بهذه العناوين، نسبت وسائل إعلام رئيسية إلى المُقرِّرة الخاصَّة للأمم المتحدة تصريحات لم تتفوَّه بها، قبل أن يلحق بها تيار سياسي أوروبي وازن، تقوده فرنسا، مطالبا بإقالتها. فالعبارة المنسوبة إلى «ألبانيزي» خلال مشاركتها في «منتدى الجزيرة» هي: «إسرائيل عدو مشترك للإنسانية». وفي صحافة اللُّهاث وراء النقرات، بدا أن تخصيص أربع دقائق للعودة إلى المصدر والتحقُّق من الكلام قبل نشره كان أمرًا بالغ الصعوبة.
ويُظهر تحريف تصريحات «ألبانيزي» — وفقًا لما يؤكِّده مضمون خطابها — وجود منظومة، على مدى العامين الماضيين، سَلَّحت إسرائيل ووفّرت لها الغطاء السياسي والمالي، وروَّجت لـ«سردية مؤيدة للفصل العنصري والإبادة الجماعية».
وكانت مداخلة 7 فبراير الجاري في «منتدى الجزيرة» واحدة من سلسلة لقاءات أجرتها «ألبانيزي» خلال العامين الماضيين في جولات دولية تناولت فيها القضية الفلسطينية وانتهاكات القانون الدولي. ولم تحظَ الكلمة باهتمام يُذكَر، إلى أن انطلقت موجة الجدل التي غذَّتها وسائل الإعلام الرئيسية واليمين الأوروبي.
تقول المقرِّرة الخاصَّة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلَّة: “أمضينا العامين الماضيين نراقب التخطيط لإبادة جماعية وتنفيذها. والإبادة لم تنتهِ.” ثم تنتقل للحديث عن تقاعس المجتمع الدولي.
وتضيف: “بدلاً من وقف إسرائيل، قامت غالبية العالم بتسليحها، ومنحتها مبررات سياسية ودعمًا اقتصاديًا وماليًا. هذا تحدٍّ. كما أن غالبية وسائل الإعلام الغربية ضاعفت من انتشار السردية المؤيِّدة للفصل العنصري والإبادة، وهذا تحدٍّ أيضًا، لكنَّه في الوقت ذاته فرصة.”
وتتابع موضِّحةً: “إذا كان القانون الدولي قد طُعن في الصميم، فمن الصحيح أيضًا أنه لم يسبق للمجتمع العالمي أن رأى بهذه الوضوح أنَّنا — نحن الذين لا نتحكَّم برؤوس الأموال الكبرى ولا بالخوارزميات ولا بالأسلحة — نواجه تحدِّيًا مشتركًا. نحن كبشرية نواجه عدوًا مشتركًا».”
المقطع الذي استُشهِد به لا يتجاوز دقيقة واحدة. دقيقة واحدة كانت كافيةً لتفادي الجدل والتحقُّق من الخبر: «ألبانيزي» لم تصف إسرائيل بأنها «عدو الإنسانية»، بل تحدَّثت عن منظومة من الجرائم والتواطؤ والمصالح التي سمحت — بحسب تعبيرها — بوقوع إبادة بحق الشعب الفلسطيني، مؤِّكدةً على أنَّ مواجهتها تتطلَّب عملًا جماعيًا منسَّقًا، من بينها مبادرات المقاطعة والاستهلاك الواعي.
وقد أوضحت ذلك أيضًا في منشور على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بعد تصاعد الجدل، قائلةً: “العدو المشترك للإنسانية هو النظام الذي جعل الإبادة في فلسطين ممكنة، بما في ذلك رأس المال المالي الذي يموِّلها، والخوارزميات التي تحجبها، والأسلحة التي تنفِّذها.” وكانت قد طرحت هذا الطرح سابقًا في تقرير أممي بعنوان «اقتصاد الإبادة الجماعية».
My full AJ Forum speech last week: the common enemy of humanity is THE SYSTEM that has enabled the genocide in Palestine, including the financial capital that funds it, the algorithms that obscure it and the weapons that enable it. pic.twitter.com/PzTQFFybsG
الحملة الإعلامية سرعان ما استثمرها اليمين الأوروبي لتجديد الهجوم على «ألبانيزي». فقد طالبت فرنسا باستقالتها من منصبها في الأمم المتحدة، وصرَّح وزير الخارجية «جان-نويل بارو» قائلاً: “ندين من دون أي تحفظ تصريحات السيدة ألبانيزي التي تستهدف ليس الحكومة الإسرائيلية — التي يُسمح بانتقاد سياساتها — بل إسرائيل كشعب وكدولة، وهو أمر غير مقبول إطلاقًا.”
وسرعان ما تبنَّت إيطاليا الرواية الفرنسية؛ إذ تقدّم حزب «الرابطة» بمشروع قرار يطالب بإقالة «ألبانيزي»، متهما إياها ب«معاداة السامية». ويأتي ذلك في سياق أوسع قد يشهده المشهد الإيطالي، مع مشروع قانون يدعمه السيناتور «ماسيميليانو روميو»، يهدف إلى تجريم الانتقادات الموجهة إلى «تل أبيب» أو مبادرات الضغط عليها، من خلال مساواتها بأفعال معادية للسامية.

شارك برأيك في الخبر
نرحب بآرائكم وتعليقاتكم، مع الالتزام بقواعد النقاش المسؤول واحترام الآخرين.