70 في المئة من التوكنات المستهلكة قبل عام يمرُّ عبر نماذج أمريكية؛ أمَّا اليوم فقد انخفضت هذه النسبة إلى نحو 30 في المئة. ويظهر هذا الاتجاه حتى داخل الشركات الأمريكية نفسها: فقد ظلَّت نسبة التوكنات الخاصة بها التي تمرُّ عبر نماذج صينية تتجاوز 30 في المئة أسبوعيًا منذ فبراير، ووصلت إلى ذروة بلغت 46 في المئة، مقابل متوسِّط قدره 11 في المئة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة.


وسواء اختيرت النماذج الصينية أم الأمريكية، فهناك خطر إنشاء أشكال من الاعتماد قد تستمرُّ لفترة طويلة. فالوزارة أو الشركة التي بنت خدماتها على نموذج معيَّن، ودرّبت موظفيها التقنيين على أدوات محدَّدة، وكيّفت إجراءاتها وفقًا لتلك المعايير، سيكون من الصعب عليها تغيير المورد، ولا سيما إذا كانت لا تمتلك الخبرات اللازمة لتطوير تلك النماذج، وإنَّما لا يتاح لها سوى أوزانها أو الخدمات التي تقدِّمها.


ولذلك، فإن «دبلوماسية التوكنات» بالنسبة إلى الدول التي يتعيَّن عليها الاختيار، ليست مجرَّد مسألة اختيار نموذج للذكاء الاصطناعي، بل هي أيضًا حسابٌ لتحديد أي نوع من الاعتماد تعتبره أقل مخاطرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان اسفل المشاركات

الإيطالية نيوز

الإيطالية نيوز، موقع إخباري مهتم بشؤون الجالية المقيمة في الخارج مع إطلالة على أهم الأحداث والحوادث الواقعة في العالم.

انظم إلينا عبر المنصات التالية

للتواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

سينما

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

أقاليم إيطاليا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مواقع قد تفيدك